Friday 22 October, 2021

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: سبتمبر/أيلول 2021

منذ 2021/10/03 20:10:00 | الحالة العربية
الشعوب العربية ما زالت تنتظر الخلاص من أزماتها التي تسببت فيها نخب عسكرية وسياسية وثقافية
حجم الخط

المحتويات

المقدمة

المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

  • العراق 

  • الأردن 

  • الإمارات العربيَّة المتحدة 

المحور الثاني: الحالة السياسيَّة

  • تونس (الأزمة التونسية وتمديد الإجراءات الاستثنائية، حول موقف الجيش من الأزمة، توسُّع التحالف المعارض لِقرارت قيس سعيّد)

  • السودان (توتر العلاقات بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة)

  • مصر (الإستراتيجيَّة الوطنيَّة لحقوق الإنسان، زيارة الوفد المصري إلى تركيا ومسألة التقارب) 

  • المغرب (الانتخابات وسقوط العدالة والتنمية)

  • ليبيا (تصاعد الأزمة بين الحكومة وبرلمان طبرق، الخلاف حول الانتخابات القادمة، ردود فعل المجتمع الدولي)

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

  • العرب والوفرة النفطيَّة المُنتظرَة

  • استمرار التوسع في الديون بتونس

  • مدى نجاح الجزائر في الاستفادة من المدخرات المحليَّة

المحور الرابع: الحالة الفكريَّة

  • أولًا: في ذكرى اليوم العالمي للسلام.. السلام في الإسلام وواقعه في العالم العربي

  • ثانيًا: رحيل المؤرخ الموسوعي قاسم عبده قاسم 

الخاتمة


المقدمة

شهد شهر سبتمبر/أيلول 2021 العديد من الأحداث على صعيد العالم العربي. فعلى المستوى السياسي، ما زالت الأزمة في تونس تتصاعد، حيث تتسع رقعة المعارضة لقرارات الرئيس قيس سعيّد يومًا بعد يوم. 

وأحبطت السودان محاولة انقلابيَّة فجَّرت الخلاف الكامن بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيَّادة، مِمَّا يُنذر بإمكانيَّة تعطيل تسليم السلطة للمدنيّين. 

وفي مصر، أطلق النظام إستراتيجيَّة لحقوق الإنسان في ظِلِّ محاولاته للإفلات من الانتقادات الخارجيَّة، كما تواصلت محاولات تطبيع العلاقات بين مصر وتركيا.

أما المغرب فقد شهد هزيمة قاسية لحزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات. وإذا انتقلنا إلى ليبيا فسنجد أن الوضع يَسِير باتجاه التأزيم بسبب سَحْب البرلمان الثقة من الحكومة واختلاف الفرقاء حول الانتخابات القادمة.

أمَّا المحور الاقتصادي فقد تناول عِدَّة موضوعات، تدور حول أثر الوفرة النفطيَّة المُنتظرَة على الاقتصادات العربيَّة، والتوسُّع التونسي في الاستدانة الخارجيَّة في ظِلِّ الأزمة السياسيَّة القائمة، وكيفيَّة استفادة الجزائر من المدخرات الداخليَّة في ضوء ما تعلنه الحكومة من عدم التوجُّه إلى الاستدانة الخارجيَّة. 

وعلى المستوى الفكري، تناول التقرير موضوعَيْن، السلام في الإسلام وواقعه في العالم العربي، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للسلام، والثاني هو رحيل المؤرخ الموسوعي قاسم عبده قاسم.

وقبل هذا كلِّه، تناول المحور الأول وضع العالم العربي في مواجهة جائحة كورونا التي مازالت خطرًا يُهدِّد العالم ويؤثر على جميع مناحي الحياة فيه.


المحور الأول: كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 21 شهرًا منذ ظهور فيروس (كوفيد-19) المعروف باسم كورونا، ضربت الجائحة معظم دول العالم، وبلغ عدد الإصابات المكتشفة ما يقرب من 219 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/كانون الأول 2019، كما تجاوزت حالات الوفاة أربعة ملايين ونصف مليون حالة، حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2021.

ولا شك أن السباق الذي يجري حاليًّا حول العالم هو سباق التلقيح، خاصَّة بعد تصاعد موجات ثالثة ورابعة من الفيروس وسلالات جديدة في بلاد عديدة وإعادة صورة الخطر الذي بدأ مع بداية الجائحة.

تأتي الدول العربيَّة في حالة متوسطة من حيث الأخطار وعدد الحالات مقارنة مع باقي دول العالم، حيث يُعَد العراق وهو الدولة الأكثر من حيث عدد الإصابات في الوطن العربي في المرتبة 22 عالميًّا، حَسَب إحصائيَّة موقع "وورلد ماتر" العالمي، يليه الأردن في المرتبة 41، إلَّا أنه بلا شك تختلف كفاءة الدول في مواجهة الوباء والتعاطي مع المستجدات.

نرصد خلال هذا الشهر سبتمبر/أيلول 2021، الدول العربيَّة الأكثر إصابة بفيروس كورونا وهي العراق، والأردن، والإمارات العربيَّة المتحدة.

العراق:

في فبراير/شباط 2021، أعلنت وزارة الصحة العراقية تفشي "سلالة جديدة" لكورونا في البلاد، وأكَّدت انتشارها بشكل كبير بين صفوف الأطفال والشباب، بعد أن كانت الإصابات منتشرة طيلة عام بين كبار السِّن فقط.

 ويَحتل العراق المرتبة الأولى عربيَّا من حيث عدد الإصابات، وقد تجاوز حاجز المليونَيْ حالة مؤخرًا.  وشهد شهر سبتمبر/أيلول، زيادة في أعداد الإصابات بما يزيد عن 150 ألف حالة جديدة.

بلغ العدد الإجمالي للإصابات بنهاية شهر سبتمبر/أيلول 2021، مليونين و870 حالة إصابة، وهو ما يشير إلى تصاعد مستمر في منحنى الإصابات.

في حين تعتبر حالات الوفاة ضئيلة مقارنة بهذا العدد من الإصابات، فقد بلغت الوفَيَات إجمالًا 22220 حالة بنهاية سبتمبر/أيلول، ما يعني أن عدد الوفيَات زاد بما يقرب من 2000 حالة وفاة، عن الشهر الذي يسبقه، وهو ما يَعنِي ارتفاعًا كذلك في نسبة الوفاة

ووفقًا لآخر الإحصائيَّات، تُعَد الحالات الفعَّالة التي تخضع للعلاج حاليًّا، ما يقارب 72 ألف حالة، وهي نسبة أقل مما كانت عليه مع نهاية أغسطس/آب 2021 .

وتقول وزارة الصحة العراقية إن الموجة الحالية هي "الأخطر والأشد" من الموجات السابقة، والتي امتازت بـ"سرعة الانتشار وإصابة جميع الفئات العمريَّة".

كما أن الاستهتار بأعراض المرض وعدم انتشار الوَعْي الكافي بين صفوف المواطنين، والإعراض عن تلقي اللقاحات بنسبة كبيرة، وإهمال الإجراءات الوقائيَّة يُشكِّل خطرًا إضافيًّا، كما أشار عددٌ من كوادر وزارة الصحة في العراق.

وفي بيان لها، شدَّدت الصحة العراقيَّة أن الموجة الجديدة من الوباء ربما تكون أقسى من التي سبقتها، مشيرة إلى أن عدد الإصابات أخذ يتصاعد بشكل متسارع، لا سيما في ظِلِّ حالة الإهمال الحكومي في العراق.

ويُعانِي العراق من نقص في التجهيزات الطبية لرعاية المصابين الذين يُفضِّل عددٌ كبيرٌ منهم استعمال قناني أوكسجين في منازلهم بدل التوجُّه للمستشفيات المتداعية.

وتُعتبَر نسبة تلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا ضئيلة ودون المستوى المطلوب بكثير، حيث كشفت وزارة الصحة العراقيَّة أن عدد متلقي اللقاحات لم يتجاوز 6 بالمئة من مجموع السكَّان، وهي نسبة متدنية لا يمكن أن تحقق مناعة مجتمعية.

في حين أشار مدير الصحة العامة بالوزارة رياض الحلفي، أن النسبة المطلوب تحصيلها لتحقيق مناعة مجتمعية يجب أن تتراوح بين 70 و80 بالمئة، وهو ما تسعى إليه الوزارة.

وقد أعلنت وزارة الصحة في 8 أغسطس/آب، استلام "أكبر جرعة لقاحات في يوم واحد"، من لقاحي "فايزر" الأميركي، و"سينوفارم" الصيني، وبواقع "مليونيْ جرعة".

 ويُعَد العراق في المرتبة الثانية عشر بين الدول العربية، من حيث أعداد متلقي اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، وهي مرتبة متأخرة كثيرًا نظرًا لأنها الدولة الأولى عربيًّا من حيث أعداد الإصابات وبفارق كبير.

ونظرًا لبداية دخول فصل الشتاء، فإن الأوضاع في بلدٍ يُعاني مثل العراق ربما تكون أكثر سوءًا إذا لم يَتِم تدارك الأمر من خلال الأجهزة الحكومية المعنية والجهاز الصحي.

تذكر المفوضيَّة السامية للأمم المتحدة، في تقرير لها 17 سبتمبر/أيلول 2021، أن البلدان الأكثر تضررا من حالات الطوارئ هي العراق وسوريا.

