من الشراكة الإستراتيجية إلى التبادل الثقافي.. إلى أين تتجه العلاقات بين أنقرة وأبوجا؟

“العلاقات التركية النيجيرية تمتلك اليوم أساسا إستراتيجيا قويا"
العلاقات بين تركيا ونيجيريا لم تعد تُختصر في بروتوكولات دبلوماسية أو بيانات مجاملة متبادلة، بل باتت تُوصَف بلغة "الشراكة الإستراتيجية".
ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب صمد كاراجوز، ذكر فيه أن “هذا التحول يعكس تقاربا عميقا ومتعدد المستويات، يمتد من الدفاع والتجارة إلى الطاقة والتعليم والاستثمار”.
وأوضح الكاتب التركي أن كلا من أنقرة وأبوجا تسعيان إلى إعادة تعريف موقعهما في النظام الدولي بعيدا عن التبعية للمراكز الغربية التقليدية، وبما يتناسب مع عالم يتجه تدريجيا نحو التعددية القطبية.
واستدرك: “غير أن هذا التقارب، على أهميته السياسية والاقتصادية، يثير سؤالا جوهريا: هل تكفي المصالح المادية وحدها لبناء علاقة طويلة الأمد بين بلدين ينتميان إلى فضاءين ثقافيين مختلفين؟ أم أن الشراكات الحقيقية تحتاج أيضا إلى جسر ثقافي ومعرفي يربط بين المجتمعات، لا الحكومات فقط".

شراكة إستراتيجية
وقال الكاتب: إن "نيجيريا تكتسب أهمية خاصة في الحسابات التركية، وذلك ليس فقط بحكم حجمها، بل بسبب وزنها المركّب اقتصاديا وديموغرافيا وسياسيا”.
فهي أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتضم أكثر من مئتي مليون نسمة، ما يجعلها سوقا استهلاكية هائلة وقوة عمل شابة ومتنامية في آن واحد.
كما أنها تؤدي دورا محوريا في غرب إفريقيا، سواء من خلال ثقلها داخل منظمة "إيكواس"، أو عبر تأثيرها في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة، وهذا الموقع يمنحها مكانة تتجاوز حدودها الوطنية، ويجعلها دولة قاطرة يمكن أن تفتح أبواب القارة أمام شركائها.
من هذا المنظور، تمثل نيجيريا بالنسبة لأنقرة بوابة طبيعية إلى غرب إفريقيا وأسواقها الواسعة، فبدل التعامل مع القارة عبر علاقات متفرقة ومحدودة، تفضّل تركيا بناء شراكات مع دول مركزية قادرة على تسهيل الانتشار التجاري والاستثماري في محيطها الجغرافي.
وبالتالي، فإن تعزيز الحضور في أبوجا أو لاغوس لا يعني مجرد علاقة ثنائية، بل يشكل نقطة ارتكاز للتوسع نحو دول الجوار الإفريقي، سواء في مجالات المقاولات أو الصناعات الدفاعية أو الطاقة أو الخدمات اللوجستية.
في المقابل، تنظر نيجيريا إلى تركيا كشريك مختلف عن القوى التقليدية، فأنقرة لا تأتي بإرث استعماري أو بشروط سياسية ثقيلة، بل تقدم نفسها بوصفها قوة صناعية صاعدة ذات خبرة عملية في التنمية السريعة.
وقد أثبتت تركيا خلال العقدين الأخيرين قدرتها على بناء بنية تحتية حديثة، وتطوير صناعات دفاعية محلية، وتحقيق طفرة في قطاعات التصنيع والإنشاءات.
وهذه التجربة تبدو جذابة لدولة مثل نيجيريا، والتي تسعى إلى تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط وبناء قاعدة إنتاجية وطنية.
ولهذا السبب، لم تعد العلاقات بين البلدين مقتصرة على تبادل السلع أو توقيع اتفاقيات تجارية تقليدية، بل اتخذت طابعا إستراتيجيا أوسع، وفق الكاتب كاراجوز.
فقد توسَّع التعاون ليشمل الصناعات الدفاعية، لا سيما الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية، إلى جانب مشاريع الطاقة والبنية التحتية، والتعاون التعليمي، وبرامج التدريب ونقل الخبرات.
كما بدأ التنسيق السياسي يظهر بوضوح أكبر في المحافل الدولية، حيث يتقاطع موقف البلدين في قضايا إصلاح النظام الدولي، وتعزيز صوت الجنوب العالمي، والبحث عن بدائل للهيمنة الأحادية.
هذا النمط من التعاون يعكس رغبة مشتركة في بناء استقلالية أكبر عن الهياكل الاقتصادية والسياسية التي يهيمن عليها الغرب، والانتقال من موقع التابع إلى موقع الشريك الفاعل.
فكل من تركيا ونيجيريا تحاولان صياغة سياسة خارجية أكثر توازنا، تقوم على تنويع الشركاء وتوسيع هامش المناورة بدل الارتهان لمحور واحد.
ومع ذلك، ورغم متانة هذا الأساس الإستراتيجي، تبقى الصورة ناقصة، فالشراكات التي تقوم حصريا على المصالح الصلبة مثل التجارة والأمن والطاقة تظل عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية. وقد تتبدل بتغير الحكومات أو الأزمات أو حسابات الربح والخسارة.
أما العلاقات التي تستند إلى معرفة متبادلة بالثقافة والمجتمع والذاكرة التاريخية، فتكون أكثر رسوخا واستدامة، لأنها تربط بين الشعوب لا بين المؤسسات فقط.
من هنا تبرز الحاجة إلى بعد ثقافي يوازي التعاون الإستراتيجي، ويمنح هذه الشراكة عمقا إنسانيا طويل الأمد.

