السودان بين هدنة محتملة وتقسيم فعلي.. هل تتجمد الحرب بعد ثلاث سنوات من القتال؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات من القتال في السودان، يتبادل الجيش ومليشيات الدعم السريع السيطرة على مناطق مختلفة.

لكن خطوط التماس بدأت تتضح معالمها، بحسب مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" لفولكر بيرثيس، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، من عام 2021 إلى عام 2023.

ومنذ أبريل/نيسان 2023، نزح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان أو لجأوا إلى دول الجوار، فيما ويواجه نصف السكان نقصا حادا في الغذاء، فيما يضرب الجوع الشديد عدة مناطق، بينها دارفور.

وقد جرى التستر على أدلة لمجازر، ولا تزال جثث سقطت في شوارع الخرطوم مدفونة تحت الأنقاض، ما يجعل من المستحيل إحصاء عدد الضحايا بدقة؛ غير أن التقديرات تشير إلى أنه يتجاوز 150 ألفا.

تجمّد القتال

وقال بيرثيس: "في المراحل الأولى من الحرب، سيطرت الدعم السريع على معظم العاصمة الخرطوم، الواقعة على نهر النيل وسط البلاد، وعلى معظم إقليم دارفور في الغرب، وفي عام 2024، بسطت سيطرتها أيضا على غالبية ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم".

وأضاف "في المقابل، احتفظ الجيش بالمناطق المأهولة في الشمال والشرق، وانسحبت الحكومة المرتبطة به من الخرطوم إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر شرقا".

أما بقية أنحاء البلاد فظلت ساحة قتال، واستعاد الجيش ولاية الجزيرة في يناير/كانون الثاني 2025، ثم الخرطوم في مارس/آذار، دافعا مليشيا الدعم السريع إلى غرب وادي النيل.

وأتاح هذا الانسحاب من وسط السودان للدعم السريع تركيز قواتها في دارفور وفرض حصار على الفاشر، عاصمة الإقليم وآخر معاقل الجيش في الغرب. 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، اجتاحت الدعم السريع الفاشر، وقتلت آلاف المدنيين الذين كانوا محاصرين داخل المدينة.

وباتت الدعم السريع تسيطر على عواصم ولايات دارفور الخمس، مما رسّخ نفوذها غرب البلاد، فيما عزز الجيش قبضته على الشرق ومعظم الولايات الوسطى على امتداد النيل.

ولا تزال المعارك مستمرة في إقليم كردفان، الواقع بين وادي النيل ودارفور، وفي ولاية النيل الأزرق جنوبا على الحدود مع جنوب السودان وإثيوبيا.

ومنذ اندلاع الحرب، سعى كل من الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، والدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، إلى بسط السيطرة على كامل السودان.

ولا يزال الطرفان يؤكدان أن النصر ممكن، لكن خريطة السيطرة توحي بعكس ذلك، فالسودان، عمليا، بات منقسما إلى شطرين، وفق تقييم بيرثيس.

تحد خطير

ويرى أن "هذا الانقسام المتزايد قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الحرب، فقد تتجمد خطوط القتال تدريجيا إذا أدرك الجانبان أنهما لن يحققا مكاسب إقليمية كبيرة تتجاوز ما يسيطران عليه حاليا".

وأضاف أن ذلك "ربما يقود إلى تقسيم أكثر ديمومة للبلاد تحت سلطتين، أو إلى مزيد من التشظي في كلا المعسكرين".

وأوضح: "من جهة أخرى، إذا مارست القوى الإقليمية والدولية الأكثر تأثيرا على طرفي النزاع ضغوطا كافية، فقد يشكل الانقسام الراهن فرصة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وربما، مع الوقت، إنهاء هذه الحرب المروعة".

فوفق المسؤول الأممي السابق، "لم يكن في وسع أيّ من الجيش السوداني أو الدعم السريع مواصلة هذه الحرب لولا الدعم الخارجي".

"فمنذ اندلاع القتال، كانت مصر الداعم الأقوى للجيش؛ إذ تفضّل القيادة العسكرية المصرية أن يتولى جنرال حكم جارها الجنوبي، كما أن للقاهرة مصلحة واضحة في إبقاء السودان إلى جانبها في نزاعها مع إثيوبيا حول مياه النيل".

وأفاد بيرثيس بأن “الجيش السوداني تلقى أيضا أسلحة من إيران وروسيا، وبصورة متزايدة من تركيا”. 

وكانت السعودية قد حاولت، في بداية الحرب، أن تتموضع كوسيط محايد -حيث شاركت الولايات المتحدة في استضافة مفاوضات بين طرفي الحرب في جدة عام 2023- غير أنها اقتربت تدريجيا من معسكر الجيش.

ويعود تنامي الدعم السعودي للجيش إلى حد كبير إلى دعم الإمارات للدعم السريع؛ إذ تخشى الرياض أن يؤدي انتصار هذه القوات إلى تفتيت السودان وزعزعة استقرار منطقة البحر الأحمر بأسرها. بحسب المقال.

وأضاف: "تنظر أبو ظبي إلى التيارات الإسلامية في العالم العربي بوصفها تحديا خطيرا لنموذجها السلطوي العلماني، ولا تريد أن يقع السودان -البلد المحوري في معادلات البحر الأحمر وشرق إفريقيا- تحت سيطرة قوى تعاديها".

تحسين الصورة

وقال بيرثيس: "وبما أن كلا الجانبين قد وصل إلى مرحلة بات فيها تحقيق المزيد من المكاسب على الأرض أمرا مستبعدا، فقد يخلص كلاهما إلى أن توطيد مواقعهما الحالية هو أفضل ما يمكنهما فعله بتكلفة مقبولة".

