توتر متصاعد.. كيف تستعد أذرع إيران للمواجهة المحتملة مع الولايات المتحدة؟

"احتمال انضمام حزب الله إلى رد إيراني محتمل لا يزال منخفضا"
مع تكثيف الولايات المتحدة تحركاتها العسكرية في المنطقة وتوالي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد طهران، لم يبق المحور الشيعي الموالي لإيران صامتا.
فقد بدأت المليشيات المدعومة من طهران في العراق، إلى جانب حزب الله والحوثيين، بتصعيد تهديداتها والتلويح بالانعكاسات المحتملة لأي هجوم يستهدف الداعم الرئيس لها، إيران.
فبينما يراقب الحوثيون تحركات السفن الأميركية في البحر مؤكدين عدم السماح لأي سفينة بالاقتراب، تعهدت المليشيات العراقية بالوقوف إلى جانب طهران، كما حذر حزب الله من “إشعال فتيل الصراع” في المنطقة.
في الوقت ذاته، تستضيف عُمان مفاوضات بين الجانب الإيراني والأميركي في إطار الجهود الإقليمية لنزع فتيل الأزمة بين الطرفين ومنع الذهاب إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري.
خلافات داخلية
وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية إلى أن مصدرا عسكريا في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أكّد لصحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله، على أن الجماعة لن تسمح لأي سفينة حربية أو حاملة طائرات أميركية بالاقتراب من البحر الأحمر أو بحر العرب، عادّة ذلك تهديدا مباشرا لليمن نفسه.
وبحسب الصحيفة اللبنانية، فقد أكَّد المصدر أن الحوثيين "رفعوا مستوى الجاهزية القتالية إلى الدرجة القصوى بسبب التحركات الأميركية الأخيرة في المنطقة".
وأكد خبير عسكري مقرب من الحوثيين أن وكلاء إيران في اليمن يمتلكون "قدرات بحرية متقدمة تتيح لهم متابعة واعتراض سفن العدو".
ولفت إلى أن "الاستعداد لهذه الجولة أكبر من كل الجولات السابقة، وهناك مفاجآت عسكرية بانتظار الأميركيين والإسرائيليين إذا انفجر الوضع في المنطقة".
في هذا السياق، ذكرت الصحيفة العبرية أن زعيم الحوثيين في اليمن، عبد الملك الحوثي، كان قد صرح أخيرا بأن المواجهة المقبلة مع إسرائيل "مسألة وقت فقط".
وفي العراق، أشارت إلى أن "بعض المليشيات الموالية لإيران اتخذت خطوات إضافية في دعمها لطهران".
فقد دعا الأمين العام لمليشيا "كتائب حزب الله في العراق"، أبو حسين الحميداوي، إلى "الاستعداد لحرب شاملة نصرة لإيران". مؤكدا أن إيران وقفت لأكثر من أربعة عقود إلى جانب المستضعفين، لكن أطرافا بينها إسرائيل تسعى اليوم لإخضاعها.
وقال: "نؤكد أن على قوى المحور دعم إيران ومساندتها بكل السبل الممكنة، ونعلن أمام الأعداء أن الحرب ضدها لن تكون نزهة".
ونوهت الصحيفة إلى أنه "عقب تصريحاته، نُشرت صور له وهو يوقع على استمارة تطوع لدعم إيران، ما أثار موجة من المتطوعين الذين بادروا للتوقيع استعدادا لأي مواجهة محتملة".
بدوره، أكد قائد مليشيا النجباء العراقية، أكرم الكعبي، أن "موقف المليشيات الموالية لإيران ضد إسرائيل وأميركا ثابت، وسنرد في كل مرة يستهدف الاحتلال مقراتنا أو قادتنا أو إيران والمرشد الأعلى (علي خامنئي)".
ومع ذلك، ورغم التعبئة، أشارت الصحيفة إلى أن "تقارير أخرى ظهرت في الأسابيع الأخيرة، كشفت عن خلافات داخلية بين المليشيات".
"حيث يرى بعض قادتها أن مغامرة عسكرية ليست مناسبة للعراق في الوقت الراهن، وأن الحرب قد تضر بالتفاهمات الحساسة حول تشكيل الحكومة الجديدة وتضع البلاد في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في آن واحد". بحسب ما أفادت به.

ضربة قوية
وحول موقف حزب الله، قالت الصحيفة: "لم يعلن الحزب رسميا أنه سينضم إلى القتال في حال اندلاع حرب جديدة ضد إيران، لكن الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، صرح بأن (الحرب ضد إيران هذه المرة قد تشعل المنطقة)".
وأضاف قاسم: "نتابع ما يجري ونصر على الدفاع، وسنقرر في الوقت المناسب كيفية التصرف وفق الظروف، لكننا لسنا محايدين، عندما يهدد ترامب المرشد الأعلى فهو يهدد الملايين، لأنه يهدد قائدهم".
وتابع: "لا يمكن السكوت على ذلك، فمسؤوليتنا جميعا مواجهة هذا التهديد. اغتيال؟ إنه اغتيال للاستقرار في المنطقة. نحن نعتبر التهديد موجها إلينا أيضا".
