أثبتت فعاليتها بأوكرانيا.. لماذا نشرت أميركا المزيد من الأسلحة بقواعدها في سوريا؟

تتزايد هجمات المليشيات الإيرانية على مواقع القوات الأميركية في سوريا، الأمر الذي يتسبب بأضرار مادية جسيمة وخسائر في صفوف المتعاقدين العسكريين.
وإزاء ذلك، اتجهت الولايات المتحدة إلى تدعيم قواعدها العسكرية بأسلحة متطورة ودقيقة قادرة على تدمير مصادر النيران ومستودعات المليشيات الإيرانية المتمركزة في محافظة دير الزور على وجه الخصوص.
صواريخ "هيمارس"
وأكدت الولايات المتحدة الأميركية إرسال منظومة صواريخ عالية الدقة من نوع "هيمارس" إلى قواتها في سوريا.
ونقل موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عن المتحدث باسم القيادة المركزية للجيش الأميركي "سنتكوم"، الكولونيل جو بوتشينو، قوله مطلع يونيو/حزيران 2023، إن وجود المنظومة بسوريا بهدف "حماية القوة".
و"حماية القوة"، هو مصطلح يشير إلى البرامج والعمليات والإجراءات التي يصممها الجيش الأميركي لحماية الأفراد العسكريين والموظفين المدنيين وأفراد أسرهم، والمرافق والمعدات.
ولم يكشف المتحدث باسم "سنتكوم" عن موقع منظومة "هيمارس في سوريا"، لكنه أشار إلى "مخاطر أمنية تواجه 900 جندي أميركي في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك محافظات الرقة والحسكة ودير الزور.
لكن القيادة المركزية الأميركية، شددت على أنها لا توفر تلك المنظومة، أو التدريبات عليها، لحليفتها قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، حيث تعد تركيا الأخيرة كيانا يهدد أمنها القومي وتسعى لإقامة كيان انفصالي عند حدودها الجنوبية مع سوريا.
ولقي عدد من عناصر مليشيا "حزب الله" مصرعهم، بقصف جوي للتحالف الدولي على بلدتي مراط وخشام بريف دير الزور في 30 مايو/أيار 2023.
وذكر وقتها موقع "نهر ميديا" المحلي، أن المليشيات الإيرانية استهدفت قاعدة التحالف الدولي في حقل كونيكو للغاز شمال شرق دير الزور، ما أدى لاشتعال النيران في خزانات الوقود داخلها، ورد التحالف الدولي بقصف المليشيات الإيرانية المتمركزة في بلدتي مراط وخشام.
ويضاف ذلك إلى سلسلة من القصف المتبادل بين التحالف الدولي والمليشيات الإيرانية خاصة في محافظة دير الزور التي يفصلها نهر الفرات.
وتتمركز القوات الأميركية وحليفتها قوات "قسد" في الضفة اليسرى الغنية بالنفط والغاز، بينما تنتشر قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية بشكل مكثف على طول الضفة اليمنى وصولا إلى مدينة البوكمال الحدودية مع العراق والتي تعد أكبر معقل لمليشيات إيران بسوريا.
وكانت الضربة الثقيلة، حينما نال هجوم بمسيرة "إيرانية" في 23 مارس/آذار 2023 "منشأة صيانة في قاعدة لقوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن قرب الحسكة في شمال شرق سوريا، ما أدى إلى مقتل متعاقد أميركي، وإصابة خمسة عسكريين أميركيين ومقاول أميركي آخر.
وفي اليوم التالي، تعرضت مواقع "الحرس الثوري الإيراني" شرقي دير الزور لقصف جوي أميركي، ما أدى إلى مقتل 19 من المليشيات الإيرانية.
وغداة تنفيذ الجيش الأميركي ضربات جوية في سوريا، أعلن الرئيس جو بايدن، في 24 مارس 2023، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في أوتاوا، أن "الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع مع إيران، لكنها مستعدة للعمل بقوة لحماية شعبها".
منظومة فعالة
وفي مارس/آذار 2023، قال أكبر جنرال عسكري أميركي في الشرق الأوسط، الجنرال إريك كوريلا، إن هناك 78 هجوما من قبل مليشيات مدعومة من إيران بسوريا ضد القوات الأميركية والتحالف بطائرات بدون طيار وصواريخ وقذائف هاون منذ يناير/كانون الثاني 2021.