واستطرد: "يسعى كل من الجيش والدعم السريع إلى نيل اعتراف إقليمي ودولي، وهما يدركان أن المشاركة في جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة من شأنها تحسين صورتهما".

وقد يكون هذا السبب، إضافة إلى الرغبة في تفادي الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، هو ما دفع الدعم السريع إلى إعلان "وقف إطلاق نار إنساني من جانب واحد" عقب سيطرتها على الفاشر، رغم استمرار عملياتها الهجومية في ولايات كردفان.

بدوره، تعهد البرهان وقيادة القوات المسلحة السودانية علنا بمواصلة القتال حتى إنهاء الدعم السريع أو استسلامها، إلا أنه بحث سرا خيارات وقف إطلاق النار مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أرسل كل من القوات المسلحة السودانية والدعم السريع ضباطا إلى واشنطن لإجراء محادثات.

علاوة على ذلك، أظهر الجانبان استعدادهما للتراجع عن القتال لخدمة أهداف عملية، مثل ضمان استمرار تدفق النفط وعائداته.

ومن هنا أكد المسؤول السابق على أن "اغتنام هذه الفرصة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب في نهاية المطاف، سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الولايات المتحدة والداعمين الخارجيين على تغيير حسابات طرفي الحرب".

وقال: "لا يزال التوصل إلى وقف لإطلاق النار أمرا ممكنا، فهناك خطة محدّثة، أعلن عنها بولس في وقت سابق من فبراير/شباط 2026 خلال فعالية لجمع التبرعات في واشنطن".

وتسعى الخطة إلى "معالجة بعض تحفظات الجيش عبر تضمين بنود تنص على انسحاب المقاتلين من الفاشر ومناطق حساسة أخرى، وضمان عودة آمنة للمدنيين إليها".

غير أن ذلك سيجعل الاتفاق أقل جاذبية للدعم السريع، ومن المرجح أن يتطلب حمل الطرفين على الموافقة ضغوطا كبيرة. بحسب تقييم بيرثيس.

سحب الدعم

وأكد أنه لتحقيق ذلك "سيتعين على الداعمين الخارجيين سحب دعمهم السياسي والمادي من الجيش والدعم السريع، أو على الأقل التهديد الجدي بذلك".

ورأى أن “حرمان الطرفين، على سبيل المثال، من إمدادات الطائرات المسيّرة سيشكل ضربة قاسية لقدراتهما العسكرية، كما أن الجانبين يصدّران الذهب إلى مصر والسعودية أو الإمارات؛ وإذا ما أوقفت هذه الدول الثلاث شراء الذهب، فسيواجه الطرفان صعوبات في تمويل جهودهما الحربية”.

كذلك من شأن "فرض عقوبات منسقة إضافية من جانب المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على القادة العسكريين وقادة المليشيات وشبكاتهم التجارية، وكل من يشارك في تجنيد المرتزقة، أن يقلّص الجدوى المالية لاستمرار الحرب".

ويرى بيرثيس  أن هناك "دوافع قوية لدى أطراف (الرباعية الدولية) للضغط على طرفي الحرب للتوصل لهدنة، فالرئيس ترامب يريد أن تفضي جهوده في صناعة السلام إلى إنجاز واضح، وجميع الأطراف حريصة على البقاء في دائرة رضاه".

فيما أشار إلى أن "تصاعد خطر تمدد النزاع إقليميا يزيد من ضرورة خفض مستوى العنف في السودان، فجنوب السودان يقف على شفا حرب جديدة، في ظل الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية التي فاقمتها الحرب في الشمال".

"ويطلق الجيش السوداني طائرات مسيّرة من مصر، وتتلقى قوات موالية له تدريبات في إريتريا، فيما ينفذ مقاتلون متحالفون مع قوات الدعم السريع هجماتهم في ولاية النيل الأزرق انطلاقا من الأراضي الإثيوبية". بحسب المقال.

وأوضح أن "الهدنة لا تشكل ضمانة للسلام، لكنها خطوة أولى ضرورية، وقد تمنع اتساع رقعة الصراع إقليميا. فالسودانيون بحاجة ماسة إلى توقف القتال، ويتفق معظم المراقبين على أن غالبية السكان ستؤيد وقفا فوريا للأعمال العدائية، بصرف النظر عن خطوط السيطرة".

وأضاف: "مع أن مشاركة قادة الجيش والدعم السريع ضرورية لإرساء وقف إطلاق النار وتثبيته، فإن أي عملية سلام لاحقة يجب أن تقودها أطراف مدنية لا عسكرية حتى تنجح".

وتابع: "فإذا أفضت الهدنة إلى تقسيم البلاد بين مناطق يسيطر عليها الجيش وأخرى تخضع للدعم السريع، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك".

فالتحالف بين الدعم السريع و"الحركة الشعبية/شمال" جناح عبد العزيز الحلو، مرشح للتفكك؛ كما أن الجماعات المتمردة السابقة في دارفور التي تدعم الجيش حاليا ضد عدو مشترك قد تنقلب عليه؛ وقد تبرز نزعات انفصالية في الشرق. وفق المقال.

وتفادي هذا السيناريو يتطلب -بحسب المسؤول الأممي السابق- إعادة توحيد السودان، وهي مهمة ينبغي أن يتولاها القادة السياسيون المدنيون في البلاد ومجتمعها المدني الذي لا يزال نابضا بالحياة.

وختم بالإشارة إلى أنه "بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب، لن تكون المهمة سهلة، لكن الهدنة ستمنح القوى المدنية مساحة أوسع للتحرك".