 فقد ضاعف فيروس كورونا من التحديَّات الهائلة التي يواجهها 3.3 مليون لاجئ ونازح داخلي وعائد إلى دياره، مِمَّن هم في حاجة ماسَّة إلى المساعدة من أجل الاستعداد لفصل الشتاء المقبل.

كما ذكرت أنه في العراق لم تحصل عمليات المفوضية لهذا العام حتى الآن سوى على 34 بالمئة من إجمالي التمويل المطلوب، تليها سوريا بنسبة 39 بالمئة.

الأردن:

يَحتل الأردن المرتبة الثانية عربيًّا من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، حيث بلغ العدد الإجمالي للإصابات بنهاية سبتمبر/أيلول 2021 ما يُعادِل 822.892 حالة، وفقًا للإحصائيًّات الرسميَّة.

ما يَعنِي زيادة أعداد الإصابات خلال شهر سبتمبر/أيلول بما يقرب من 27 ألف حالة جديدة، وهي نسبة قريبة من مثيلتها في الشهر الذي يسبقه. وهذا يدل على أن انخفاض منحنى الإصابات يَسِير بشكل أكثر انتظامًا هذا الشهر.

إذ بلغ العدد الإجمالي للمتعافين 799.849 773.056 حالة، ما يَعنِي زيادة أعداد المتعافين بما يُعادِل 27 ألف حالة في سبتمبر/أيلول. وهي نسبة أكثر استقرارًا.

بينما بلغت أعداد الحالات المستقرة 12.333 حالة. فيما بلغت أعداد الوفيات بنهاية سبتمبر/أيلول نحو 10.710.

ويُذكَر أن الأردن بدأ في 13 يناير/كانون الثاني 2021، حملة التطعيم، ومنح "تراخيص طارئة" لخمسة لقاحات هي: "سينوفارم" و"فايزر/بيونتيك" و"أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" و"سبوتنيك-في". 

وقد ذكرت وزارة الصحة الأردنية في بيان لها، أنها قرَّرت تخفيض سِنِّ التطعيم ضد فيروس كوفيد-19 إلى عمر 12 سنة اعتبارًا من الأحد 25 يوليو/تموز 2021 وبدون موعد مسبق.

وتسلم الأردن في يوليو/تموز 2021، نصف مليون جرعة من لقاح فايزر تبرَّعت بها واشنطن للمملكة مباشرة خارج الآليَّة العالمية لتأمين لقاحات للدول الفقيرة "كوفاكس".

 كما قدَّم الاتحاد الأوروبي ما مجموعه 8 ملايين يورو، لدعم شراء وزارة الصحة للقاحات كورونا من خلال المرفق و"برنامج الصحة الأردني للاجئين السوريّين والأردنيّين الأكثر ضعفًا"، والذي تنفذه منظمة الصحة العالميَّة.

وفي تصريح لقناة المملكة، قال الأمين العام لوزارة الصحة لشؤون الأمراض السارية، عادل البلبيسي، إن هناك تدنيا واضحا في أعداد متلقي المطاعيم يوميًّا في الأردن، مُبيّنًا أن الوزارة لديها الإمكانيَّة لإعطاء اللقاح لـ100 ألف شخص يوميًّا.

كما أعلن البلبيسي أن الوزارة تدرس إعطاء جرعة ثالثة من اللقاحات الواقية من فيروس كورونا لفئات جديدة.

وقال إنه "سَيَتِم عرض الاقتراح قريبًا على لجنة الأوبئة، لإقراره"، مشيرًا إلى وجود "مطالب من الأشخاص الذين مرّ على تلقيهم اللقاح أكثر من 8 شهور لإعطائهم جرعة معززة".

وسَيرًا على خطة تخفيف إجراءات الحظر، التي انتهجتها الحكومة في الأشهر الأخيرة، فقد اتخذ الأردن منذ بداية يوليو/تموز، إجراءات لتخفيف القيود في التعامل مع جائحة كورونا، كان أبرزها تقليص ساعات حظر التجوال لتبدأ الساعة الواحدة من منتصف الليل.

هذه الخطوة المُتقدِّمة في عودة الحياة لطبيعتها في الأردن جاءت في سياق إعلان الحكومة أيضًا أنها ستلغي كلَّ الإجراءات الاستثنائية التي فرضت للتعامل مع جائحة كورونا اعتبارًا من الأول من سبتمبر/أيلول، وفي مقدمتها عودة المدارس والجامعات للتعليم الوجاهي.

الوضع الحالي، بَدَا مُستقِرًّا بصورة أكبر مما كانت عليه الأمور سابقًا، في انخفاض أعداد الإصابات، وتلقي اللقاحات بصورة مستمرة.

وبدأت المملكة في الأول من سبتمبر/أيلول، إلغاء كافة أشكال الحظر المفروضة منذ 18 شهرًا بسبب جائحة كورونا، وفق وزير الدولة لشؤون الإعلام، "صخر دودين".

وتشمل هذه الإجراءات فتح كافة القطاعات والعمل بطاقتها الكاملة، باستثناء صالات الأفراح التي سُمِح برفع عدد المجتمعين فيها من 100 إلى 200 شخص.

وقد عادت الدراسة في الأردن منذ بداية سبتمبر/أيلول لتكون وجهًا لوجه، وذلك بعد ابتعادٍ قسري لِمَا يُقارب العام والنصف جرَّاء جائحة "كورونا".

ومع حلول الفصل الأول، هناك ترتيبات للعودة الوجاهيَّة لطلبة المدارس بهدف المحافظة على استمرار التعليم في ظروفٍ صحيَّة آمنة.

واعتمدت وزارة التربية والتعليم الأردنية نظام التناوب للحَدِّ من انتشار فيروس كورونا بين الطلبة، ونتيجة لزيادة أعداد المنتقلين منهم، من القطاع الخاص إلى المدارس الحكومية، إذ زاد عدد هؤلاء على 40 ألف طالب وطالبة، وفق وزارة التربية.

الإمارات العربيَّة المتحدة: 

تأتي الإمارات العربيَّة المتحدة في المركز الثالث على مستوى الدول العربيَّة خلال شهر سبتمبر/أيلول، حيث بلغ إجمالي عدد الإصابات 735990 إصابة، ما يَعنِي زيادة الإصابات في هذا الشهر، بنحو 20 ألف إصابة، وهذا يُسجّل انخفاضًا جيّدًا في معدل زيادة الإصابات مقارنة بشهر أغسطس/آب.

فيما بلغت الوفيات 2097 حالة، بما يَعنِي زيادة الوفيَّات خلال شهر سبتمبر/أيلول بما يُعادِل 60 حالة وفاة، وتُعَد النسبة الإجماليَّة لحالات الوفيَّات ضئيلة مقارنة بالعدد الإجمالي للإصابات.

وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية على قائمة الدول العربية، بعد البحرين، في عدد اللقاحات التي تستخدمها للوقاية من "كوفيد-19"، إذ تستخدم كلًّا من "فايزر-بيو إن تك"، و"أسترازينيكا"، و"سينوفارم"، بالإضافة إلى "سبوتنيك".

الإمارات في المرتبة الثالثة عربيًّا من حيث عدد متلقي جرعات اللقاح، وتأتي بعد السعوديَّة والمغرب، وتُعتبَر هذه مرحلة متقدمة تدل على سير عمليَّات التطعيم بشكل منتظم.

وتُعدُّ الإمارات من الدول المُتقدِّمة في تنظيم عمليَّة اللقاحات، حيث بلغ مجموع جرعات اللقاح بنهاية سبتمبر/أيلول نحو 20.052.399 جرعة، ما يَعنِي زيادة عدد الجرعات خلال الشهر بما يزيد عن مليوني جرعة.

وتبلغ نسبة السكان الذين تلقوا الجرعة الأولى من اللقاح 94.02 بالمائة، حيث سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في الأيام الأخيرة.

وتبلغ نسبة 83.37 بالمئة لمتلقي جرعتيْن من إجمالي السكان في الدولة، وهذه نسبة مرتفعة جدًّا من عدد السكان في الإمارات، وتدل على تطوُّر في النظام الصحي مقارنةً بباقي الدول العربيَّة.

وفي مايو/أيار 2021، قرَّرت الإمارات ضمن إستراتيجيَّة الدولة الاستباقيَّة لتوفير الحماية القصوى للمجتمع، تقديم الجرعة الثالثة من لقاح "سينوفارم" الصيني لمواطنيها، بعد ستة أشهر على الأقل من أخذ الجرعة الثانية. وستكون الأولوية في البداية لكبار السِّن والمُصَابين بأمراض مزمنة.

يأتي ذلك تماشيًا مع خطة الوزارة لتوفير لقاح "كوفيد-19"، وسَعيًا للوصول إلى المناعة المكتسبة الناتجة عن التطعيم، والتي سَتساعد في تقليل أعداد الحالات والسيطرة على الفيروس.


المحور الثاني: الحالة السياسيَّة في الوطن العربي

يتناول المحور السياسي خلال شهر سبتمبر/أيلول 2021، أبرز مستجدات الساحة السياسيَّة في الوطن العربي. 

فعلى صعيد الأحداث في تونس، استمر الرئيس قيس سعيّد في مساره معلنًا تمديد تعليق عمل البرلمان، وكلَّف رئيسًا جديدًا لتشكيل حكومة. 

