درجات كاملة من دون حضور.. هكذا يكافئ الحوثيون الطلاب المقاتلين في اليمن

عصام الأحمدي | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

عام دراسي جديد استقبله طلاب اليمن، في ظل وضع تعليمي وأمني واقتصادي بالغ الصعوبة، أدى إلى تسرب وانقطاع أكثر من مليوني طالب وطالبة عن التعليم بحسب تقارير دولية.

ودشنت الحكومة اليمنية العام الدراسي الجديد في العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحررة في 7 أغسطس/ آب 2022، بينما بدأت مليشيات الحوثي العام الدراسي في مناطق سيطرتها في 31 من نفس الشهر.

وضع معقد

ويعاني قطاع التعليم في اليمن من انقسام حاد وتراجع كبير، جراء وجود وزارتين للتربية والتعليم واختلاف المناهج الدراسية، فضلا عن التحريفات التي أجراها الحوثيون على المناهج بما يتماشى مع مشروعهم الطائفي. 

وأضفى فرض رسوم مدرسية على الطلاب، معظمها غير قانونية من قبل الحوثيين بعد أن كان مجانيا قبل الحرب، تعقيدا على الوضع المعقد الذي أثقل كاهل العائلات، مع استمرار انقطاع رواتب المعلمين للعام السادس على التوالي والذين يعيشون وضعا مزريا.

وترك بعض المعلمين وظيفة التدريس وتحولوا إلى العمل الخاص والغربة خارج اليمن، بينما يعيش آخرون على مساعدات من مغتربين وتجار ومبادرات مجتمعية، جرى تدشينها من الأهالي من أجل مساعدة المعلمين على مواصلة العملية التعليمية.

كما أن عدم تأهيل المدارس التي تضررت بفعل الحرب، وارتفاع المعيشة والأعباء الاقتصادية على أولياء الأمور فتح نافذة لتسرب كثير من الطلاب إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم في توفير احتياجات المعيشة.

ويأتي العام الدراسي الجديد بعدما أثارت نتائج الثانوية العامة المعلنة من قبل وزارة التربية والتعليم اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون حالة من الجدل والسخرية.

وذلك بسبب ارتفاع معدلات النجاح التي جاءت في معظمها أعلى من المعدلات الطبيعية، رغم الحرب والأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.

وأعلنت وزارة التربية والتعليم التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي في 21 أغسطس، نتائج امتحانات الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي للعام الدراسي 2022/2021، بنسبة نجاح بلغت 86 بالمئة.

وهي نسبة مرتفعة جدا مقارنة بحال العملية التعليمية في مناطق سيطرة المليشيا، فقبل الحرب لم تتجاوز معدلات النجاح 80 بالمئة، رغم حالة الاستقرار والوضع الطبيعي للنظام التعليمي.

وسبق لوزارة التربية والتعليم الخاضعة للحكومة الشرعية أن أعلنت، في 15 أغسطس نتائج اختبارات شهادة الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي للعام الدراسي 2022/2021، بنسبة نجاح بلغت 91.9 بالمئة.

وخلال حفل الإعلان، قال وزير التربية والتعليم في الحكومة اليمنية، طارق العكبري، إن الوزارة حرصت على استمرار التعليم رغم ظروف الحرب التي تعيشها البلاد، بفضل جهود القائمين على العملية التعليمية.

من جهته، أشاد وكيل قطاع المناهج والتوجيه أحمد النونو في حكومة الحوثيين خلال كلمة في حفل إعلان النتائج، نيابة عن وزير التربية والتعليم يحيى الحوثي، بصمود التربويين في الميدان.

وقال إنه "بفضلهم تم إنجاح العام الدراسي رغم الظروف الاستثنائية الصعبة التي تمر بها البلاد جراء استمرار العدوان والحصار".