وراجمة "هيمارس" المتطورة ليست بجديدة على الأراضي السورية فقد نشرتها الولايات المتحدة قرب قاعدة التنف الأميركية جنوبي سوريا على الحدود مع العراق في يونيو/حزيران 2017.
إلا أن نشر المزيد منها في الوقت الراهن بمواقع عسكرية جديدة تتبع للقوات الأميركية يرجح أنها في شرق نهر الفرات، تأتي في ظل اكتساب هذه المنظومة شهرة عالمية نتيجة لاستخدامها الفعال ضد روسيا من قبل القوات الأوكرانية.
وأنظمة صواريخ المدفعية المتنقلة "هيمارس"، مركبة على عربة ذات ست عجلات ويديرها طاقم مكون من ثلاثة أفراد.
ويطلق النظام صواريخ موجهة ودقيقة الإصابة، عبر نظام "جي بي إس" يصل مداها إلى 70 كيلومترا، حيث تذخر الواحدة منها كل مرة بستة صواريخ أي ضعف مدى قذائف مدافع "هاوتزر" الأميركية.
كما أن نظام الصواريخ هذا قادر أيضا على إطلاق صاروخ صغير موجه أيضا عبر "جي بي إس" ويصل مداه إلى 300 كيلومترا.
ويتيح "هيمارس" خصوصا شن ضربات محددة، حتى في حال لم تسمح الأحوال الجوية للطائرات، ومنها الطائرات بلا طيار، من القيام بعملها.
وتعد أنظمة "هيمارس" واحدة من أكثر الأدوات فعالية في الترسانة الأميركية، وهي ليست أنظمة بعيدة المدى، لكنها أسلحة قوية وعالية الدقة، يفوق مداها أسلحة الجيش الروسي.
وبفضل أنظمة راجمة "هيمارس" التي سلمتها واشنطن لأوكرانيا في يونيو/حزيران 2022 للمرة الأولى، تمكن الجيش الأوكراني من تدمير عدد كبير من مستودعات ذخيرة روسية خلف خط الجبهة في شرق البلاد.
وحينها قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارك ميلي، في 9 يونيو 2022 إن هيمارس "نظام بعيد المدى ومعقد للغاية".
وبين ميلي، أنه يتعين المصادقة على تدريب فرق خاصة من القوات الأوكرانية لاستخدام النظام بشكل صحيح، وقادرة على إطلاق ذخيرة موجهة من عيار 227 ملم بدقة عالية. ويعد هذا ضعف مدى المدفعية التقليدية التي يستخدمها الطرفان على الأرض حاليا.
قلق أميركي
وفي الوقت الراهن، باتت الولايات المتحدة قلقة لوجود المليشيات الإيرانية على بعد عشرات الكيلومترات سواء من قواعدها على الضفة اليسرى من نهر الفرات بدير الزور، حيث تزيد طهران من تسليح تلك المليشيات التي يشرف عليها قادة من الحرس الثوري الإيراني.
وتتكرر عمليات دخول سيارات تحمل أسلحة وذخائر عن طريق المعبر الإيراني بقرية الهري في ريف البوكمال الشرقي، إلى قواعد الميليشيات الإيرانية في ريف دير الزور وآخرها كان في 14 مايو/أيار 2023 حسبما أكد موقع "عين الفرات" المحلي.
كما أنه في 22 مارس 2023، قصف طائرات مسيرة مجهولة الهوية ثلاث شاحنات قادمة من العراق تابعة للمليشيات الإيرانية فور دخولها مدينة البوكمال التي يقابلها معبر "القائم" البري مع العراق.
وهناك تنتشر خليط متعدد من المليشيات الأجنبية جلبتها طهران للقتال إلى جانب النظام السوري منذ عام 2012؛ لوأد الثورة الشعبية ضد رئيس النظام بشار الأسد التي اندلعت في مارس/آذار 2011.
وتتمركز القوات الأميركية في نحو 26 قاعدة ونقطة عسكرية شمالي شرقي سوريا، ويقع عدد من تلك القواعد في حقول "العمر" و"رميلان" و"كونكو" النفطية.