في المقابل، أوضحت الصحيفة أن “الرئاسة اللبنانية أبدت غضبا من تصريحات قاسم، بحسب ما نقلته مصادر لبنانية لقناة الحدث السعودية”، مؤكدة أن "الرئاسة لن تسمح بجر اللبنانيين إلى حروب الآخرين، ومن يفعل ذلك سيتحمل المسؤولية".
كما أفادت صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، نقلا عن مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية اللبنانية، بأن تصريحات قاسم "مفاجئة وتمنح إسرائيل ذريعة للتصعيد".
وأضافت أن "من الواضح أن الأمين العام يتحدث عن حرب دعم جديدة، لكن السؤال الأهم هو: ألم ير قاسم ما الذي فعلته حرب الدعم الأولى بلبنان عموما وببيئته الداعمة خصوصا؟ فآثارها لا تزال مستمرة، في حين تعجز الدولة عن معالجتها، بينما يلقي حزب الله مسؤولية المعالجة على عاتق الدولة".
وتساءلت المصادر أيضا: “هل الهدف اليوم هو جر لبنان إلى حرب مدمرة لا يعرف أحد متى تبدأ ومتى تنتهي؟”
على الجهة الأخرى، قال قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، رافي ميلو: "سواء انضم حزب الله أم لا، فنحن نتابع ذلك بيقظة عالية، وفي حالة تأهب قصوى، ومستعدون بقوة كبيرة على المستويين الدفاعي والهجومي، كما نعمل على تجهيز عناصر هجومية خاصة بنا".
وأكد أنه "في الوقت الحالي، هذا هو السيناريو الرئيس الذي نستعد له".
وفي السياق ذاته، أشار موقع "القناة 12" العبري أن الجيش الإسرائيلي "يستعد لسيناريو مفاده أنه في حال شنت إيران هجوما، فقد ينضم التنظيم اللبناني إلى المواجهة هذه المرة".
ووفقا للموقع، "ترى إسرائيل في هذا السيناريو فرصة لتوجيه ضربة قوية إلى حزب الله، قد تسهم في نزع سلاحه وإضعاف قوته على المدى الطويل".

خطوة انتحارية
وفي تعليقه حول موقف الحزب من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، يرى الباحث في شؤون إيران وحزب الله في معهد "مسغاف" العبري، يوسي منشاروف، أن احتمال انضمام حزب الله إلى رد إيراني محتمل "لا يزال منخفضا".
في المقابل، قدر أن "احتمالات الانخراط وتوسيع رقعة المواجهة أعلى لدى المليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن".
وأوضح أسباب تنبيه هذا الرأي، "فالحزب يقف عند مفترق طرق بالغ الصعوبة، وعليه أن يختار بين خيار سيئ وآخر أسوأ، فهو يعيش واقعا معقدا في مرحلة ما بعد نصر الله، وبعد تصفية القيادات الأمنية".
وأردف: "لقد أصبح حزب الله تنظيما مختلفا تماما، ورغم امتلاكه قدرات لا يستهان بها، تشمل عشرات الآلاف من العناصر وإمكانات صاروخية، فإن ثقته بنفسه وخطابه لم يعودا كما كانا".
وذكر منشاروف أن الحزب "يتعرض لضغوط من مختلف الاتجاهات، عسكريا من جانب إسرائيل، واقتصاديا من جانب الولايات المتحدة، ودبلوماسيا من أوروبا، وداخليا من المجتمع والحكومة في لبنان".
وأضاف: "الانخراط في الحرب سيكون خطوة انتحارية، وقد يدفع الأميركيين أيضا إلى مهاجمته، ويوفر لإسرائيل ذريعة لشن عملية عسكرية واسعة".
كما أكد أن حزب الله "لم يستكمل بعد تحقيقاته الداخلية في أعقاب الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية، ويركز حاليا على إعادة بناء بنيته العسكرية وسد النقص في صفوفه قدر الإمكان".
وقال: "الحزب لا يزال في مرحلة إعادة التسلح، وقاعدته الشعبية غاضبة منه، المجتمع الشيعي يعاني، وكثيرون لم يعودوا إلى منازلهم، ورغم حصوله على مليار دولار من إيران منذ يناير/ كانون الثاني 2025، فإنه يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير".
وبحسب الموقع العبري، "تطرق منشاروف أيضا إلى قدرات حزب الله في مجال التصنيع والتهريب، مؤكدا أنه، رغم الضربات المتواصلة، لم يفقد بالكامل قدرته على إنتاج الأسلحة".
وقال الباحث في شؤون إيران وحزب الله: "هناك مصنع إنتاج مستقل لحزب الله في منطقة جنتا قرب الحدود السورية، تستهدفه إسرائيل مرارا ضمن جهودها لإحباط محاولات إعادة البناء".
"كما لفت إلى استمرار عمليات التهريب من إيران وسوريا، وإلى محاولات تمرير الأموال عبر مسارات إقليمية رغم الرقابة والضغط الدولي المتزايد". بحسب الموقع.
