حال أصبحت أوروبا أكثر استقلالا.. ما الذي تخشاه أميركا؟

"أوروبا الراهنة هي في المقام الأول بناء أميركي"
في ظل العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، لا سيما منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، تتصاعد الأصوات الأوروبية المنتقدة لنمط العلاقة بين الجانبين، والداعية إلى تعزيز الوحدة الأوروبية لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال عن واشنطن.
في هذا السياق، أجرى موقع "أتلانتيكو" الفرنسي حوارا مع الجنرال فينست ديسبورت، تناول فيه مظاهر التوتر القائم بين الطرفين، لا سيما في مجال الصناعات الدفاعية، وانعكاساته على مستقبل الشراكة عبر الأطلسي.

استقلال مرفوض
في البداية، تساءل الموقع الفرنسي عن كيفية فهم مطالبة الولايات المتحدة لأوروبا بأن تكون أقوى عسكريا، وفي الوقت نفسه ترفض أن تطور القارة قاعدتها الصناعية الدفاعية الخاصة.
وفي معرض إجابته، قال الجنرال الفرنسي فينست ديسبورت: “في الواقع، يجب العودة إلى الوراء. نحن نعيش في ظل التاريخ الأميركي الطويل الذي لم يتغير أبدا”.
وأضاف أن "أوروبا الراهنة هي في المقام الأول بناء أميركي؛ فقد أنشأت الولايات المتحدة أوروبا، لا سيما عبر خطة مارشال، لتجنب وقوعها في براثن الشيوعية ولتكون قوية اقتصاديا بما يكفي في مواجهة الاتحاد السوفيتي".
وتابع: "لقد أنشأت أوروبا الراهنة من أجل الولايات المتحدة وبواسطة الولايات المتحدة".
وأردف: "تتلخص رؤية الولايات المتحدة للقارة في شقين: أوروبا قوية تعمل كمنطقة عازلة بين حلف وارسو بالأمس، وروسيا اليوم، وبينها؛ لكن لا ينبغي لأوروبا أن تصبح مستقلة أبدًا".
وأضاف: "في الأعوام 1990-1991، أراد بعض القادة الأوروبيين، مثل ميتيران، التقرب من روسيا، وعارضت الولايات المتحدة ذلك لأنها ترفض تشكيل كتلة أوراسية قوية اقتصاديًا وديمقراطيًا".
مشيرا إلى أن "الأميركيين لا يهتمون بأوروبا إلا إذا ظلت تابعة لهم. إنهم يعتزمون أن يكونوا سادة الغرب، كما أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو في خطابه في ميونيخ، فنحن في علاقة بين سيد وتابع، فينبغي على أوروبا المساهمة في الدفاع عن الغرب، وأن تكون قوية، لكن تظل تابعة".
وأكمل: "ولكي تظل تابعة، يجب ألا تكون مستقلة في مجال صناعة الأسلحة. منذ الثمانينيات والتسعينيات، عهدنا بدفاعنا إلى الولايات المتحدة. وبمجرد أن يعتمد أمنك على شخص ما، فإنك تصبح تابعا له. ولو أصبحنا أقوياء جدا، فستكون لدينا الرغبة في الانفصال عنهم. ولذا، سيتعين عليها الحفاظ علينا تابعين".
"إنه منطق قديم: يجب أن تظل أوروبا مشروعا في طور التكوين، ولا يكتمل أبدا. تريد الولايات المتحدة منا أن ننفق على دفاعنا، ولكن نبقى معتمدين عليها، لا سيما عبر الأسلحة الأميركية"، تابع الجنرال الفرنسي.
ولفت فينست ديسبورت إلى ضرورة تذكر السياسة الأميركية ثلاثية الأبعاد، التي وضعها كلينتون ومادلين أولبرايت في أوائل التسعينيات: لا فك ارتباط، لا ازدواجية، لا تميز. وهو ما يعني: لا استقلال أوروبيا، ولا أنظمة أسلحة أوروبية زائدة عن تلك الموجودة بالولايات المتحدة".
لافتا إلى أن "هذه السياسة خلقت ثغرات في أمننا: نحن لسنا مستقلين في الاستخبارات، ولا في الاتصالات، ولا في النقل الإستراتيجي، وليس لدينا حتى هيئة أركان أوروبية موحدة".
مضيفا: "كما أننا لا نملك أسلحة رادار مضادة للطائرات، وآخر صاروخ من هذا النوع، وهو مارتل، أصبح قديما في عام 1997. وبرامجنا الحالية لن تمنحنا هذه القدرات إلا في عام 2035. كل هذا يجسد منطقا أميركيا ثابتا: أن نصبح أقوياء، لكن في الوقت ذاته معتمدين على غيرنا".