تراجع مخيف

وقوبلت نتائج الثانوية العامة بامتعاض عدد من اليمنيين، وأثارت حالة من الجدل والسخرية بسبب ارتفاع معدلات نجاح التلاميذ فيها، في ظل انتقادات لسير الامتحانات وما صاحبها من عمليات غش كبيرة وتدهور أوضاع قطاع التعليم في اليمن، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وخلال سير الامتحانات في مايو/ أيار 2022، تفشت ظاهرة الغش في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، وجرى إخراج دفاتر الإجابة خارج المركز الاختباري بقصد حل الأسئلة.

بالإضافة إلى منح المقاتلين في صفوفها درجات عالية تمكنهم من دخول الجامعات على حساب غيرهم، بحسب تقرير لموقع "العاصمة أونلاين" المحلي.

ويتحكم الحوثيون بالكتلة التعليمية الأكبر من خلال سيطرتهم على محافظات الكثافة السكانية (أمانة العاصمة، صنعاء، عمران، ذمار، إب، البيضاء، المحويت، ريمة، وأجزاء واسعة من صعدة، الجوف، الحديدة، حجة، وأجزاء من تعز، مأرب، الضالع، لحج).

ويشكل الطلاب في مناطق سيطرة الحوثي قرابة 69 بالمئة من عدد المتقدمين على مستوى عموم اليمن والبالغ عددهم 277 ألفا و879 طالبا وطالبة، بزيادة بلغت 98 ألفا و674 طالبا وطالبة عن العام الدراسي 2013/2014، حيث كان عدد طلاب الثانوية العامة آنذاك يقدر بـ 179 ألف طالب وطالبة.

وتعليقا على واقع التعليم في اليمن، قال الأكاديمي اليمني وأستاذ الفكر التربوي الإسلامي بكلية التربية بجامعة صنعاء أحمد الدغشي إن "التعليم اليوم في اليمن هبط للقاع بما تعنيه الكلمة من مدلول".

وأضاف الدغشي لـ"الاستقلال"، أن تزوير النتائج في السنوات الماضية ووصول الشهادات للطلاب إلى الجبهات قضت على التعليم إلى الحد النهائي.

وتابع: "يحدثني أحد الأصدقاء قبل سنتين أن جاره قال له بارك لي إن ابني حصل على 95 بالمئة في الثانوية، فقال له: ابنك في المستشفى مريض بسبب الإصابة في الجبهة، فقال له: حصل عليها وخلاص. وهذا دليل على الواقع المر في السنوات الماضية فكيف به في هذه السنة؟".

وتساءل الدغشي: "ما معايير النتائج التي يتحدث عنها الحوثيون في ظل التجريف الحاصل للعملية التعليمية من مختلف النواحي وهي التي أشكك في صحتها ويشكك كل من يعرف مسار التربية والتعليم في حقبتهم السوداء".

واستدرك بالقول: "لنفترض أن هؤلاء الطلاب حصلوا على هذه النتائج كونها أتيحت لهم فرص لم تتح لغيرهم، مثلا مدرسة ثانوية في منطقة نائية لا يتوفر فيها معلمون للمواد الأساسية ولا يصلها الكتاب المدرسي ولا تحصل على أي لوازم تعليمية وتريد منها أن تنافس مدرسة نموذجية في قلب العاصمة لا يلتحق بها إلا من كان ذا معايير خاصة وفق الجماعة المتحكمة بوزارة التربية والتعليم".

تسرب متواصل

وتتفاقم معاناة المواطنين اليمنيين مع بداية العام الدراسي الجديد، إذ بات من الصعب على معظم الأسر توفير متطلبات أبنائها المدرسية في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه اليمن.

وإضافة إلى التراجع في أعداد الطلاب المسجلين، تحولت المدارس في مختلف أنحاء اليمن، لأسباب متعددة، إلى مراكز لتلقين الإيديولوجيا، حيث يتلقى الطلاب الذين ما زالوا يرتادونها تعليما يهيئهم في معظم الأحيان للالتحاق بالقتال في الجبهات.

وبعد مرور 7 سنوات من الحرب المدمرة أصبحت العملية التعليمية لأطفال اليمن أحد أكبر ضحايا استمرار الصراع، والذي نتج عنه انقطاع أكثر من مليوني طفل من البنين والبنات ممن هم في سن التعليم، عن المدارس بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" في 5 يوليو/ تموز 2021.

