إجراءات بلا مخالب.. هل يسعى ترامب لتجفيف نفوذ الإخوان أم لكسب الأصوات؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في الأشهر الأخيرة، صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حملتها ضد التيارات الإسلامية النشطة سياسيا، وقد تجلّى ذلك في إعلانات صادرة على مستوى الولايات وأيضا أمر رئاسي.

وصنّف حاكما ولايتي تكساس وفلوريدا جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأميركية–الإسلامية (كير) "منظمات إرهابية أجنبية"، فضلا عن أمر رئاسي نصّ على تقدير فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان "منظمات إرهابية".

مواقف رمزية

وفي هذا السياق، رأى الباحث الإسرائيلي، إيلاد بن ديفيد، أن "هذه القرارات لا تعكس تغييرا جوهريا في السياسة تجاه أنشطة جماعة الإخوان المسلمين أو تجاه كير، الأمر الذي قد يرتد سلبا على إسرائيل".

وقال بن ديفيد في مقال نشره معهد "دراسات الأمن القومي الإسرائيلي": إن إعلانات حكّام الولايات والأمر الرئاسي "سابقة غير معهودة"؛ إذ لم يسبق لأي رئيس أميركي أو حاكم ولاية أن صنّف رسميا فروع جماعة الإخوان المسلمين أو كير "منظمات إرهابية".

ومع ذلك، يرى الباحث أنه “من السابق لأوانه الحسم فيما إذا كانت هذه القرارات ستنعكس فعليا على حجم حضور الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان ونطاق نفوذها وشرعيتها”.

أم أنها تقتصر على كونها مواقف ذات طابع رمزي تمليها حسابات السياسة الداخلية، بما يجعلها مجرد خطوات تؤجّج السجال الدائر حول الجماعة من جديد، من دون أن تقترن بتحولات ملموسة في السياسات أو في آليات التنفيذ، وفق تعبير الباحث.

وأضاف: "تعد جماعة الإخوان المسلمين على نطاق واسع إحدى أكثر الحركات الإسلامية تأثيرا خلال القرن الماضي، ويعود ذلك في معظمه إلى نهجها البراغماتي وقدرتها على التكيف مع مختلف السياقات المحلية".

وتابع: "على عكس نشاطها العلني في الشرق الأوسط، عملت جماعة الإخوان المسلمين في الغرب، لا سيما في الولايات المتحدة، بشكل غير مباشر ودون وجود تنظيمي رسمي".

واستدرك: "مع ذلك، فقد أشارت أدلة متزايدة على مر السنين إلى وجود روابط أيديولوجية وتنظيمية ومالية بين المؤسسات الإسلامية الأميركية والحركة الأم".

وفيما يخص قرار ولايتي تكساس وفلوريدا ضد "كير"، أوضح المقال أنه يظل على مستوى الولاية فقط، ولا يرقى إلى إدراج رسمي على المستوى الفدرالي ضمن قوائم المنظمات الإرهابية. 

وبناء عليه، تبقى إجراءات التنفيذ ضمن صلاحيات الولاية، من دون أن تنطوي على مسار جنائي اتحادي رسمي.

في المقابل، فإن أمر الرئيس ترامب ضد جماعة الإخوان المسلمين -الذي دخل حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2026- يعمل على مستوى خارجي ومختلف تماما.

ولا يستهدف القرار الجماعة ككل، بل يركز على دول محددة في الشرق الأوسط -مصر والأردن ولبنان- بينما لا يشمل دولا رئيسية داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، مثل قطر وتركيا. 

والأكثر أهمية من ذلك، أنه لا يتطرق إلى أنشطة الإخوان المسلمين داخل الولايات المتحدة نفسها، وفق المقال.

تقديرات جيوسياسية

وأضاف: "يبدو أن قصر القرار -في هذه المرحلة على الأقل- على دول محددة في الشرق الأوسط يعكس تقديرات جيوسياسية واضحة".

واستطرد: "فمصر والأردن تُصنّفان بالفعل جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، ما يجعل القرار الأميركي منسجما مع سياساتهما ويُحكم الخناق على الجماعة داخل حدودهما".

أما في الحالة اللبنانية، فيستند الأمر إلى" ما يُقال عن تدريبات عسكرية مشتركة وتنسيق عملياتي مع حماس وحزب الله، فضلا عن تعمّق تموضعها التنظيمي ضمن (محور المقاومة) الذي تقوده إيران، والذي يقدّم دعما لكيانات مدرجة على قوائم الإرهاب".

