بنغلاديش بين نفوذ الهند وتطلعات الصين.. هل يسيطر "الإسلاميون" على الحكم؟

"الاضطرابات الحالية في بنغلاديش قد تفيد بكين"
تطورات عكسية، بعدما شهدت العاصمة نيودلهي مظاهرة أمام سفارة دكا نهاية العام 2025، حيث تجمع محتجون بدعوة من منظمة قومية هندوسية يمينية متطرفة تُدعى "فيشوا هيندو باريشاد" وعدد من الجماعات المشابهة، تنديدا بحادثة إعدام ميداني بحق أحد الهندوس ببنغلاديش.
وندد المحتجون بـ"تعرض عامل في مصنع نسيج للضرب حتى الموت على يد زملائه الغاضبين، ثم تقييده إلى شجرة وإشعال النار فيه".
وترى صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية أن هذا الحادث أدى إلى تفاقم التوتر بين الدولتين الجارتين، رغم أنهما كانتا في السابق على علاقة صداقة.

حافة الانهيار
وسلط هذا الحادث الضوء على مخاوف "نيودلهي من أن تتحول بنغلاديش إلى دولة متشددة أو أن تصبح أداة لنفوذ الصين في جنوب آسيا"، وفق تعبير الصحيفة.
وبحسب التقرير، "فإن العلاقات بين الجارتين باتت على وشك الانهيار، بعد مقتل زعيم طلابي في بنغلاديش، يدعى شريف هادي الذي كان يعتزم الترشح للانتخابات البرلمانية المقررة في فبراير/ شباط 2026".
في غضون ذلك، كشفت شرطة بنغلاديش عن اسم المشتبه به في الجريمة، وأشارت إلى احتمالية فراره إلى الهند، التي فرت إليها رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، بعد أن حكمت بنغلاديش 15 عاما قبل أن يُطاح بها من الحكم إثر مظاهرات حاشدة في أغسطس/ آب 2024.
ولفت التقرير إلى أن "دكا سبق أن طالبت نيودلهي بتسليم حسينة عقب صدور حكم بإعدامها، وحاليا تطالب بنغلاديش الهند بتسليمها هي والمشتبه به".
في المقابل، أشار إلى أن الهند ترى في خطوات بنغلاديش "تحركات استفزازية".
وانعكست هذه التوترات السياسية على التحركات الميدانية، فبحسب الصحيفة، "لم يسهم هذا التبادل الحاد للرسائل بين البلدين في تهدئة الأجواء، فقد هتف الناشطون الهنود المتجمعون أمام سفارة بنغلاديش في نيودلهي بأن دكا (تعرّض الأقليات البريئة للخطر)".
ورفعوا لافتات كُتب عليها: "الهند لن تقبل أن يُعذّب الهندوس في بنغلاديش. صمتنا يجب ألا يُفسر ضعفا. نحن أسود".
"كما هدد أحد المتظاهرين بنغلاديش بأنها ستواجه عواقب وخيمة إذا لم توقف اضطهاد الهندوس"، وفق ما أوردته الصحيفة.
من جانبها، أوضحت الصحيفة أن "السلطات الهندية اتخذت الإجراءات اللازمة ضد المتظاهرين المتشددين ولحماية سفارة الدولة المجاورة".
فقد أُقيمت حواجز متنقلة حول المبنى، وانتشرت قوات الشرطة التي وصلت بسياراتها، واستخدمت العصي لتفريق المحتجين الذين حاولوا اقتحام السفارة.
وعقّبت: "هكذا تمكنت الهند من حماية الدبلوماسيين البنغاليين من أي مشاكل محتملة".
على الصعيد الدبلوماسي، أشارت إلى "تبادل الطرفين الاحتجاجات على المستوى الرسمي؛ إذ استدعت وزارة الخارجية الهندية سفير بنغلاديش، فيما استدعت دكا السفير الهندي لتقديم الإيضاحات".
دولة معادية
وحول اغتيال الزعيم الطلابي، أشار الأستاذ المشارك في الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية، سيرغي فيليتشكين، إلى أن "اغتيال شريف هادي، أحد قادة الاحتجاجات الطلابية، وقع في ظروف غامضة، فقد قُتل على يد ملثمين خلال تجمع انتخابي".
وتابع في حديثه مع صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" أن "هذه الجريمة أثارت حماسة أنصاره الذين يتبنون نفس الأيديولوجيا".
ورأى فيليتشكين أن "جوهر هذه الأيديولوجيا هو أن الهند مسؤولة عن كل شيء، فهي تستغل بنغلاديش وتستولي على جزء من أراضيها".
ولفت إلى أن "هذا الخطاب الاتهامي لم يتغير منذ عقود، وتحديدا منذ حرب الهند وباكستان عام 1971، وها هو يعود اليوم بقوة جديدة".
وأردف الخبير الأكاديمي: "القوى المتطرفة -على حد تعبيره- نظمت مظاهرات أمام البعثة الدبلوماسية الهندية في دكا، وأكثر من ذلك أمام القنصليات الهندية في مدن أخرى".
واستطرد: "وخلال أحد هذه التجمعات، قام المشاركون بضرب هندوسي حتى الموت، ثم ربطوه بشجرة وأشعلوا فيه النار".
وبحسب رأيه، "وفرت هذه الأحداث أرضية لتعليقات في الصحافة الغربية مفادها أن بنغلاديش قد تتحول إلى دولة متشددة، حيث تخشى الهند من أن الإسلاميين قد يستولون على السلطة في البلاد".
إلا أن فيليتشكين فنّد هذا الطرح قائلا: "من المستحيل أن يتحول بلد يضم أقليات دينية، وقاوم على مدى سنوات، إلى دولة إسلامية بين ليلة وضحاها".
وأوضح أن "بنغلاديش تنتمي إلى هذه الفئة، ففي السنوات الأخيرة، كانت السلطة بيد حزب (رابطة عوامي)، الذي يتبنى برنامجا علمانيا، وكان يعد خصمه الرئيس القوى الإسلامية".
لذلك، خلص إلى أنه "من غير المرجح أن تصل هذه القوى إلى الحكم عبر الانتخابات".
وأردف: "من الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد الانتخابات، وفي كل الأحوال لن تسمح الهند بتحول بنغلاديش إلى دولة معادية".