وفي ذات الوقت اتسعت مساحة التحالف المعارض له من الداخل، حيث أعلن عددٌ من الأحزاب التونسيَّة تشكيل جبهة وطنيَّة لاستعادة الدستور وعزل سعيد.

وفي السودان نشهد تطوُّرًا كبيرًا في سياق الأحداث، حيث اتسعت الفجوة بين المكونيْن العسكري والمدني داخل مجلس السيادة السوداني، بعد الإعلان عن محاولة انقلاب فاشلة. وقد أعلن المكون العسكري تعليق عمله مؤقتًا مع المكون المدني ما جَعَل التساؤل يثار حول مسألة تسليم السلطة.

وفي مصر، أطلق النظام إستراتيجيَّة حقوق الإنسان، كخطوة أثارت جدلًا حول مفهوم حقوق الإنسان لدى النظام في ظِلِّ ما يُعانيه المعارضون في مصر. كما نتابع آخر التطوُّرات في ملف التقارب المصري التركي، ومَدَى توافق الطرفيْن على تطبيع العلاقة بينهما.

ونتابع في المغرب الانتخابات التشريعيَّة والانتخابات البلديَّة، التي شهدت سقوطًا مدوّيًا لحزب العدالة والتنمية "الإسلامي"، وطبيعة عمل الحزب بعد هذه الخسارة.

وفي ليبيا انتهاءً، نتابع تفاقم الأزمة بين البرلمان والحكومة بعد قرار سَحْب الثقة من الحكومة، ومستقبل الانتخابات المُقرَّرة نهاية العام.

تونس

الأزمة التونسيَّة وتمديد الإجراءات الاستثنائيَّة 

مرر شهران على إعلان الرئيس قيس سعيّد تعطيل المَسَار الدستوري، وتجميد عمل واختصاصات البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة "هشام المشيشي"، ومنذ ذلك الوقت شهدت تونس تطوُّرات عديدة حيال المَسَار السياسي الجديد.

المَسَار الذي سلكته جميع القوى السياسيَّة في أول الأمر أثناء التفاعل مع القرار، كان مسارًا دستوريًّا يَحترم الحوار، خاصَّة من جانب رافضي هذه الإجراءات، حيث لم تواجه من خلال رد فعل ثوري أو سلوك يصاعد العنف، على أمل ألَّا تخرج البلاد عن مَسَارها الديمقراطي.

وفي 24 أغسطس/آب 2021، قرَّر الرئيس قيس سعيّد، تمديد العمل بالإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في 25 يوليو/تموز 2021، والمتعلقة بتجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن جميع نوابه وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي "حتى إشعار آخر".

إصرار سعيّد على مواصلة الإجراءات التي تُهدِّد الديمقراطيَّة في تونس، عزاه البعض إلى الدعم الخارجي، خاصَّة الإقليمي، كما أشار الرئيس التونسي الأسبق "المنصف المرزوقي".

واعتبر المرزوقي أن انقلاب تونس الأخير هذا لم يكن ليحدث بدون دعم خارجي، وأن هناك قرارًا إقيميًّا تقوده دولة الإمارات لتصفية ثورات الربيع العربي، وأن الحماية الخارجيَّة هي التي مَكَّنت الرئيس قيس سعيّد من اتخاذ مثل هذه الإجراءات غير الدستوريَّة.

وفي 20 سبتمبر/أيلول، قرَّر قيس سعيّد للمرة الثانية، تمديد تعليق العمل بالدستور وكافة الإجراءات الاستثنائيَّة المتعلقة بالبرلمان، وأخرى تسمح له بتولي السلطات التشريعية والتنفيذية.

وقال سعيّد، في خطاب له من محافظة "سيدي بوزيد" مهد ثورة 2011، إنَّ هذه التدابير الاستثنائيَّة سَتتواصل، وقد تمَّ وضع أحكام انتقاليَّة، وسَيتمُّ تكليف رئيس حكومة ضمن أحكام انتقاليَّة تستجيب لإرادة الشعب التونسي، وسَيتمُّ وضع مشروع انتخابي جديد.

وليس واضحًا المَسَار الدستوري الذي سَيسلكه الرئيس في حال ما التزم بتعهده باحترام الدستور الحالي الذي استخدمه لفرض التدابير الاستثنائيَّة بدعوى وجود خطر داهم على الدولة. 

ولكن القوانين الانتقالية التي عرج لها الرئيس سعيّد في كلمته تفتح الأبواب أمام إمكانية إلغاء الدستور الحالي.

استغلال الظرف الراهن من طرف سعيّد لتغيير الدستور، بدعوى الظرف "الاستثنائي" يمكن أن يكون أحد السيناريوهات القادمة في حال إصرار الرئيس على رفض الحوار والعودة إلى المَسَار الدستوري الملزم للجميع. 

كما أن التغيير سَيكون في اتجاه تحوُّل تونس من دولة برلمانيَّة، تديرها حكومة تنتج عن أغلبيَّة برلمانيَّة، إلى أخرى رئاسيَّة تحقيقًا للمَسَار الذي يريد سعيّد أن يسلكه في ظِلِّ التغيُّرات الأخيرة.

حول موقف الجيش التونسي من الأزمة

عند الحديث عن فرض مَسَار سياسي ما على الشعب التونسي، أو عن احترام الدستور الحالي، ثمَّة سؤال مُتعلق بالقوَّات المسلحة، حيث كانت أغلب الانقلابات العسكريَّة تقودها قوَّة الجيش الصلبة.

 في حين يُعتبَر الجيش التونسي واحدًا من الجيوش التي تقف على مسافة من الساحة السياسيَّة على مَرِّ تاريخه.

وفي الوقت نفسِه، ما تزال تتباين الآراء حيال قرارات قيس سعيّد؛ فَأنصار الرئيس يَرون أن ما أقدم عليه كان ضروريًّا لإنهاء الجمود السياسي الذي عصف بتونس في الآونة الأخيرة.

وعلى الجانب الآخر، يُشِير معارضو الرئيس إلى أن قراراته غير دستوريَّة، بل ذهبوا إلى القول بأن سعيّد في طريقه للتحوُّل إلى "ديكتاتور" يُهدِّد الديمقراطيَّة الوليدة في تونس، مهد الربيع العربي.

وبَدَا جليًّا استمرار حالة التباين في نهاية سبتمبر/أيلول، إذ شهدت شوارع العاصمة تونس تظاهرات بين أنصار الرئيس سعيّد ومعارضيه.

بيد أن الاختلاف الكبير بين ما يَراه البعض "ديكتاتوريَّة مُحتمَلة" في تونس وبين أحداث مماثلة وقعت في دول في المنطقة، يتمثل في الدور الذي يلعبه الجيش التونسي. 

فعلى مدار عقود، ظلَّ الجيش التونسي بعيدًا عن السياسة، لكنّ الإجراءات التي اتخذها في يوليو/تموز أثارت في الوقت الحالي بعض القلق.

وهو ما أشار إليه الصحافي التونسي "حمادي الأسود" في مقال نشر على منصة "نواة" الإعلاميَّة بقوله: "لم يسبق أن سيطر الجيش على مبنى البرلمان وعلى كلِّ منافذه، ليصبح المتحكِّم في الدخول والخروج إليه".

وفي هذا إشارة إلى حادثة منع رئيس البرلمان راشد الغنوشي من دخول مجلس النواب بواسطة عناصر الجيش، والتي تُعَد الأولى من نوعها، وهو ما أثار التساؤل حول كونها واقعة استثنائية، أم أن المؤسَّسَة العسكرية ستكون عنصرًا فاعلًا في المرحلة المقبلة.

كما تُعَد مسألة المحاكم العسكرية، وبداية تفعليها مرة أخرى في محاكمة مدنيّين، مؤشرًا غير إيجابي عند الحديث عن دور الجيش التونسي وإقحامه في المناكفات السياسيَّة، وكان آخرها اعتقال رئيس ائتلاف الكرامة "سيف الدين مخلوف" ومحاكمته عسكريًّا.

وقد ذكر معهد "بروكينغز" في عام 2019 أن ثلاثة محاكم عسكرية استخدمت بالفعل لاستهداف عددٍ من المدنيّين، بينهم معارضون سياسيُّون ومُدونون.

ومنذ خمسينيَّات القرن الماضي، جرى تحييد الجيش التونسي عن عمد من قِبَل قادة البلاد خوفًا من أن يُمثِّل تهديدًا مُحتمَلًا لحكمهم الاستبدادي، واستخدمت في ذلك وسائل عديدة، منها تخفيض الميزانيَّة.

وهو ما أدَّى إلى تعرُّضِه لأزمة تتعلق بنقص التمويل، فضلًا عن كثرة استبدال القادة العسكريّين وعدم السماح للجنود بالتصويت.

لكن في عام 2017، رُفِع حظر الاقتراع الذي كان مفروضًا على الجنود وقادة الجيش من حقبة الاستقلال.

ويُنظر إلى حياديَّة المؤسسة العسكرية التونسية على نطاق كبير بأنها كانت أحد الأسباب الرئيسة وراء نجاح "ثورة الياسمين" عام 2011، والتي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق "زين العابدين بن عليّ"، وأشعلت شرارة الربيع العربي في حينه.