وقال بن ديفيد: "يبدو أن أمر ترامب يهدف إلى توجيه رسالة عامة مناهِضة لتيارات الإسلام السياسي، وتكريس صورته كزعيم يتبنى نهجا متشددا حيال جماعة الإخوان المسلمين".

"مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع قطر وتركيا، وهما حليفان أساسيان يتمتع فيهما الإخوان بحضور بارز".

ووفق المقال، يثير هذا النمط تساؤلات بشأن مدى مركزية التقديرات الأمنية في سياسة ترامب، كما أنه يستحضر الأمر التنفيذي الذي أصدره في مطلع ولايته الأولى عام 2017، والذي قيّد دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة.

وأوضح: "فقد شمل ذلك القرار دولا ضعيفة نسبيا -باستثناء إيران- فيما لم يتضمن دولا رئيسة ذات ثقل دولي كبير".

كذلك، أشار الباحث إلى أنه "على غرار الحال في الدول الغربية، لا تستضيف قطر وتركيا فروعا رسمية معلنة لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يعقّد قدرة ترامب على اتخاذ خطوات مماثلة حيالهما، حتى لو رغب في ذلك".

وأضاف: "يمكن الافتراض أن تحركات الإدارة تعكس في آنٍ واحد استمرارا لمسار قائم من جهة، ومن جهة أخرى ردّ فعل على التحولات السياسية والاجتماعية والإعلامية المتسارعة في الساحة الأميركية -لا سيما بعد 7 أكتوبر- والتي أوجدت بيئة أكثر تقبّلا لسياسات أشد صرامة تجاه الإسلاموية والإسلام السياسي".

ومن بين مظاهر هذه التحولات، محاولة حاكم فلوريدا رون ديسانتيس تفكيك فروع منظمة "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" (SJP) في الجامعات بعد أسابيع من عملية 7 أكتوبر (وهي خطوة لم تُنفّذ في نهاية المطاف).

ومعارضة حاكم تكساس غريغ أبوت لمشروع "إيبيك سيتي" العقاري في شمال تكساس، الذي يقوده الشيخ ياسر قاضي لإقامة مجتمع سكني مسلم منظم (وهو مشروع معلّق حاليا)؛ والاحتجاجات الجامعية المؤيدة للفلسطينيين التي اتسمت بالاضطراب وأدت إلى تدخلات فدرالية بحق جامعات بارزة.

هذا فضلا عن تعاظم حضور اللوبي المسلم، وهو ما تجلّى في فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك؛ فضلا عن إجراءات غير مألوفة، شملت توقيف وترحيل الصحفي البريطاني المسلم سامي الحامدي عقب تصريحاته العلنية المناهضة لإسرائيل.

وقد ترافقت هذه التطورات مع تصاعد “مظاهر معاداة السامية في المجال العام”، بحسب توصيف الباحث الإسرائيلي.

ففي مجملها، أسهمت هذه السياقات على الأرجح في بلورة خطوات إدارة ترامب الأخيرة، عبر تعزيز مقاربة أمنية–أيديولوجية للنشاط الإسلامي، وتكريس خطاب سياسي تتبناه أساسا أطراف يمينية محافظة يصوّر المناصرة الفلسطينية بوصفها تهديدا أمنيا، بحسب المقال.

لا تحول جوهريا

وقال بن ديفيد: "في هذه المرحلة، لا يبدو أن أمر الرئيس ترامب أو الإعلانات الصادرة عن حاكمي تكساس وفلوريدا يعكسان تحولا جوهريا في السياسة تجاه نشاط جماعة الإخوان المسلمين أو تجاه كير".

ورأى أن "الأمر الرئاسي لم يتطرق إلى قطر وتركيا، كما أن الخطوات التي اتخذها حاكما تكساس وفلوريدا لا تخوّلهما صلاحية إدراج منظمات على لوائح الإرهاب".

واستدرك: "مع ذلك، يمتلك الحاكمان أدوات ضغط إدارية على (كير)، من بينها إلغاء أو تجميد أطر التعاون مع سلطات الولاية، وحرمانها من التمويل العام، وتشديد الرقابة التنظيمية عليها، وإن كانت مثل هذه الإجراءات قد تفتح الباب أمام طعون دستورية".

علاوة على ذلك، يرى بن ديفيد أن قرار ولايتي تكساس وفلوريدا ربما يكون بداية لتوجه أوسع بين الولايات الجمهورية المعروفة بـ"الولايات الحمراء"، لا سيما أن تكساس وفلوريدا تُعدّان في طليعة المعسكر المحافظ.