مصلحة صينية
وعند سؤاله عن موقف الصين من أزمة العلاقات بين الهند وبنغلاديش، قال فيليتشكين: "لا تلعب الصين أي دور هنا، وهي بالتأكيد لا تتعاطف مع الإسلاميين، خصوصا أنها واجهت هذه المشكلة بنفسها في إقليم شينجيانغ مع الأويغور".
وتابع: "لبكين علاقات جيدة مع بنغلاديش، وهناك تعاون اقتصادي، وشركات صينية تستثمر في البلاد، كما أن لديها خطة لاستخدام ميناء تشيتاغونغ أو موانئ أخرى لمد طريق الحرير الجديد نحو البحر".
وبالتالي، توقع الخبير الأكاديمي أنه "إذا استقرت الأوضاع في بنغلاديش، فمن المرجح أن يتعزز نفوذ الصين هناك في المستقبل".
واختتم حديثه مؤكدا أن الهند "تراقب باستمرار الأحداث في بنغلاديش".
في رأي آخر، يعتقد الباحث في كلية جندال للشؤون الدولية في دلهي، سريرام تشاوليا أن "اتهامات الهند بالتدخل في الشؤون الداخلية لجارتها تصب في مصلحة الإسلاميين".
وأوضحت الصحيفة أنه على عكس الخبير الروسي، يرى تشاوليا أن "الاضطرابات الحالية في بنغلاديش قد تفيد بكين".