توسُّع التحالف المعارض لِقرارت قيس سعيّد 

منذ اللحظة الأولى لإعلان قيس سعيّد الإجراءات الاستثنائيَّة وحركة النهضة -التي تُعَد القوَّة الشعبيَّة الأكبر، وصاحبة الأغلبيَّة البرلمانيَّة- تعتمد إستراتيجيَّة الإطار الدستوري كإطار حاكم يُمكِن أن تحتكم إليه مع تحفظها على قرارات الرئيس منذ البداية.

كما أعلنت حركة النهضة منذ البداية كذلك، عدم تمسكها بالوضع البرلماني القائم باعتبارها صاحبة الأغلبيَّة فيه، إلَّا أن الحركة أبدت مرونة في استعدادها للتنازل أو اللجوء إلى انتخابات مبكرة شريطة أن يكون الدستور هو الحاكم في النهاية.

وفي 13 و14 سبتمبر/أيلول 2021، أعلنت حركة النهضة رفضها تعليق العمل بالدستور، كما أصدرت أحزاب "الحزب الجمهوري والتكتل وآفاق والتيَّار الديمقراطي" بيانًا أعربت فيه عن رفضها المطلق محاولات تعليق الدستور.

ورأت الأحزاب الأربعة أن سعيّد بات فاقدًا شرعيَّته بخروجه على الدستور، وأن كلَّ ما بُنِي على هذا الأساس باطل، ولا يمثل الدولة التونسيَّة وشعبها، مُحمِّلة إيَّاه كلَّ التداعيات المُحتمَلة لخطوته.

وصَرَّح الأمين العام للحزب الجمهوري "عصام الشابي" لـ"الجزيرة نت" أن البيان المشترك للأحزاب الأربعة سبقه لقاء مع الأمين العام لاتحاد الشغل "نور الدين الطبوبي" بهدف الدفع نحو توسيع المشاورات مع باقي القوى السياسيَّة والمدنيَّة، للدفاع عن الديمقراطيَّة ومقومات الدولة.

وفي أوَّل رد فعل رسميَّ من الاتحاد التونسي للشغل، عَبَّر أمينه العام المساعد "أنور بن قدور" -خلال اجتماع للهيئة الإداريَّة- عن استياء النقابيّين من عدم استشارة الرئيس للمنظمة بشأن إجراءاته الأخيرة.

وحَذر من أن قيس سعيد يتجه نحو الحكم الفردي المُطلَق، وأن البلاد سَتذهب نحو الهاوية وخطر الإفلاس.

كما أعلنت أربعة أحزاب أخرى (الاتحاد الشعبي الجمهوري، حراك تونس الإرادة، حركة وفاء، والإرادة الشعبيَّة) تأسيس "الجبهة الديمقراطيَّة" لمواجهة ما وُصِف بانقلاب الرئيس على المَسَار الديمقراطي وتعليقه العمل بالدستور.

وقال أعضاء هذه الجبهة السياسيَّة الجديدة في بيانهم إن ''الجبهة الديمقراطيَّة تهدف إلى الدفاع عن إرادة الشعب التونسي ومصالحه العليا وعن الحريات العامَّة والدستور وحكم القانون والتصدِّي للخطر الداهم المحدق بالبلاد وبالوحدة الوطنيَّة، والمتمثل أساسًا في قيس سعيّد الذي حنث باليمين الدستوريَّة وعطل الدستور وخرج عن القانون وتبنى خطابًا عنيفًا يُهدِّد السلم الأهلي ويَزرع الفتنة بين التونسيَين''.

ورأى البيان أن شاغل منصب رئاسة الجمهوريَّة التونسيَّة أصبح فاقدًا للشرعيَّة بعد الإجراءات الجديدة التي أعلنها في 22 سبتمبر/أيلول 2021، وتأكَّد بها خروجه عن الدستور وتمرده على القانون.

وأشار إلى أن عزل رئيس الدولة قيس سعيّد أصبح واجبًا يقع على أعضاء مجلس النوَّاب مدعومين من الشعب.

وانطلقت كذلك تظاهرات في الشارع التونسي، للدعوة إلى إعادة العمل بالدستور، وهو الأمر الذي قابله الرئيس قيس سعيّد بالمزيد من الإصرار على مَسَاره السياسي الذي بدأه، والإعلان عن تشكيل حكومة جديدة تعمل على إنجاز هذا المَسَار.

وقد كلَّف قيس سعيد "نجلاء بودن" بتشكيل الحكومة، في 29 سبتمبر/أيلول 2021، وذلك "عملًا بأحكام الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المُؤرَّخ في 22 سبتمبر 2021 المُتعلِّق بتدابير استثنائيَّة".

وستشهد الأيَّام المقبلة تحدِّيًا واسعًا إزاء المَسَار الذي سلكه قيس سعيّد ومَدَى صلاحيَّته وإمكانيَّة استمراره دون الالتفات إلى الأحزاب المعارضة التي تزيد يومًا بعد يوم، مع احتقان الشارع التونسي.

فإمَّا أن يستمر سعيّد ويَنجَح في تشكيل الحكومة الجديدة مع رئيسة الوزراء المُكلَّفة، أو أن يضطر لعمل بعض الإصلاحات على إجراءاته الاستثنائيَّة، سعيًا لإعادة المؤسَّسَات المنتخبة للعمل بشكل طبيعي.

السودان

توتر العلاقات بين المكونيْن العسكري والمدني في مجلس السيادة 

تفجَّرت الأوضاع بين مكونات السلطة في السودان، قوى "إعلان الحرية والتغيير" والمكون العسكري، خلال سبتمبر/أيلول 2021، ما يُهدِّد مسيرة الفترة الانتقاليَّة التي تشهدها البلاد وتنتهي في يناير/كانون الثاني 2024 بانتخابات ديمقراطيَّة.

وجاء هذا  التوتر في الأوضاع عقب إعلان الجيش السوداني، 22 سبتمبر/أيلول، إحباط محاولة انقلاب فاشلة، قال إنه تقف خلفها عناصر عسكريَّة.

المكون العسكري مُمثلًا في رئيس مجلس السيادة "عبدالفتاح البرهان" ونائبه "محمد حمدان دقلو" (حميدتي)، وَجَّها انتقادات للمكون السياسي والقوى السياسية بشكل عام، زاعمَيْن أنها سبب التدهور الذي آلت إليه الأوضاع في البلاد.

ففي تصريح شديد اللهجة، وَجَّه عبدالفتاح البرهان اتهامات إلى القوى السياسيَّة زاعمًا أنها سبب من أسباب محاولة الانقلاب الأخيرة التي شهدتها البلاد.

وأثارت محاولة الانقلاب المزعومة، العديدَ من التساؤلات، حيث تمَّ الإعلان عنها كمحاولة "فاشلة"، وسرعان ما تبادلت الأطراف داخل مجلس السيادة الاتهامات بعدها، وذلك مع اقتراب موعد تسليم السلطة من المكون العسكري إلى المدني، وفقًا للاتفاق المعقود في 17 يوليو/تموز 2019، والذي يَنصُّ على تقاسم السلطة.

واتفق الطرفان على جدول زمني لمرحلة انتقالية من 39 شهرًا يتقاسمان خلالها السلطة، وتنتهي بإجراء انتخابات.

كما يَنصُّ الاتفاق على أن "يتعامل الطرفان بمبدأ الشراكة وحُسْن النيَّة، والكف عن الخطاب العدائي والاستفزازي"، وهو الأمر الذي يُشِير إلى خطورة الاتهامات والتوترات الحاليَّة، ويَطرح تساؤلًا عن التزام الأطراف بهذا الاتفاق. 

شكَّك ناشطون سودانيُّون في جديَّة هذه المحاولة الانقلابيَّة، واعتبرها كثيرٌ من المغردين في السودان محاولة لجَسِّ نبض الشارع، تمهيدًا لفرض حكم عسكري طويل الأمد على خلاف الاتفاق المنعقد.

ومما يؤيّد هذا الطرح، تتابع الأحداث بعد هذا الأمر، حيث أعلن المكون العسكري في السودان تعليق اجتماعاته مع المكون المدني، وفقًا لمصدر حكومي سوداني. وهو الأمر الذي يحدث للمرة الأولى ويُشِير إلى حجم التوتر بينهما. 

واعتبر نائب رئيس مجلس السيادة السوداني "حميدتي"، في تصريح له أن "أسباب الانقلابات العسكريَّة هم السياسيُّون الذين أهملوا خدمات المواطن وانشغلوا بالكراسي وتقسيم السلطة".

في حين أشار أحدُ أعضاء المكون المدني في المجلس السيادي، "محمد الفكي سليمان"، في تصريح مناقض، أن الانقلاب الحقيقي هو الذي ينوي فعله المكون العسكري بمحاولته تغيير المعادلة السياسيَّة، مُعتبرًا أن ذلك إخلال بعمليَّة الشراكة ومناقض لِاتفاقيَّة تقاسم السلطة.

وفي إطار التوتر، دَعَا تجمُّع المهنيّين السودانيّين (قائد الحِراك الاحتجاجي)، في بيان له 26 سبتمبر/أيلول، إلى "إنهاء الشراكة" مع المجلس العسكري وإلغاء الوثيقة الدستوريَّة، وتشكيل "حكم مدني خالص".

