مع اشتداد الأزمة.. إيران تمتص دولارات العراق لسد رمقها

ما انفكت السلطات العراقية تعلن بين الحين والآخر الكشف عن مصادرة المليارات من العملة المحلية المزورة، والقبض على عشرات المتهمين بإغراق السوق التجارية في البلد بالدينار المزيّف، إلا أنها لم تفصح حتى الآن عن الجهات المتورطة في هذه العمليات.
ولعل آخر ما أعلنته قبل نحو أسبوعين على لسان مدير دائرة الإصدار والخزائن في البنك المركزي العراقي جعفر غلام، أن "4 مليارات دينار (3.5 مليون دولار) من العملة المزورة دخلت التعاملات اليومية، وأن 200 مليون (150 ألف دولار) منها تكتشف شهريا من خلال المواطنين الذين يكونون في العادة ضحايا لهذا التزوير".
العملة المزوّرة
ارتفاع معدلات العملة المزورة الواردة إلى العراق، يأتي مع حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وعلى رأسها حظر مشتريات إيران من الدولار الأمريكي، والذي شكّل ضربة قاضية لطهران.
ومع اشداد الأزمة الاقتصادية المفروضة على طهران، أكد اقتصاديون عراقيون أن إيران تستخدم العراق متنفسا لها في الحصول على الدولار الأمريكي بطرق مختلفة ومنها تزوير العملة.
وقال عضو مجلس إدارة البنك المركزي السابق الخبير الاقتصادي ماجد الصوري: إن "إيران لم يعد أمامها سوى العراق كرئة اقتصادية تتنفس من خلالها وتحصل من أسواقه على الدولار الأمريكي بعد العقوبات".
وحذر الصوري في تصريحات صحفية، من اعتماد طهران على أساليب مختلفة مؤذية للعراق لجمع الدولار نتيجة موقف الحكومة العراقية من العقوبات ضد طهران، وفي مقدمة هذه الأساليب إغراق السوق العراقية بالعملة المحلية المزورة لشراء الدولار بعدما بات الريال الإيراني لا قيمة له في التعاملات داخل العراق وخارجه.
وشهد سعر صرف الريال الإيراني، الثلاثاء الماضي، انخفاضا حادا وصل إلى أدنى مستوياته منذ 7 أشهر، فقد ذكرت بيانات لمواقع صرف العملات الأجنبية، أن سعر صرف الريال الإيراني تراجع إلى 154 ألف ريال للدولار الأمريكي.
وتنشط ما لا يقل عن 200 شبكة تزوير عملات في مناطق مختلفة من العراق تتفاوت قدراتها على التزوير من حيث الكمية التي تنتجها، لكن في الغالب تتخصص في تزوير فئة الـ25 ، والـ50 ألف دينار، وفقا لمصادر أمنية نقلت عنها صحيفة "العربي الجديد".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وجه البنك المركزي العراقي، المصارف وشركات الصرافة في عموم البلاد بعدم بيع الدولار للراغبين بالسفر إلى إيران.
وأظهرت وثيقة رسمية، صادرة عن البنك حث فيها المصارف على الالتزام بإلغاء عملة الدولار في المبادلات التجارية مع إيران، داعيا المسافرين إلى إيران للاستعاضة عن الدولار الأمريكي بعملة أخرى.
وقبل ذلك، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، التزام بلاده بالعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، ولاسيما فيما بتعلق بالتعامل بالدولار الأمريكي.
يأتي ذلك في وقت تواصل فيه السلطات العراقية حملاتها الأمنية لمطاردة عصابات تزوير العملة، حيث ضبطت مطبعة لتزوير العملة وسط بغداد وأكثر من 300 مليون دينار (220 ألف دولار) ، واعتقال أفراد من العصابة المتهمة بالتزوير، بحسب بيان لوزارة الداخلية.
تلاعب واحتيال
محاولات إيران في سحب الدولار من الأسواق العراقية على تزوير العملة لم تقف عند تزوير العملة فحسب، وإنما اتخذت مسارا آخر في محاولة منها لتعدد الأساليب للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
وفي حديث لـ"الاستقلال"، قال صاحب أحد محلات الصرافة في بغداد، عمار الشمري: إن "المصارف الأهلية تتلاعب في رُزم الدولار الأمريكي وتعمد تضييع تسلسل الأرقام فيها، وذلك ليسهل عملية تهريبها".
وأوضح الشمري، أن "بعض المصارف الأهلية بدأت مع العقوبات الأمريكية على إيران، بفك غلاف رُزم الدولار الأمريكي، والتي تكون 100 ألف دولار للرزمة الواحدة، وإزالة الرقم التسلسلي الملصوق عليها حتى لا يتم رصدها من أي مصرف جرى تهريبها بعدما خرجت من البنك المركزي العراقي برقم تسلسلي رسمي".
ولفت إلى أن "هذا الأسلوب أصبح معتمدا بعد تشديد العقوبات على إيران، لكن بعض المصارف التي كانت تمارس هذه العملية أصدر البنك المركزي مؤخرا قرارا بوقف التعاملات معها، وذلك استجابة لعقوبات أمريكية طالتها".
وادرجت الولايات المتحدة الأمريكية مصرفا عراقيا على قائمة الجهات الممولة للإرهاب على خلفية دعمه المالي لفيلق القدس الإيراني وحزب الله اللبناني، ضمن إجراءات عقابية ضد مصارف عراقية لتعاونها مع المؤسسات المالية الإيرانية في تمويل النشاطات الإرهابية.
فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في مايو/ أيار الماضي، عقوبات على مصرف "البلاد الإسلامي" العراقي ومدير مجلس إدارته النائب الحالي آراس حبيب الفيلي، لاتهامه بتمويل الحرس الثوري الإيراني المصنف على قوائم الإرهاب لدى واشنطن، وتحويل أموال من "فيلق القدس" الذي يتبع الحرس إلى حزب الله اللبناني.