وتسبب النزاع الدائر في اليمن بين الحكومة المعترف بها دوليا والمسنودة بتحالف عربي بقيادة السعودية والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، بجعل أكثر من 2500 مدرسة في البلاد غير صالحة للاستخدام، بحسب يونيسيف، إذ جرى تدميرها أو تحويلها لأغراض عسكرية أو استخدامها كمراكز إيواء للنازحين.

وشهدت السنوات الأخيرة شحة في توفر الكتب المدرسية التي حرفها الحوثيون وغيروا المفاهيم والعقيدة والوقائع التاريخية فيها، بما يخدم أهداف المليشيا وأحقيتها في الحكم.

وانتشرت بسطات في أرصفة الشوارع لبيع الكتاب المدرسي على شكل ما يعرف بالسوق السوداء.

في المقابل فإن كثيرا من المعلمين تركوا مهنة التعليم بسبب توقف الرواتب، واتجهوا للبحث عن مصدر دخل جديد لتلبية متطلبات حياتهم الخاصة، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية المستمرة في اليمن.

وحول تأثير النزاع على تعليم الأطفال في اليمن قالت يونيسيف، إن ثلثي المعلمين في البلاد أي أكثر من 170 ألف معلم لم يتقاضوا رواتبهم بصفة منتظمة منذ أكثر من 5 سنوات بسبب النزاع والانقسامات الجغرافية والسياسية في البلاد.

وهو ما يعرض حوالي أربعة ملايين طفل آخر لخطر تعطل العملية التعليمية أو الانقطاع عن الدراسة بسبب توقف المدرسين الذين لا يتقاضون رواتبهم عن التدريس بغرض البحث عن طرق أخرى لإعالة أسرهم.

تدمير ممنهج

وأصبحت العملية التعليمية هدفا للأطراف المتحاربة في اليمن، وشرع الحوثيون منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، إلى تغيير المناهج الدراسية واستخدامها بما يتماشى مع مشروعهم الطائفي في اليمن.

ويتهم مراقبون مليشيا الحوثي بالتعمد في محاربة التعليم من خلال الإصرار على عدم دفع المرتبات، وتهديد المعلمين المطالبين برواتبهم بالفصل وفتح باب التطوع للبدلاء.

في تقريرهم السنوي حول النزاع المسلح، الذي نشر في مايو/ أيار 2020، أحصى فريق الخبراء المعني باليمن التابع للأمم المتحدة 211 حالة لأطفال جرى تجنيدهم للقتال باليمن في العام المذكور.

ويرى الأكاديمي الدغشي، أن "العملية كلها ظلام في ظلام وتجريف في تجريف وليس هناك عدالة في التعليم ولا شفافية ولا معايير أساسا". 

وأضاف "نحن في عصر المليشيا بامتياز، نحن في عصر الطائفية السياسية المتخلفة على نحو لم يسبق له مثيل على مدى الخمسين سنة الماضية". 

وأوضح بالقول: "عادت الإمامة في أقبح صورها، وقد ركزت على تدمير التعليم وجعلت شقيق زعيم العصابة عبدالملك الحوثي هو من يمسك بوزارة التربية والتعليم ولا يتزحزح عنها إلا في حال كان هناك من هو أسوأ منه من العائلة ذاتها". 

وختم الأكاديمي اليمني حديثه بالقول إن "إصرار الحوثيين وتشبثهم بوزارة التربية والتعليم يؤكد أنهم يسعون للإجهاز عليه تماما".

في فبراير/ شباط 2021، نشر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة سام للحقوق والحريات، تقريرا بعنوان "طفولة عسكرية".

أشارا فيه إلى أن الحوثيين جندوا أكثر من 10 آلاف طفل منذ 2014، وحولوا المدارس والمؤسسات التعليمية إلى معسكرات تدريب عسكرية لتجنيد الأطفال للقتال معهم وغرس أيديولوجيتهم الحربية.

ويحتاج أكثر من 8 ملايين طفل يمني إلى دعم تعليمي طارئ، وفقا لتقرير صادر عن اليونيسيف في فبراير 2021.