وبالنظر إلى موقف المكون العسكري، فإن الجيش السوداني يبقى في موقف يشوبه الغموض، حيث تعهد بتسليم السلطة في موعدها والاختفاء تمامًا بعد ذلك من المشهد السياسي، في حين يُمارس دور الوصاية على مَسَار الدولة حينًا بعد الآخر. 

وفي خطاب له منذ أيَّام، أشار البرهان إلى تطهير المؤسَّسَة العسكريَّة من الإخوان المسلمين، وهي إشارة إلى معارك داخليَّة لا تزال تنوي القوَّات المسلحة الدخول فيها، وتحت ذريعتها قد يحدث الكثير من التعقيدات مع المكون المدني.

وستشهد الأيَّام القادمة مَدَى توافق القوَّات المسلحة مع المكون المدني داخل مجلس السيادة، ومَدَى قدرتهم على تجاوز الأزمة بالحوار وليس عن طريق التصعيد.

مصر 

الإستراتيجيَّة الوطنيَّة لحقوق الإنسان 

أطلقت مصر في 9 سبتمبر/أيلول 2021، الإستراتيجيَّة الوطنيَّة لحقوق الإنسان، وذلك من خلال ندوة عُقِدت بحضور رئيس النظام عبد الفتاح السيسي وعددٍ من الشخصيات السياسية والإعلامية في مصر، تناولت الحديث عن إستراتيجيَّة الدولة ورؤيتها لمفهوم حقوق الإنسان ومَدَى تحققه على أرض الواقع وإدارة نقاش حوله. 

الحقيقة أن الرؤية الخاصَّة بالنظام المصري في هذا الملف، والتي تحدث عنها السيسي أكثر من مرة سابقًا، كان أغلبها رَدًا على تساؤلات صحف أجنبيَّة، مثل وكالة الصحافة الفرنسية التي وَجَّهت له سؤالًا في ديسمبر/كانون الأول 2020 حول الحقوق.

وكانت الإجابات تتجاهل الحديث عن حقوق المعتقلين في مصر وحَقِّ المشاركة السياسيَّة كذلك، في حين تركَّزت على الحَقِّ في العيش والبناء إلى غير ذلك من مصطلحات.

وأشار السيسي في حديثه في فرنسا إلى أن مصر بها 55 ألف منظمة مجتمع مدني، وقال إنها "جزء أصيل ومهم جدًّا في العمل الأهلي الذي نسعى أن يكون المجتمع المدني شريكًا للحكومة فيه"، متغافلًا عن أن هذه المنظمات لا تقوم بدور يُذكَر في العمل السياسي.

وفي حديث السيسي أثناء إطلاق "إستراتيجيَّة حقوق الإنسان"، حينما تحدث عن مفهوم الدولة "النظام المصري" لحقوق الإنسان، أشار إلى عدة مصطلحات مثل "الحقوق الحقيقيَّة" و"بناء الثقة"، و"الجماعات التي تنخر في جسد المجتمع". ومن خلال هذه المصطلحات الثلاث يمكن فهم رؤية القيادة السياسيَّة في مصر للأمر.

الإشارة إلى هذه المصطلحات، تعني كما أشار السيسي، أن بناء الثقة في الدولة وقوَّتها هو العامل الأبرز لديها، وهو ما عملت على تحقيقه خلال السنوات الماضية، وإن كان ذلك قد أدَّى إلى هدر حقوق الإنسان في مجالات أخرى، حيث سجلت مصر عددًا غير مسبوق في حالات الاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون خلال الحقبة الماضية.

ومنذ عام 2014، تتحدث تقارير حقوقيَّة عن وجود ما يقرب من 60 ألف معتقل داخل السجون المصريَّة لأسباب سياسيَّة، في حين يؤكِّد السيسي، في أكثر من مناسبة، عدم وجود سجناء سياسيّين داخل بلده.

وكانت أكثر من 30 دولة من البلدان الأعضاء بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أصدرت إعلانًا مشتركًا، في مارس/آذار 2021، أعربت فيه عن قلقها العميق إزاء مَسَار حقوق الإنسان في مصر.

كما أدان الاتحاد الأوروبي، الوضع الحقوقي في مصر، وصَوَّت في ديسمبر/كانون الأول 2020 على مشروع قرار ينتقد هذه الأوضاع التي وصفها بـ"المتردِّية"، ودَعَا من خلال هذا القرار إلى مراجعة عميقة لعلاقات الاتحاد مع القاهرة.

وقد حرص النظام في مصر على جذب أنظار المجتمع الدولي، خاصَّة الولايات المتحدة الأميركية التي رَكَّزت على هذا الملف منذ تولي الرئيس جو بايدن الحكم.

بَدَا ذلك من خلال عِدَّة إجراءات آخرها إعلان واشنطن أن إدارة الرئيس الأميركي سَتحجب 130 مليون دولار من المعونة العسكريَّة لمصر إلى أن تتخذ القاهرة خطوات مُحدَّدة تتعلق بحقوق الإنسان.

وقال مسؤولون إن القرار يَتضمَّن أيضًا "فرض قيود على الأموال التي سُترسل إلى مصر"، بحسب تقارير نشرتها صحيفتا "واشنطن بوست" و"بوليتيكو" الأميركيتين.

وعلى جانب آخر، تناول حديث السيسي في كلمته الافتتاحيَّة، دور السلطتيْن التشريعيَّة والقضائيَّة في الحفاظ على حقوق الإنسان.

وأشار إلى أن صوْن الحقوق والحريَّات وتعزيز احترامها يتحقق من خلال التشريعات والسياسات العامَّة من جانب، ومن خلال ما تقوم به مختلف المؤسَّسَات والآليَّات الوطنيَّة من إنفاذٍ لتلك التشريعات والسياسات من جانب آخر.

إلَّا أن الفترة الماضية منذ تولي السيسي شهدت تقليصًا كبيرًا لدور السلطة التشريعية، خاصَّة في الجانب الرقابي على أعمال الحكومة، ويتجلى ذلك في ملف "حقوق الإنسان"، حيث ساهمت السلطة التشريعية من خلال الاستجابة الفورية لطلبات الحكومة خلال الفترة السابقة إلى إطلاق يد الحكومة دون تقييد في هذا الأمر.

مؤخرًا وافق البرلمان على مشروع قرار أعدَّته الحكومة يقضي بفصل الموظفين مِمَّن ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى موافقته الدائمة على مّدِّ حالة الطوارئ، مما يكرس لحدوث فجوات أكبر في هذا الملف وليس حَلًّا له.

وأخيرًا، فقد أطلق السيسي تصريحًا باقتراب افتتاح "أكبر مجمع سجون"، ليرتفع بذلك عدد السجون الأساسيَّة إلى 79 سجنًا، منها 36 في أعقاب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. 

وهنا يأتي التساؤل الرئيس، عن مَدَى كون الإستراتيجيَّة الوطنيَّة لحقوق الإنسان، بوابة إلى تغيير حقيقي في هذا الملف الذي عانى بسببه الكثير من المصريّين أم أن الأمر لا يتجاوز حديثًا إعلاميًّا مُوجَّهًا لن يُصاحبه إجراءات مختلفة.

فقد نشر موقع "القاهرة 24" وثيقة حول هذه المبادرة أشارت إلى ارتكاز الإستراتيجيَّة على عددٍ من المبادئ أكَّدت خلالها تأصل حقوق الإنسان في الكرامة الإنسانيَّة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص واحترام مبدأ المواطنة وسيادة القانون واستقلال القضاء، إلى جانب التشديد على الربط بين الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان.

وفي ضوء هذه المبادئ، يأتي ملف السجناء وملفات أخرى تتعلق بالحقوق السياسيَّة على رأس القائمة التي تشكل تحديًا في تطبيق النظام لهذه المبادئ خلال الفترة القادمة. 

زيارة الوفد المصري إلى تركيا ومسألة التقارب 

يُعد التقارب المصري التركي من أبرز الملفات التي ظهرت على الساحة في الآونة الأخيرة، حيث يُعتبَر تحوُّلًا كبيرًا في مَسَار العلاقات السياسيَّة الجامدة منذ وقوع انقلاب 2013 في مصر.

خلال الفترة الماضية كانت كلتا الدولتيْن قد اتخذتا إجراءات لإثبات حُسْن النيَّة، من تصريحات رسمية متبادلة بين أنقرة والقاهرة، إضافة إلى اتخاذ أنقرة خطوات بشأن الإعلام المصري المعارض على أرضها، تمهيدًا لفتح باب للحوار حول تطبيع العلاقات بشكل كامل فيما بعد.

وفي شهر مايو/أيار 2021، كانت زيارة الوفد الدبلوماسي التركي إلى القاهرة هي أولى اللقاءات التي تمَّ عقدها على المستوى الرسمي بين البلديْن، لاستطلاع وجهات النظر في القضايا المشتركة، وتمهيدًا لعقد لقاءات أخرى.

ومن المعلوم أن دوافع هذا التقارب، تأتي من كون مصر وتركيا بلديْن محوريّيْن في الشرق الأوسط، يتشابكان في العديد من القضايا الإقليميَّة، وعلى رأسها ملف غاز المتوسط، كما تتفاعل كلتا الدولتيْن مع القضيَّة الليبيَّة مؤخرًا بشكل مباشر. 

