لصالح الجيش اليمني.. هكذا قلبت القبائل موازين المعركة في مأرب

آدم يحيى | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

أعلنت قبائل مأرب والجوف شمالي اليمن، الحشد العسكري أو ما يسمى بالعرف القبلي (النّكف)، وذلك لإسناد قوات الجيش الوطني، في مواجهة مليشيا الحوثي، التي شنت هجوما مباغتا على المناطق الشرقية من صنعاء، وصولا إلى الحدود المتاخمة لمحافظتي الجوف ومأرب.

تمكنت تلك القبائل المسلحة من أبناء مأرب والجوف من قلب موازين المعركة، وإحداث تحول مهم في مسار المواجهات لصالح قوات الجيش الوطني، في عدد من الجبهات والمواقع الإستراتيجية.

البوابة الشرقية

بعد أن سقطت البوابة الشرقية لصنعاء، المتمثلة بـ"فرضة نِهم" الإستراتيجية، بيد ميلشيا الحوثي، في عملية مباغتة، وصدور أوامر عسكرية بانسحاب وحدات الجيش الوطني من مواقعها، تمكنت قوات الحوثي من السيطرة على عدة مواقع إستراتيجية أخرى من بينها معسكر اللواء 312 في الفرضة، وسلسلة جبال يام، وصولا إلى جبل هيلان الإستراتيجي، المطل على مدينة صرواح والجهة الغربية لمدينة مأرب، شرق صنعاء.

سقط جبل هيلان هو الآخر بيد الحوثيين، غير أن قبائل مأرب والجوف أعلنت (النكف) والحشد القبلي حينها، واستطاعت أن تستعيد جبل هيلان من الحوثيين، خلال معارك استغرقت أقل من 24 ساعة.

جبل صلب الإستراتيجي في مديرية نهم، كان هو الآخر، على وشك السقوط بيد مقاتلي الحوثي، بعد أن تمكنوا من قطع الخط الوحيد الرابط بين مدينة حريب ومفرق الجوف، غير أن الإسناد القبلي استطاع أن يرجح الكفة لصالح الجيش الوطني، ويتمكن من صد الهجوم، ومثل ذلك في مواقع أخرى كمفرق الجوف وبراقش والصفراء وغيرها من المواقع الإستراتيجية.

لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي تعلن فيها قبائل مأرب مساندة الجيش اليمني، ففي أبريل/نيسان 2015، وفي ظل تقدم الحوثيين المدعومين من إيران ومن قوات الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، حشدت قبائل مأرب أفرادها وأعلنت النفير العام واتجهت للخطوط الأمامية للمعركة وتمكنت من صد قوات جماعة الحوثي، في كل من "مراد" و"عبيدة" و"الجدعان".

وتمكنت أيضا من استعادة مواقع مهمة كانت قد سقطت بيد الحوثيين، وقامت بطردهم من مركز مديرية "صرواح"، وسقط خلال تلك المعارك التي استمرت أسابيع، قيادات حوثية مهمة، من بينهم مجاهد التيس، وشاكر الأشحب، وحمير الكويلي، بالإضافة إلى عشرات الجنود، ومئات الجرحى في مختلف الجبهات.

وفي المقابل سقطت قيادات من قبائل مأرب، بعد أن سطروا ملاحم، وحققوا انتصارات لصالح الجيش الوطني، ما كان لها أن تتم لولا تدخل ملوك سبأ، كما يتم وصفهم.

وفق مراقبين، فإن عوامل مهمة تسببت في صمود قبائل مأرب، في وجه الحوثيين، والقوات الموالية لصالح، من تلك العوامل عدم وجود حاضنة شعبية لجماعة الحوثي في مديريات مأرب، والرفض المجتمعي للجماعة وأفكارها، بالإضافة إلى تماسك القبائل واحتكامهم لمرجعيات قبلية، قررت الانحياز للشرعية وقوات الجيش الوطني.