بدوره، وصف الخبير في شؤون لبنان وسوريا بجامعة تل أبيب، إيال زيسر، حزب الله بأنه "تنظيم مثخن بالجراح، ومن غير المرجح أن يسعى إلى منح إسرائيل ذريعة لمهاجمة ما تبقى من قوته".
وتابع: "تلقى الحزب ضربات قاسية صيف 2024، واضطر إلى القبول بوقف إطلاق نار بشروط ملائمة لإسرائيل، ومنذ ذلك الحين، حافظ على مستوى منخفض من النشاط، وتجنب الرد على الضربات اليومية، وواجه ضغوطا شعبية غير مسبوقة داخل لبنان".
وأضاف: "الجميع فجأة بات يملك الجرأة على معارضته، وحتى على الصعيد الاقتصادي، لم تعد إيران قادرة على دعمه كما فعلت في السابق".
قدرات مرتفعة
ومع ذلك، حذر زيسر من الاستهانة بما تبقى من قدرات الحزب، قائلا: "لا يزال يمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ ووسائل التسليح".
واستطرد: "صحيح أن الضربات الإسرائيلية مؤثرة، لكنها ليست ضربات قاضية تنهي وجوده".
وبشأن سؤال ما إذا كان الحزب مستعدا لفتح مواجهة جديدة مع إسرائيل، أجاب: "هو لا يريد مثل هذا الصدام، ويفضل تجنبه".
واستدرك: "لكنه ما زال يمتلك قدرات يمكن أن تسبب أضرارا لإسرائيل، وذلك رغم أنها ليست كما كنا نعتقد أو نخشى قبل عام أو عامين، وعلى مقياس التقييم، يمكن وصفها بنحو ست من عشر".
في الوقت ذاته، ورغم "القيود التي يواجهها الحزب على التدريب والانتشار العلني في جنوب لبنان"، يعتقد زيسر أن "قدرته على التجنيد ما تزال مرتفعة".
وقال: "كثير من الشباب الشيعة في لبنان لا يجدون بديلا سوى دعم حزب الله والانضمام إليه، وعلينا أن نفترض أن هذا الأمر مستمر".
وتطرق موقع "القناة 12" للحديث عن مسألة استقلالية حزب الله عن طهران، حيث يرى منشاروف أن إيران "لن (تجبر) الحزب على الانخراط بشكل مباشر، لكنها ستتوقع منه اتخاذ القرار بنفسه، ضمن إطار واضح من التوقعات".
وتابع منشاروف: "سيكون لدى حزب الله هامش قرار، كي تتمكن إيران من القول: أنتم من اتخذ القرار بأنفسكم".
في المقابل، يتبنى زيسر موقفا أكثر حزما، مؤكدا أن حزب الله "يرى نفسه خاضعا لسلطة خامنئي، في إطار مفهوم (ولاية الفقيه)".
وأردف موضحا: "إذا قرر الإيرانيون أن ذلك يخدم مصالحهم، فسيدخل الحزب الحرب، حتى لو لم يكن متحمسا".
وبحسب تقديره، "قد يأمل الحزب في استثمار مشاركته، حيث يأمل أنه في حال انتهى الصراع بالتعادل، العودة إلى الوضع السابق قبل الحرب الأخيرة، أي إلى وضع لا تهاجم فيه إسرائيل لبنان كما تفعل اليوم".
"وعلى صعيد آليات اتخاذ القرار، يبرز بوضوح التغيير الجذري الناتج عن غياب حسن نصر الله". يقول التقرير.
وتابع: "فطهران، بحسب زيسر، كانت تولي رأيه أهمية كبيرة، في حين أنها لا تعير الوزن نفسه لنعيم قاسم، ما يضيق أكثر هامش المناورة أمام الحزب في علاقته مع إيران".
ويعتقد زيسير أنه "من غير المؤكد أن تختار إيران منذ البداية إدخال إسرائيل في المواجهة المع الولايات المتحدة، لكن إذا خلصت إلى أن ذلك هو الخيار الأخير، فإن حزب الله سيتحرك وفقا للتوجيهات الإيرانية".
واستطرد: "في حال قرر حزب الله الانضمام إلى المواجهة، يتوقع الخبراء اندلاع حملة قصيرة ومكثفة، تعتمد أساسا على إطلاق الصواريخ والقذائف نحو العمق الإسرائيلي".
وفي سيناريو آخر، حذر منشاروف من "تسلل مجموعات تضم عشرات المسلحين إلى داخل إسرائيل، بهدف استنزاف الجيش الإسرائيلي وإتاحة مجال أوسع للتحرك أمام إيران".
واختتم الخبير في الشأن اللبناني حديثه قائلا: "لا ينبغي استبعاد هذا الاحتمال أو التقليل من شأنه، ولا يجوز الاستهانة بما تبقى من قدرات جرى بناؤها على مدى سنوات ضمن خطة السيطرة على الجليل".