ولعلَّ القضية الليبية تكون من محددات التقارب هذه الفترة سواء سلبًا أو إيجابًا، إذ شهدت ليبيا مؤخرًا تطوُّرًا يتعلق بالصدام بين الحكومة المنتخبة وبرلمان طبرق وَصَل إلى محاولة سَحْب الثقة من الحكومة، وهو الأمر الذي يُهدِّد المَسَار الديمقراطي في طرابلس، ويمكن معه أن يَتغيَّر موقف الأطراف، وعلى رأسها مصر وتركيا. 

وانعقدت الجلسة الثانية من المشاورات السياسيَّة بين القاهرة وأنقرة خلال يوميْ السابع والثامن من سبتمبر/أيلول 2021، في العاصمة التركية.

أكَّد خلالها وزير الخارجية التركي "مولود تشاووش أوغلو"، أن مسيرة التطبيع مع مصر مستمرة وفق خارطة طريق، ويمكن أن تفضي هذه التشاورات إلى إعادة تعيين سفراء من جديد.

وتابع أن الحوار لم ينقطع بينه وبين وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، وكان مستمرًا حتى عندما كانت العلاقات بين البلديْن تمر بفترة جمود. والآن بدأت عملية التطبيع، وإذا جرى الاتفاق على خريطة طريق مستقبليَّة، فسَيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وعلى إثر هذه المشاورات الأخيرة، نجد أن تركيا قد اتخذت المزيد من الإجراءات "الاحتياطية" مع وسائل الإعلام المصري المعارضة التي تبث من أنقرة، فتمَّ إيقاف الإعلامي بقناة الشرق المهتم بالشأن الحقوقي في مصر، "هيثم أبو خليل"، ومنعه من الظهور مرة أخرى، وذلك بعد أسبوعيْن تقريبًا من المشاورات الأخيرة بين البلديْن.

لا شك أن مسألة "الإعلام المصري في تركيا" شكَّلت عاملًا ضاغطًا على النظام المصري خلال السنوات الماضية، تم من خلاله تسليط الضوء على الملف الحقوقي وفتح المجال للرأي المعارض للنظام بعد منعه في مصر. 

وقد صَرَّح النظام المصري مرارًا بهذا الأمر، وتوعَّد بمنع الأصوات الإعلامية المعارضة، وهو ما كان يَتمَّ إثر كل مقابلة مع الجانب التركي، حيث يَتِم الضغط في هذا الملف، وربما يَصِل الأمر في نهاية المطاف إلى إغلاق تام لهذه القنوات إذا ما تمَّ تطبيع كامل للعلاقات بين البلديْن.

وفي سياق آخر، هناك العديد من التطوُّرات الإقليميَّة التي حدثت مؤخرًا، ومن شأنها أن تُحدِث فارقًا في تطوُّر العلاقة بين القاهرة وأنقرة، آخرها التقارب التركي/الإماراتي الذي بَدَت ملامحه في الأشهر الأخيرة.

 وكذلك تطبيع العلاقات المصرية مع قطر، والتقارب القطري-السعودي، والذي يبدو أنه رَسْم جديد للعلاقات الإقليميَّة بعد نهاية فترة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. 

الخبير في الشؤون التركية في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، "كرم سعيد"، يقول إن المتوقع من الجولة الثانية هو "إعادة طرح الملفات الشائكة، سواءً فيما يَتعلَّق بالأزمة في ليبيا أو أزمة شرق المتوسط".

واعتبر المحلل السياسي التركي "فراس رضوان أوغلو"، أن التفاعل التركي على صعيد إعادة تطبيع العلاقات كان أكبر من التفاعل المصري، لأن للقاهرة عدة اعتبارات من خلال محاورها مع اليونان والسعودية والإمارات".

ويتوافق ذلك مع تصريحات لوزير الخارجية المصري "سامح شكري"، الذي أشاد سابقًا بتطوُّر العلاقة بين البلديْن على طريق التطبيع، مضيفًا أن مصر لديها "مطالبات وتوقعات من الجانب التركي" تتطلع إلى الاستجابة إليها.

وفيما يَتعلَّق بالاستجابة عمومًا بين البلديْن، خاصَّة من جانب تركيا، فإن المتوقع أن تسير العلاقات في حالة تطورها دون انقطاع في المرحلة المقبلة مع المزيد من الإجراءات التي تساعد على التطبيع الكامل بينهما. 

 إلَّا أن ذلك مرهون أيضًا ببعض قضايا الإقليم وملف المعارضين المصريّين في تركيا، وهما أبرز ملفيْن ظهرا خلال الفترة السابقة.

وفي هذا الصدد، يقول الأكاديمي المصري "كرم سعد"، إن المشهد الإقليمي الجديد يدفع أنقرة تحديدًا لضرورة إعادة صياغة علاقاتها مع قوى الإقليم، ويُضِيف "نحن أمام بيئة إقليميَّة مُتغيّرة، تدفع تركيا ومن ثمَّ القاهرة لإحداث اختراق في القضايا الشائكة".

وتبقى المسألة المتعلقة بتسليم معارضين مصريّين إلى القاهرة أمرًا مُستبعد الحدوث من الجانب التركي، إذ يتعارض مع مبادئ حقوقيَّة وإنسانيَّة، رغم إصرار مصر على ذلك.

 وهو ما أشار إليه مسؤولون من أنقرة خلال الفترات الماضية، إلَّا أن أنقرة بوسعها أن تتخذ معهم إجراءات أخرى، كما حدث سابقا، حتى لا يكون ذلك عائقًا للتقارب بين البلدَيْن. 

المغرب 

انتخابات المغرب وسقوط "العدالة والتنمية" 

شهدت المملكة المغربية في 8 سبتمبر/أيلول 2021، إجراء الانتخابات البرلمانيَّة والبلديَّة التي تنافس عليها أكثر من ثلاثين حزبًا، على رأسها حزب "العدالة والتنمية" الذي يترأس الائتلاف الحاكم في ولايته الثانية التي بدأت منذ 2016.

ووفقًا لما أعلنه وزير الداخليَّة المغربي، "عبدالوافي لفتين"، فقد حَصَل حزب "التجمع الوطني للأحرار" على 97 مقعدًا من أصل 395، بينما انخفضت حصة حزب العدالة والتنمية من 125 مقعدًا في البرلمان المنتهية ولايته إلى 12 مقعدًا فقط في البرلمان الجديد. 

وحافظ حزب "الأصالة والمعاصرة" على المرتبة الثانية بحصوله على 82 مقعدًا، وحَلَّ حزب الاستقلال في المرتبة الثالثة بعد حصوله على 78 مقعدًا.

وبعد فشله في هزيمة الإسلاميّين قبل خمسة أعوام، حافظ حزب الأصالة والمعاصرة على المرتبة الثانية بجمعه 82 مقعدًا. 

وكان المنافس الرئيس للعدالة والتنمية منذ أن أسَّسَه "فؤاد عالي الهمة" مستشار الملك محمد السادس، عام 2008، قبل أن يغادره في 2011.

وعقب تصدُّر حزب التجمع، عَيَّنَ الملك، "عزيز أخنوش"، رئيس "التجمع الوطني للأحرار"، ووزير الفلاحة والصيد البحري بالحكومة المنتهية ولايتها، رئيسًا مُكلَّفا بتشكيل الحكومة المقبلة، إثر تصدُّر حزبه نتائج الانتخابات البرلمانيَّة والبلديَّة التي أُجريت بالتزامن.

ويُذكَر أن حزب العدالة والتنمية ظل يحقق نتائج تصاعديَّة منذ مشاركته في أول انتخابات برلمانيَّة عام 1997، إلى أن وَصَل إلى رئاسة الحكومة في أعقاب احتجاجات حركة 20 فبراير/شباط 2011 المطالبة "بإسقاط الفساد والاستبداد"، لكن من دون السيطرة على الوزارات الأساسيَّة.

ويَمنح الدستور المغربي الذي أقر في سياق تلك الاحتجاجات صلاحيَّات واسعة للحكومة والبرلمان، لكن الملك يَحتفظ بمركزيَّة القرار في القضايا الإستراتيجيَّة والمشاريع الكبرى التي لا تتغيَّر بالضرورة بتبدل الحكومات.

هذه الهزيمة التي أطاحت بحزب العدالة والتنمية بفارق كبير عقب هذه النجاحات المتصاعدة، وَجَّهت الأنظار نحو المغرب، باعتبار حزب العدالة والتنمية أحد الأحزاب الإسلاميَّة، والتي شهدت هزائم متلاحقة جميعها في السنوات الأخيرة بعد موجات الربيع العربي.

لكن الوضع في المغرب ربما كان مختلفًا منذ البداية، حيث لم يأخذ حزب العدالة والتنمية وَصْف "الحزب الثائر" أو المحسوب على الربيع العربي أثناء موجته، بل ظل تصاعده السياسي منذ بدايته في إطار النظام السياسي الحاكم في المغرب دون اصطدام معه.

وتذكر صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركيَّة، تعليقًا على الانتخابات، أنه من غير المرجح أن يُحدِث هذا التغيُّر تحولات سياسيَّة كبيرة في بلدٍ يتولى فيه القصر الملكي قيادة البلاد منذ فترة طويلة

ويَذكر الأكاديمي المغربي "محمد الحساني"، أنه يَنبغِي أن نحدد طبيعة النظام السياسي في المغرب أولًا لكي نتمكن من الحكم على أداء الأحزاب. ويجري الحديث هنا عن ملكيَّة تنفيذيَّة مُطلقة.