شماعة "القاعدة"

روجت جماعة الحوثي، أثناء هجومها الأخير على مأرب، بأن قبائل مأرب تحتضن عناصر من تنظيم القاعدة، وأن عددا من مشايخ مأرب أعضاء في التنظيم، وذلك من أجل الحصول على مشروعية دولية لعملياتها الهجومية، أو تغاضى المجتمع الدولي عن تحركاتها باتجاه السيطرة على المحافظة.

كانت هذه الذريعة التي تستخدمها ميلشيا الحوثي في كل مرة، عند الهجوم على محافظة مأرب، بما فيها الهجوم الأكبر الذي استغرق أشهرا عديدة حتى دحرهم من مأرب عام 2015.

ذلك المبرر لقي استهجان وإنكار عدد من الناشطين حينها، ففي العملية التي تحالف فيها الحوثيون مع قوات صالح وحضروا لشن هجمة على مأرب في2015، بذريعة تطهيرها من تنظيم القاعدة وجيوب تابعة لهم في مديرية مأرب، دشن ناشطون حملة إلكترونية مضادة لتلك الترويجات التي باتت ترددها أبوظبي، على نحو متكرر، تحت هاشتاج #ملوك سبأ ليسوا قاعدة وهاشتاج Kings_of_Sheba_are_not_Qaeda.

وكتب الدكتور مروان الغفوري أحد مؤسسي تلك الحملة قائلا: "الحوثيون يحاولون عبر إسناد من قوى دولية غير أخلاقية، احتلال محافظة مأرب تحت لافتة مكافحة الإرهاب.

وأضاف على صفحته بفيسبوك: "يجري التحضير لهذه العملية العسكرية على نحو مهول، لقد جلب الحوثيون السلاح عبر المحيط ليقصفوا به مأرب اليمنية، لكن أبناء العاصمة التاريخية لملوك سبأ، جهزوا أنفسهم لتلك الحرب رافضين نصائح الرئيس هادي بالاستسلام".

ادعاءات إماراتية

الادعاءات بوجود محاضن للقاعدة في مأرب، باتت ترددها الإمارات مؤخرا بشكل متكرر، وتتهم قبائل مأرب بضلوعهم في تنظيم القاعدة، كما تتعمد الربط بين وجاهات اجتماعية من أبناء مدينة مأرب المنتمين لحزب الإصلاح، وتنظيم القاعدة، بل تربط بين حزب الإصلاح السياسي وتنظيم القاعدة.

عملت أبوظبي بطرق غير مشروعة على محاولة توريط مشايخ من حزب الإصلاح المقاتلين في مأرب، وذلك بإدراجهم ضمن قائمة الإرهاب أو فرض عقوبات اقتصادية عليهم من قبل الولايات المتحدة، من بينهم الشيخ خالد العرادة شقيق محافظ مأرب سلطان العرادة، والشيخ الحسن أبكر الزعيم القبلي في مأرب، بالإضافة إلى الشيخ عبدالوهاب الحميقاني، وذلك بتقديم معلومات لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وكذلك للولايات المتحدة، مستفيدة من غياب مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وجه محقق أممي رفيع المستوى اتهامات إلى الإمارات، بتضليل فريق خبراء لجنة العقوبات التابع لمجلس الأمن، بشأن ملف الإرهاب في اليمن، وذلك بتقديمها معلومات عن أشخاص قالت إنهم أعضاء في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تبين لاحقا أنهم ليسوا كذلك.

وكشف عضو فريق خبراء لجنة العقوبات غريغوري جونسون، المنتهية فترته في ديسمبر/كانون الأول 2018، في تقرير نشره مركز صنعاء للدراسات أن المعلومات التي زودت بها الإمارات الفريق الأممي  لشخصيات قالت إنها من تنظيم القاعدة، تبين لاحقا أنها لقيادات من حزب الإصلاح اليمني، تعتبرهم الإمارات أعداء لها.