وشملت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، محافظ البنك المركزي الإيراني الذي حول ملايين الدولارات بشكل سري لمصلحة الحرس الثوري إلى حزب الله اللبناني عبر مصرف "البلاد الإسلامي" العراقي.
وأقر البنك المركزي العراقي في بيان رسمي، إجراءات عقابية ضد مصرف "البلاد الإسلامي" ومديره بعد إدراجه على قوائم الإرهاب الأمريكية.
وتفيد مصادر عراقية مطلعة، بأنن آراس حبيب الفيلي، خلف القيادي الشيعي الراحل أحمد الجلبي في قيادة حزب "المؤتمر الوطني العراقي" الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران، والذي أسس "البيت الشيعي" العراقي.
ويلاحق البنك الفيدرالي الأمريكي 5 مصارف عراقية جديدة، بحسب مصادر دبلوماسية عراقية، والتي أكدت أن "فريقا من المستشارين الأمريكيين يتواجدون في العراق، لمتابعة هذه المصارف التي قد تخضع لنفس العقوبات التي فرضت على "مصرف البلاد الإسلامي".
تجارب سابقة
لم تكن أساليب إيران المتبعة في سحب العملة الأمريكية حديثة عهد مع العراق، فقد مارست العمليات ذاتها في العقوبات السابقة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن ترفعها في عام 2015.
فقد سبق للولايات المتحدة، أن فرضت عقوبات على مصارف عراقية أهلية، لاتهامها بتمويل الأنشطة الإرهابية والتعاون مع إيران، إذ أدرجت في عام 2012 مصرف "إيلاف الإسلامي" على القائمة السوداء، لتعامله مع بنك "تنمية الصادرات" الإيراني، الذي تتهمه واشنطن بأنه "يشارك في نشر" أسلحة الدمار الشامل.
واتهمت لجان برلمانية عراقية في تصريحات لها عام 2014، جهات سياسية نافذة لا يمكن تسميتها، ولكنها معروفة للجميع، تقوم بتزوير العملة العراقية، لأنها مرتبطة بجهات خارجية تهدف إلى ضرب اقتصاد البلد.
وقالت عضوة لجنة الاقتصاد والاستثمار بالبرلمان العراقي نورا سالم البجاري: إن "تزوير العملة يتم في بعض الدول مثل إيران ودولة خليجية -لم تسمها- حيث توجد هناك مطابع خاصة، إضافة إلى أن هناك بعض الجهات تقوم بتزوير العملة داخل البلد من أجل إبقاء الاقتصاد العراقي على حاله دون تطوير وجعله بلدا استهلاكيا للسلع".
وأكدت البجاري في تصريحات أوردها تقرير لموقع "الجزيرة نت"، أن "حجم المبالغ المزورة كبير جدا، وأن البنك المركزي يرفض البوح بها بسبب الشخصيات السياسية المرتبطة بهذا الملف"، مشيرة إلى أن "حجم العملة المزورة ازداد بعد الأحداث في سوريا والحصار الاقتصادي على إيران".

وفي التقرير ذاته، قالت عضوة اللجنة المالية في البرلمان نجيبة نجيب، إن تقارير البنك المركزي التي تصل اللجنة تؤكد وجود تزوير للعملة المحلية، وأن هذه الظاهرة أصبحت شائعة في البلد.
وأشارت نجيبة نجيب إلى أن الحد من هذه الظاهرة يكون من عبر تفعيل الجهد الاستخباراتي، وتغيير العملة المحلية بحذف ثلاثة أصفار منها ليتم تقليل حجم الأوراق النقدية المتداولة.
وعلى الوتيرة ذاتها، كان عضو القائمة العراقية طه اللهيبي، قد قال: إن "ايران وبمساعدة عملائها في العراق قامت بإدخال عملة عراقية مزورة عبر أراضيها والأراضي السورية لإغراق السوق العراقية بهدف شراء العملة الصعبة، بعد وضوح نتائج العقوبات الدولية على إيران".
ويشدد اللهيبي في تصريحات نشرتها مواقع محلية في فبراير/ شباط 2012، على أن "صمت الحكومة العراقية المطبق على هذا الأمر سيضعها في قفص الاتهام بالتواطؤ مع إيران"، لافتا إلى أن "استمرار إغراق البلاد بالعملة المزورة سيؤدي إلى أضرار كبيرة بالاقتصاد العراقي".
وفي قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، تعد عمليات تزوير العملة من الجنايات، وشدد العقوبة على مرتكبيها، إذ تبدأ بالسجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات لكل من ساهم في تزييف العملة أو ترويجها، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام.
المصادر
- اربعة مليارات دينار من العملة المزورة تدخل التعاملات النقدية في العراق
- العملة الايرانية تهبط الى ادنى مستوى لها منذ 7 اشهر
- تزوير العملة: كيف أصبحت مهنة المافيات والأحزاب في العراق؟
- ضبط مطبعة لتزوير العملة النقدية وسط بغداد
- 200 شبكة تزوير عملات تهدد الأسواق العراقية
- إيران تستنزف دولارات العراق بأسلوب "خبيث" لمواجهة أزمتها
- تزوير العملة خطر يهدد الاقتصاد العراقي
- عقوبات أمريكية على مصارف عراقية تدعم إيران وحزب الله اللبناني
- البنك المركزي العراقي يحظر التعامل بالدولار مع البنوك الإيرانية
- البنك الفيدرالي الأميركي يلاحق خمسة مصارف عراقية
- عمليات تزوير العملة تنتشر في العراق.. الاتهامات توجه لطهران والمركزي يطمئن بأنها طفيفة

