ويُضيف أن النظام السياسي في المغرب لا يقبل شريكًا في الحكم على الإطلاق، وهذا معناه أنه يَعتبر الأحزاب السياسية أدوات لتصريف مجموعة من التوجيهات المركزية التي يعتمدها القصر بشكل خاص في تدبير المَسَار السياسي كليَّةً. 

ويَذكر "عبد الرزاق مقري" رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية، في تعقيبه على خسارة العدالة والتنمية، أن الحزب اعتقد وقت أن ترأس الحكومة في 2011، ومعه الكثير من المتابعين في العالم العربي، أن الحالة المغربيَّة تمثل استثناءً.

إذ وقع التغيير "الفعلي" دون الحاجة إلى ثورة شعبيَّة عاصفة، وأخذ البعض يبالغ في الإطراء على حكمة الملك المغربي محمد السادس

إلَّا أن الحكمة الملكيَّة التي يتحدثون عنها ما هي إلَّا تدبير اتجه إليه الحاكم المُطلق في المغرب بتوجيه ونصائح غربيَّة فرنسيَّة وأميركية لتجاوز فورة الربيع العربي.

وخلال رد فعله على نتيجة الانتخابات، اعتبر حزب العدالة والتنمية أن ثمَّة خروقات شابت العمليَّة الانتخابيَّة، معترفًا في ذات الوقت بحدوث انتكاسة في مسيرة عمله الديمقراطي.

جاء رد فعل الحزب من خلال البيان الذي أعلن فيه عن عقد مؤتمره العام في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2021، لانتخاب قيادة جديدة للحزب، وهو الأمر الذي يأتي في سياقه الطبيعي، إذ فاقت خسارة الحزب مستويات التلاعب المُحتمَلة في الانتخابات.

وقد عَبَّر الحزب في بيانه عن "استنكاره الخروقات والاختلالات التي شهدتها هذه الانتخابات، سواء ما تعلق بالتعديلات التي طالت القوانين الانتخابيَّة، أو الاستعمال الكثيف للمال، أو التلاعب بالمحاضر، وعدم تسليم بعضها، وتسليم بعضها الآخر خارج مكاتب التصويت، أو التوجيه المباشر للناخبين يوم الاقتراع، أو التأخر غير المُبرَّر في الإعلان عن أسماء الفائزين".

ونظرًا لطبيعة السياق السياسي في المغرب ودور حزب العدالة والتنمية الذي كان متفاعلًا بشكل كبير مع هذا النسق دون الخروج أو التمرُّد عليه في وقتٍ من الأوقات، فإن المسيرة السياسيَّة الخاصَّة بالحزب لم تنتهِ عند هذا الحَدِّ، وذلك على الرغم من صدمة الخسارة التي أحدثتها هذه الانتخابات.

وربط الهزيمة السياسيَّة للحزب بالحرب على الإسلاميّين في بعض الدول الأخرى غير متكافئ، نظرًا لطبيعة عمل الإسلاميّين في هذه البلدان وطبيعة الصراع الشديد بينها وبين السلطة، كما يذكر "محمد الحساني".

كما اعتبر "محمد مصباح"، مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات (غير حكومي)، أن خسارة حزب "العدالة والتنمية" للانتخابات البرلمانية والبلديَّة، ليست إغلاقًا لقوس الإسلاميّين؛ لأن الحزب تحوَّل إلى لاعب أساسي مثل بقيَّة الأحزاب، بشرط أن يُطلِق دورة جديدة في مساره السياسي.

وأضاف مصباح، في مقابلة مع وكالة الأناضول التركية: "صحيح لم يَعُد العدالة والتنمية هو القوَّة السياسيَّة الأولى، لكنه سيبقى موجودًا في الساحة بحجم مقلص ومشاركة ضعيفة".

ليبيا 

تصاعد الأزمة بين الحكومة وبرلمان طبرق

عقد مجلس النوَّاب في مدينة طبرق (شرقي ليبيا) جلسة لاستجواب حكومة الوحدة الوطنيَّة، في 8 سبتمبر/أيلول 2021، بحضور رئيس الوزراء عبدالحميد الدبيبة ورئيس مجلس النوَّاب عقيلة صالح.

وبعد أيَّام من هذه الجلسة، أعلن مجلس النوَّاب الليبي في طبرق، 21 سبتمبر/أيلول، حَجْب الثقة عن حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها الدبيبة، مؤكِّدًا أن 89 نائبًا من أصل 113 نائبًا حاضرين في شرق البلاد، صَوَّتوا على سَحْب الثقة.

وجاء عبدالحميد الدبيبة على رأس الحكومة في مارس/آذار 2021، بعد فترة صراع داخلي شاركت فيه قوى خارجيَّة، وتمَّ ذلك تحت إشراف الأمم المتحدة لإدارة الفترة الانتقاليَّة وصولًا إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة في 24 ديسمبر/كانون الأول.

وكان رئيس المجلس التشريعي صادق على قانون انتخابات مثير للجدل في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، يُنظر إليه على أنه تجاوز الإجراءات القانونيَّة الواجبة، وجَاء في صالح الرجل القوي المتمركز في الشرق، وهو اللواء الانقلابي المتمرد "خليفة حفتر".

قرار المجلس سَحْب الثقة من الحكومة واجه رفضًا من رئيس الحكومة، والمجلس الأعلى للدولة، حيث أعلن رفضه هذا الإجراء، مشيرًا إلى أنه يخالف "الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي".

كما دَعَا رئيس الحكومة الدبيية في 21 سبتمبر/أيلول، الشعبَ إلى "الخروج والتعبير عن رأيه" دون خوف، مؤكِّدًا دعمه إجراء الانتخابات، ورفضه للانقسام

كان ذلك رَدًّا على قرار البرلمان سَحْب الثقة منه، باعتباره قرارًا مخالفًا للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الذي جاء بالحكومة في مارس/آذار 2021. 

وعادت التوترات بين مؤسَّسَات الحكم في ليبيا مؤخرًا، جَرَّاء خلافات بين مجلس النوَّاب من جانب، والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنيَّة والمجلس الرئاسي من جانب آخر، خاصَّة على الصلاحيَّات والقوانين الانتخابيَّة.

الخلاف حول الانتخابات القادمة 

منذ أن جرى تشكيل السلطة التنفيذيَّة التي تضمُّ المجلس الرئاسي والحكومة الحاليَّة، بواسطة "ملتقى الحوار السياسي في ليبيا" وبرعاية أمميَّة، والمهمَّة الأولى لها هي توحيد البلاد خلف سلطة موحدة وقيادتها نحو إجراء انتخابات شاملة في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021. 

وقد واجه الدبيبة منذ اليوم الأول صعوبات تتعلق بالتشكيل الحكومي الذي رفض البرلمان إقراره إلَّا بعد إجراء عددٍ من التعديلات.

وأحد أهم العوائق كان متعلقًا بتسمية وزير الدفاع، نظرًا لوجود طرف من أطراف الصراع الليبي، وهو "خليفة حفتر"، وهو ما جَعَل الدبيبة يتحاشى فتح ملف مُعقّد قد يُعرقِل التوصُّل إلى اتفاق؛ ما يدل على أن حفتر يبقى عقبةً في طريق تشكيل جيش موحَّد مستقبلًا.

وعلى المستوى الدولي، اعتبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التصويت على حكومة الدبيبة "فرصة حقيقيَّة للمضي نحو الوحدة والاستقرار والمصالحة واستعادة ليبيا سيادتها بالكامل".

لكن الخلاف بقي كامنًا بين معسكر الشرق بقيادة حفتر وحليفِه عقيلة صالح، وبين المؤسَّسَات الرسميَّة المُنتخبَة. وتُعَد الانتخابات الرئاسية المقبلة الحدث الأبرز الذي يَسعى معسكر الشرق إلى استغلاله. 

وفي 9 سبتمبر/أيلول 2021، أقر مجلس النواب الليبي، مشروع قانون الانتخابات الرئاسية  المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول 2021 .

وسَيَسمح القانون الخاص بالانتخابات الرئاسيَّة الذي أصدره مجلس النوَّاب للمسؤولين الحاليّين بالترشح للمنصب طالما استقالوا مؤقتًا من مناصبهم قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات. 

وفور إصدار مجلس النواب هذا القانون، أعلن خليفة حفتر التنحي مؤقتًا عن منصب ما يُسمَّى بـ"القائد العام للجيش"، بهدف الترشح للانتخابات الرئاسيَّة المقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول.

وتُعد هذه إحدى نقاط الخلاف بين قوانين أعدَّها المجلس الأعلى للدولة، وبين البرلمان، حيث تشترط قوانين المجلس على المترشح للرئاسة أو لعضوية مجلس الأمَّة ألَّا يكون من أفراد المؤسَّسَة العسكرية، وأن يمضي عامان على الأقل على انتهاء خدمته.

واعتبر المجلس الأعلى للدولة في ليبيا الذي تأسَّس بموجب اتفاق عام 2015، أن عقيلة صالح دفع بالقانون قدمًا مستخدمًا سلطات لا يملكها بغرض عرقلة الانتخابات القادمة، كما عَدَّ القانون الصادر قانونًا معيبًا لتجاوزه الاتفاق السياسي.