وذكر غريغوري أن خالد العرادة (شقيق محافظ مأرب)، تم تصنيفه من قبل الولايات المتحدة، في مايو/أيار 2017، كمسؤول مهم في القاعدة، وقائد أحد معسكراتها في جزيرة العرب، وفرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات بناء على ذلك، غير أنه تبين بعد التحقق في الأدلة، أن تلك المعلومات التي قدمتها الإمارات لم تكن دقيقة، وأن العرادة كان شخصية من حزب الإصلاح، ولا ينتمي لتنظيم القاعدة.

 وأضاف غريغوري أن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء في تحديد الإرهابي الحقيقي، ودعا الولايات المتحدة لأن تكون حذرة للغاية في تعريفها للإرهابيين في اليمن، كما دعاها للتأكد وعدم الخلط بين القاعدة في جزيرة العرب والمجموعات الإسلامية الأخرى. وقال: إن توسيع الدائرة وتعريف القاعدة ضمن نطاقات أوسع للغاية سيجعل الولايات المتحدة في حرب لا يمكن أن تفوز بها.

مؤشر خطير

رغم الدور الكبير الذي تقوم به قبائل مأرب في مساندة الجيش الوطني، إلا أن ذلك يعد في نفس الوقت مؤشرا خطيرا، فهو يعني أن قوات الجيش والبالغ قوامها نحو نصف مليون مقاتل، ليست قادرة على حسم المعركة، مع التأكيد بأن القبائل قوة كبيرة يمكن الاستفادة منها.

الكاتب والصحفي محمد اللطيفي قال في حديث لـ"الاستقلال": "الحشد القبلي وإن بدا طبيعيا وفي سياق مبرر إلا أنه مؤشر خطير، لأنه يعني أن الجيش لم يعد قادرا على حماية المدن اليمنية، وعلى سبيل الخصوص مأرب والجوف، حيث المعارك قريبة منها الآن".

مضيفا: "هذا يعني أيضا أن هناك خطرا كبيرا يحيط بهذه المحافظات، لأن القبائل في الأخير، وإن كانت تمتلك عقيدة قتالية، وهدفا مشروعا في حماية أرضها، إلا أنها لا تمتلك أسلحة كافية لاستمرار المعركة، خصوصا أن معظم تلك القبائل تقاتل بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وغير قادرة على تأمين الذخيرة والمؤنة اللازمة لمواصلة الحرب، في مقابل دعم متواصل لميلشيا الحوثي، لم ينقطع منذ إعلان الانقلاب في 2015".

يضيف الكاتب اليمني: "في الحقيقة الإشكالية ليست عند الجيش الوطني، فأفراد الجيش الوطني مقاتلون مخلصون، في تقديري، بل الإشكالية الكبرى لدى التحالف السعودي الذي اختطف القرار السيادي اليمني وبات يتحكم بالقرار العسكري للجيش اليمني، واستطاع التدخل في مآلات المعركة، بتفويض مطلق من الرئيس هادي".

يتابع اللطيفي: "يؤسفني القول بأن التحالف وعلى رأسه السعودية عمل على منع تحول الجيش اليمني إلى قوة حقيقية، ومنع السلاح النوعي عنه، وعدم مده بالذخيرة اللازمة، كما تستغل الرياض حاجة أفراد الجيش الوطني، خصوصا مع انقطاع مرتباتهم لنحو عام كامل، ونقل عدد كبير منهم للحدود السعودية، للقتال خارج منظومة وزارة الدفاع اليمنية، مقابل مرتب شهري".

ويختم الكاتب: "تركت السعودية الجيش الوطني بأسلحته المحدودة في مواجهة مصيره مع قوات جماعة الحوثي، ولم تتدخل طائرة التحالف أو تقاتل في صف قوات الشرعية، أي أنها لم تقصف التجهيزات العسكرية لجماعة الحوثي، وعندما قصفت استهدفت قوات الجيش الوطني، آخرها 3 غارات جوية في المعركة الأخيرة قبل يومين، ذهب ضحية واحدة منها نحو 13 جنديا يمنيا وأكثر من 12 مصابا، في منطقة الجفرة بمحافظة مأرب، على الحدود الفاصلة بين محافظتي مأرب والجوف".