ورغم نشر الولايات المتحدة أنظمة دفاع جوي في تلك القواعد ومن ضمنها "صواريخ باتريوت"، إلا أن واشنطن يبدو أنها تريد تدمير مصادر الهجمات ومستودعات الأسلحة الإيرانية.
ولهذا أكدت واشنطن أن القوات الأميركية هي التي ستستخدم منظومة "هيمارس"، لكون هناك خشية عالية من أنقرة من تدريب واشنطن قوات "قسد" على استخدام "هيمارس"، رغم نفي واشنطن في الوقت نفسه تزويد "قسد" بها.
وكثيرا ما عبرت تركيا عن أسفها بسبب التأخير في تسليمها راجمات صواريخ متعددة من نظام "هيمارس" المدفعي الصاروخي الأميركي، التي تنوي نشرها على طول حدودها مع سوريا.
الهجمات المميتة
وأمام تكرار المناوشات بين المليشيات الإيرانية والقوات الأميركية على الساحة السورية، تبرز مؤشرات جديدة على تصاعدها.
وذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، أن إيران تسلح المقاتلين بسوريا لشن هجمات جديدة على القوات الأميركية، وتعمل كذلك مع روسيا على إستراتيجية أوسع لطرد الأمريكيين من المنطقة.
وأضافت الصحيفة في تقرير لها بتاريخ 1 مايو/أيار 2023، نقلا عن ضباط استخبارات أميركيين وعن وثائق سرية حصلت عليها لكنها لم تنشر صورا لها: "إيران تسلح المقاتلين في سوريا لبدء مرحلة جديدة من الهجمات على القوات الأميركية في ذلك البلد".
ووفقا للصحيفة، تتضمن الوثيقة السرية وصفا لجهود جديدة وأوسع نطاقا من جانب موسكو ودمشق وطهران لإخراج الولايات المتحدة من سوريا، وتصف وثائق أخرى حملة ضد الولايات المتحدة يزعم أنها تتضمن إثارة المقاومة الشعبية.
وفي هذا السياق، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي السوري، فايز الأسمر لـ"الاستقلال"، أن "راجمات صواريخ (هيمارس) موجودة عمليا منذ فترات طويلة في القواعد الأميركية ومنها قاعدة التنف، والشدادي".
وأضاف الأسمر قائلا: "بالتأكيد القوات الأميركية تسعى لتطوير قدراتها العسكرية شرقي الفرات والتنف وذلك نتيجة تنامي القدرات العسكرية الإيرانية وتوعد القوات الإيرانية أنها ستشن هجمات مميتة ضد القوات الأميركية بسوريا".
ولفت الخبير العسكري والإستراتيجي، إلى أن "الولايات المتحدة من الممكن أنها زادت من توزيع منظومات (هيمارس) على قواعدها مثل حقل العمر للنفط أو كونيكو للغاز".
وحقل العمر النفطي شرقي دير الزور، هو أكبر قاعدة للقوات الأميركية شرقي سوريا، كما تتمركز تلك القوات كذلك في حقل كونكو للغاز بذات المنطقة.
من جهته، يرى الخبير العسكري السوري، العميد عبد الله الأسعد، أن تزويد واشنطن قواتها بأسلحة جديدة في هذا التوقيت "ليس من فراغ بل يأتي في ظل الاحتكاكات والمشاحنات الحاصلة على الجغرافيا السورية بين روسيا وإيران من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية".
وأضاف الأسعد لـ"الاستقلال" قائلا: "هناك احتكاك جوي روسي أميركي وأحيانا تقصف القوات الروسية محيط قاعدة التنف قرب القوات الأميركية، مما يعني أن الأخيرة شعرت بأن قوات موسكو خاصة الجوية تستفزها".
واستدرك قائلا: "خاصة أن روسيا أعلنت بأن "الكثير من طائراتها يتم التعامل معها راداريا ومن قبل نظام الدفاع الجوي الروسي على الأراضي السورية".
وذهب الأسعد للقول: "الآن تحسبا لموضوع تزويد إيران وروسيا لمليشياتها بأسلحة حديثة لضرب القواعد الأميركية في سوريا، تريد واشنطن أن تعزز تسليح قواتها بعتاد متطور من منظومة صواريخ عالية الدقة (هيمارس) وغيرها".