“جاثون على ركبنا”
ثم تساءل الموقع قائلا: “هل يمكن للاتحاد الأوروبي أن يدعي الاستقلال الإستراتيجي إذا ظل يعتمد على الموردين الأميركين لثلثي معداته؟”
وهنا أكد ديسبورت نفيه القاطع لاحتمالية "وجود استقلال إستراتيجي دون استقلال في مجال التسلح. ولهذا السبب يتحدث ماكرون عن التفضيل الأوروبي والتنسيق".
وتابع: "نحن نريد أن نكون مستقلين تجاه الولايات المتحدة لكي لا نكون جاثين على ركبنا كل أربع سنوات في انتظار انتخاباتهم، أو لكي لا نعاني من ضرائبهم، أو تجاوز قوانينهم لحدودهم، وما إلى ذلك".
واستدرك: "لكن الأمر معقد، فقد ترسخت عادات معينة. فقد أخبرنا الأميركيون ألا نفعل ذلك، واستجبنا لهم. لقد فقدنا خبراتنا"
وانتقد أن العديد من الدول الأوروبية لا تزال تقول: "الأميركيون لطفاء، وترامب سيء، لكنه سيرحل".
مؤكدا أن "السياسة الأميركية في هذا الصدد طويلة الأمد، سواء كانت الإدارة ديمقراطية أو جمهورية، سيكون الأمر نفسه".
وتساءل "أتلانتيكو": “ألا تظهر التهديدات بالانتقام الأميركي أن واشنطن تعد أوروبا سوقا أسيرة لديها أكثر منها شريكا ذا سيادة؟”
وافق ديسبورت على هذا الطرح، فقال: "بالطبع نحن تابعون. إنهم يروننا كذلك. أعد قراءة خطاب روبيو: إنه يقول بوضوح إننا من العائلة نفسها، لكن الولايات المتحدة هي السيد. إنهم يحموننا، لكننا لسنا شريكا مستقلا".
وأردف: "صُمم سوق الأسلحة للحفاظ على تبعيتنا. لقد أُنشئ لهذا الغرض".

ثمن المواجهة
وفي الختام، تساءل الموقع الفرنسي عما إذا كان القادة الأوروبيون سيتحلون بالشجاعة السياسية لتبني سياسة "شراء المنتج الأوروبي" بشكل متسق، حتى لو الثمن مواجهة تجارية مع الولايات المتحدة.
وهنا أوضح الجنرال الفرنسي أن "الأمر لا يقتصر على التجارة فحسب". وقال: "لقد كنا ساذجين، وظننا الأميركيين أصدقاءنا، لكنهم أصدقاء أنفسهم فقط. ونحن في الحقيقة نعتمد عليهم تماما في تكنولوجيا المعلومات والخدمات المصرفية والأنظمة المالية".
وأضاف: "لا يمكننا اليوم التحرر بشكل مفاجئ، ولهذا السبب لم نفرض قواعد أكثر صرامة، كما رأينا في الصيف الماضي. نحن تابعون لغيرنا".
وتابع: ""شيئا فشيئا، يجب أن نستعيد استقلالنا في عدة مجالات".
مشيرا إلى أن "إسبانيا وألمانيا وفرنسا ودولا أخرى تعمل على عدة مبادرات لتقليل هذه التبعية". قائلا: "آمل أن ينجح ذلك".
وشدد على أنه "ما دمنا مستعمَرين رقميا وعسكريا، فلن نتمكن من أن نكون مستقلين. وطالما أننا لسنا كذلك، فسيُنظر إلينا كسوق محتكر تُباع له الأسلحة".
واختتم بالقول: "المحصلة النهائية هي أنه يمكنهم فرض العديد من الأمور رغما عنا ما داموا يدافعون عنا".