مقاومة وهوية
تبرز أهمية البعد الثقافي عند التأمل في تجربة الفن النيجيري الحديث، والتي قام معرض "الحداثة النيجيرية" بعرضها في متحف تيت مودرن في لندن.
فالمعرض لا يقدّم الحداثة في نيجيريا بوصفها تقليدا للغرب، بل كتجربة مستقلة تشكلت تحت ضغط الاستعمار ومن رحم النضال من أجل الاستقلال.
وقال كاراجوز: إن الفنانّين النيجيريّين لم يستوردوا الأساليب الغربية كما هي، بل أعادوا صياغتها بما يتناسب مع بيئتهم وثقافتهم المحلية.
وأوضح أن “الأساطير الشعبية، والمعتقدات الدينية، والحياة اليومية، وذكريات الاستعمار، كلها تحولت إلى عناصر فنية تعبّر عن هوية خاصة”.
وهكذا أصبح الفن أداة سياسية وثقافية في آن واحد؛ وسيلة لمقاومة الهيمنة وإعادة تعريف الذات.
ولفت كاراجوز إلى أن “الرسالة هنا واضحة؛ وهو أن الثقافة ليست نشاطا ترفيهيا أو هامشيا، بل ركيزة في بناء الأمة، ومن خلالها يمكن للشعوب أن تحكي قصتها بنفسها بدل أن تُروى قصتها من الخارج”.
في هذه النقطة تحديدا يبرز سؤال مهم، لماذا، في الوقت الذي تبني فيه تركيا شراكة إستراتيجية مع نيجيريا، لا يزال البعد الفني والثقافي في هذه العلاقات ضعيفا إلى هذا الحد؟
ولماذا، رغم تزايد حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في إفريقيا، تتردد تركيا في إنشاء مؤسسات دائمة تروي فنون هذه الجغرافيا وفكرها وتراثها الجمالي؟ مع أن تركيا من الناحية التاريخية تمتلك إمكانات متأصّلة، تؤهلها لأن تكون جسرا ثقافيا بين الغرب والشرق وبين الشمال والجنوب.
وعلق الكاتب: “إذا كانت تركيا تسعى فعلا إلى بناء حضور قوي في إفريقيا، فإن الاعتماد على التجارة والاستثمار وحدهما لا يكفي، فالقوة الناعمة من ثقافة وفنون وأكاديميا هي التي تمنح السياسة الخارجية عمقا إنسانيا وتجعلها أكثر قبولا وتأثيرا”.
ورغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها تركيا وموقعها التاريخي كجسر بين الشرق والغرب، فإنها لا تزال مترددة في إنشاء مؤسسات ثقافية كبرى تُعنى بفنون إفريقيا والشرق الأوسط والبلقان.
فبينما يمكن للمرء أن يشاهد في لندن معرضا شاملا عن الحداثة النيجيرية، يصعب أن يجد في إسطنبول أو أنقرة متحفا قويا يضع فنون هذه الجغرافيات في المركز.
وأضاف: “المطلوب ليس مجرد المشاركة في المعارض الدولية أو إرسال أعمال فنية إلى الخارج، بل بناء منصات ثقافية دائمة؛ من متاحف ومراكز أبحاث وبرامج تبادل فني ومهرجانات، بحيث تخلق تفاعلا مباشرا بين الشعوب، عندها فقط تتحول العلاقات السياسية إلى علاقات مجتمعية حقيقية”.
وشدد الكاتب على أن "صعود تركيا كقوة إقليمية ودولية لن يكتمل ما لم يُترجم إلى حضور ثقافي مواز، فإن القوة الصلبة تبني النفوذ، لكن الثقافة تبني المعنى والانتماء".
ولفت إلى أن “العلاقات التركية–النيجيرية تمتلك اليوم أساسا إستراتيجيا قويا، لكن مستقبلها يعتمد على قدرتها على الانتقال من منطق الاتفاقيات إلى منطق التبادل الحضاري”.
وتابع: “فحين تتلاقى الفنون والأفكار والذاكرة المشتركة، تصبح الشراكات أعمق من أن تكون مجرد مصالح مؤقتة، عندها فقط يمكن القول إن التعاون بين البلدين لم يعد مجرد تحالف سياسي، بل أصبح جسرا حقيقيا بين مجتمعين”.