وأشار إلى أنه "على أي حال، تبدو هذه التحركات موجهة أساسا لتعزيز السردية الجمهورية حول (مكافحة الإرهاب والإسلاموية) في ظل تصاعد الخطاب المناهض لإسرائيل وتزايد حضور اللوبي المسلم في الولايات المتحدة، خصوصا بعد 7 أكتوبر".

وفيما يتعلق بالنشاط الإسلامي في الولايات المتحدة، لا يبدو أن منظمات مثل "إسنا" (ISNA) و"رابطة الطلبة المسلمين" (MSA) تواجه في الوقت الراهن تهديدا مباشرا.

غير أن الضرر المعنوي الذي لحق بـ"كير" قد يدفع هذه المنظمات إلى توخي حذر أكبر وإعادة تقييم خطواتها في المدى القريب، وهو واقع قد ينال أيضا منظمات إسلامية أخرى وأنماط النشاط المؤيد للفلسطينيين على نطاق أوسع، بحسب المقال.

أما الدلالة الأوسع -وفق الباحث- فتتصل بالشأن الداخلي الأميركي؛ فالإجراءات التي "تحركها تقديرات سياسية وصورية أكثر من استنادها إلى أدلة أمنية راسخة، قد تعزز نزعات شعبوية في صنع السياسات، في وقت تتضعضع فيه الحقوق المدنية والأعراف الديمقراطية وحرية التعبير في الولايات المتحدة".

وقال: "من زاوية معيّنة، قد يصبّ هذا الواقع في مصلحة إسرائيل، إذ يمكن أن يُحدث بعض الردع إزاء مظاهر التشدّد المعادي للصهيونية الذي لوحظ في بعض المنظمات الإسلامية بعد أحداث 7 أكتوبر".

وأضاف "فالتخوّف من إجراءات إضافية قد تتخذها الإدارة ربما يدفع هذه المنظمات إلى تخفيف حدّة خطابها وأنشطتها، وإعادة توجيه تركيزها نحو قضايا محلية بدلا من القضية الفلسطينية".

واستدرك: "في المقابل، قد تؤدي سياسة أكثر تشددا تجاه المؤسسات الإسلامية إلى توليد شعور بالمحاصرة، وإلى تصعيد الخطاب الراديكالي المعادي لإسرائيل، لا سيما إذا ساد انطباع بأن إسرائيل تشجّع هذه الإجراءات أو تستفيد منها، خاصة في ظل حكومة نتنياهو وإدارة ترامب".

وقد يدفع ذلك بعض المنظمات الإسلامية إلى التشدد في مواقفها حفاظا على حضورها بين أوساط الشباب المؤيد للفلسطينيين، مع توخي قدر أكبر من الحذر القانوني في الوقت نفسه لتفادي قيود مستقبلية، وفق تقييم الباحث.

"علاوة على ذلك، قد تعزز هذه الخطوات شعورا جماعيا بالتهديد، وتدفع تيارات إسلامية مختلفة إلى التقارب، على نحو شبيه بما حدث بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001".

غير أنه، بخلاف تلك المرحلة، فإن تنامي قوة الجالية المسلمة اليوم وحيويتها قد يضاعف جهود نزع الشرعية عن إسرائيل، ويعمّق الاستقطاب بين اليهود والمسلمين، ويحدّ من نفوذ اللوبي اليهودي والمؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، بحسب المقال.

في الخلاصة، يعتقد بن ديفيد أن حملة الإدارة ضد جماعة الإخوان المسلمين ومنظمات مثل "كير" تنسجم إلى حدّ ما مع مصلحة إسرائيل في كبح تصاعد الخطاب المعادي للصهيونية داخل بعض الأوساط الإسلامية في الولايات المتحدة.

غير أنه يرى أن توسيع نطاق هذه الحملة يضع إسرائيل أيضا في صلب التوتر بين سرديتي "أميركا أولا" و"إسرائيل أولا".

ولأن هذه الإجراءات تُرى بوصفها جزءا من أجندة جمهورية محافظة، ترتبط أكثر بالمصالح المؤيدة لإسرائيل منها بإجماع وطني أميركي واسع، فقد تتعزز المزاعم بأن إسرائيل تستفيد من هذه السياسة أو تؤثر فيها، بحسب تعبيره.

وختم بن ديفيد بالتأكيد على أن "هذا التصور من شأنه أن يفاقم تسييس الملف الإسرائيلي، ويزيد من حدة التوترات السياسية تجاهها، ويُضعف مكانتها في الرأي العام الأميركي".