وكان المجلس الأعلى يتمسَّك بإجراء استفتاء شعبي على مسودة دستور يَتِم تنظيم الانتخابات وفقًا له، ويَرفض سعي مجلس النوَّاب -برئاسة عقيلة صالح- إلى إقرار قاعدة دستوريَّة لإجراء الانتخابات.

وقد صَرَّح عضو المجلس الأعلى للدولة، "فتح الله السريري"، أن حَلَّ الخلاف بين المجلسيْن يكون بتشكيل لجنة مشتركة للتوافق حول القوانين الانتخابيَّة.

وأضاف أن المرحلة الأهم، هي التوافق بين مجلسيْ النواب والدولة على القوانين وإصدارها وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات، بالتنسيق مع المفوضية العليا للانتخابات، والعمل الجاد مع حكومة الوحدة الوطنية.

وأكَّد أن التحديات التي تواجه الانتخابات الرئاسية والتشريعية تكمن في سَنّ قواعد توافقية وتهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاستحقاق المقبل، لأن فقدان التوافق بين الأطراف الليبية والإقليمية والدولية يجعل إجراء الانتخابات حلمًا يصعب تحقيقه.

ردود فعل المجتمع الدولي 

التوترات الأخيرة في المشهد الليبي، حفزت المجتمع الدولي للتأكيد على أن الاستقرار في ليبيا مرهون بإجراء الانتخابات في موعدها المقرر نهاية العام 2021. 

جاء ذلك وفق ما ذكر السفير الأميركي، المبعوث الخاص لدى ليبيا "ريتشارد نورلان"، في تغريدة له، تعقيبًا على اشتباكات مسلحة شهدتها العاصمة طرابلس. 

وأضاف "يَتحمَّل الزعماء السياسيُّون من جميع الأطراف مسؤولية الاتفاق الفوري على حَلٍّ وسطٍ يسمح بإجراء تلك الانتخابات في موعدها"، مشيرًا إلى أن بلاده "ستدعم هذه العمليَّة".

كما أكَّد الممثل الأعلى للشؤون الخارجية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، "جوزيب بوريل"، في بيان نشرته بعثة الاتحاد الأوروبي، 8 سبتمبر/أيلول، على أهميَّة تجديد شرعيَّة المؤسَّسَات الليبيَّة، وإعادة تأكيد السيادة الليبيَّة، واستقرار البلاد لكلِّ شعبها.

وأوضحت البعثة في بيانها أن بوريل شدَّد للمسؤولين في طرابلس على تمسُّك الاتحاد الأوروبي بسيادة ليبيا واستقلالها، وعزمه المساهمة في إحلال السلام والاستقرار في البلاد في هذه المرحلة المهمَّة.

إلَّا أن تحالفات حفتر "الإقليميَّة" التي بَدَت واضحة أثناء صراعه مع حكومة الوفاق الوطني السابقة بقيادة فايز السرَّاج من قبل، قد تدعم مَسَار الإصرار على القانون الانتخابي الذي يسمح له بالترشح، من أجل إدارة الصراع بطريقة "سلميَّة". 


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

ما زال الحديث دائرا عن تهدئة الأوضاع في ليبيا عبر التوصُّل إلى حَلٍّ سياسي وإعادة إعمار بعض الأجزاء المدمرة، وكذلك اتفاقيَّات اقتصاديَّة مع مصر، التي تُعَد أهم دول الجوار.

ويُنتظر أن تتدفق العمالة المصريَّة بنحو مليون عامل إلى ليبيا، من خلال مجموعة من المشروعات تمَّ الاتفاق عليها بين البلديْن خلال المرحلة الماضية، بما يَبعث الأمل في أن تشهد البلاد حالة من الهدوء السياسي والأمني، والذي تحتاجه بشدَّة الأوضاع الاقتصاديَّة هناك، ولكن تظل حالة عدم اليقين مسيطرة على الأوضاع الليبيَّة في ضوء التجارب السابقة.

أمَّا في لبنان، فقد تمَّ تكليف "نجيب ميقاتي" بتشكيل الحكومة وهو واحدٌ من الشخصيَّات السياسيَّة والاقتصاديَّة المرموقة، والذي أدَّى دور رئيس الوزراء لمراحل انتقاليَّة غير مرة، كما أنه شغل منصب الوزير في حكومات سابقة، فضلًا عن أنه واحدٌ من كبار رجال الأعمال هناك.

ويتحدث البعض عن أن ميقاتي سيكون رجل المرحلة لإنهاء قضيَّة الوصول لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث بدأت بالفعل حالة التواصل المباشر مع إدارة الصندوق، وأعلن عن حصول لبنان على حقوق سَحْب خاصَّة بنحو 1.13 مليار دولار

الأمر ليس بالسهولة التي يتخيَّلها البعض، فهناك معضلة اقتصاديَّة واجتماعيَّة في لبنان، فهل سَينجح ميقاتي في التخفيف من حِدَّتها، خلال توليه مسؤولية الحكومة؟ هذا ما سَتجيب عنه الأيَّام المقبلة.

وثمَّة موضوعات وقضايا اقتصاديَّة حفل بها شهر سبتمبر/أيلول 2021، منها زيارة رئيس البنك الدولي للسودان، وكذلك مشكلات العجز المائي في كل من تونس والعراق ومصر.

 كما أن سوق النفط الدوليَّة شهدت حركة تصاعديَّة في الأسعار، مما ينبئ بتحسُّن الأوضاع الماليَّة في الدول العربيَّة النفطيَّة. 

إلَّا أن تقرير الشهر سيركز على ثلاث موضوعات، هي: العرب والوفرة النفطيَّة المُنتظرَة، واستمرار التوسُّع في الديون بتونس، والموضوع الأخير، هو مدى نجاح الجزائر في الاستفادة من المدخرات المحليَّة.

العرب والوفرة النفطيَّة المُنتظرَة

يمكن أن نطلق على آخر 7 سنوات، بأنها "السبع العجاف"، بالنسبة للدول العربيَّة النفطيَّة، نظرًا لما ألمَّ به في السوق الدوليَّة، من عمليَّة انهيار للأسعار، استمرت من منتصف 2014 وحتى منتصف 2021.

ولكن مؤخرًا، تحركت أسعار النفط في السوق الدوليَّة، حتى لامست سقف الـ80 دولارا لخام برنت، وهو ما جعل بعض التقديرات تذهب إلى أن موجة ارتفاع الأسعار، ستستمر خلال الشهور المتبقية من عام 2021، وأن الأسعار في عام 2022، ستصل إلى 90 دولارا للبرميل.

وذهبت توقعات بنك "جولدمان ساكس"، إلى أن تلامس أسعار النفط 90 دولارا في مطلع عام 2022، بافتراض أن يكون الشتاء هذا العام أشد برودة مما سَيُساعد على زيادة الطلب على النفط.

وثمَّة تقديرات أخرى تفسِّر الزيادة المتحققة حاليًا، أو المتوقعة خلال الفترة القادمة في أسعار النفط، بزيادة الطلب في السوق العالمي، وأن كلًّا من أميركا والصين حريصتان على استمرار النمو الاقتصادي، وهو ما سَيؤدِّي إلى استمرار الطلب على النفط. 

من جهةٍ أخرى، توقعت "أوبك" (منظمة الدول المصدرة للنفط) أن يزيد الطلب على النفط خلال الربع الأخير من عام 2021، وأن ثمَّة توقعات بأن يصل الطلب العالمي إلى 99 مليون برميل يوميًّا، وهو المعدل الذي كان سائدًا نهاية عام 2019، وقبل جائحة كورونا.  

وبلا شك أن ارتفاع أسعار النفط في السوق الدوليَّة، سيكون له مردود مزدوج على المنطقة العربيَّة.

 فمن ناحيةٍ سيكون هذا المردود إيجابيًّا على الدول العربيَّة المنتجة للنفط، والتي أرهقت ماليًّا بسبب تدني أسعار النفط، لأن معظم هذه الاقتصاديَّات للأسف الشديد، تعتمد على النفط بشكل رئيس. 

كما سيكون ارتفاع الأسعار سلبيًّا على الدول العربيَّة المستوردة للنفط، لأن وضعها المالي لا يَتحمَّل زيادة الكثير من الأعباء، فهي تعاني من الديون وعجز ميزان المدفوعات بشكل دائم.

كما أنها لم تستفد من انخفاض أسعار النفط الفترة الماضية، حيث لم تقم بعمل مخزونات إستراتيجيَّة من النفط الرخيص.

يتوقع لدول الخليج، وغيرها من الدول العربيَّة النفطيَّة (العراق، ليبيا، الجزائر) أن تبدأ فترة من اليسر المالي المحدود، طالما ظل سعر البرميل عند سقف 80 دولارا، إذ يمكن أن يساعد هذا الوضع في تخفيف العجز بميزانيَّات هذه الدول، ويمكنها من خفض سقف اللجوء للديون سواء المحليَّة أو الخارجيَّة. 

وصعود أسعار النفط إلى 90 دولارا، حسبما ذهبت إليه بعض التوقعات، سيزيد من تحسُّن الوضع المالي للدول النفطيَّة العربيَّة، ولكن هناك دول سَتظل تعاني من وضع مالي سلبي، مثل البحرين، والكويت، لأن سعر التعادل لميزانيَّات هذه الدول في وضعها المالي الحالي يتطلب وصول سعر البرميل إلى 100 دولار.

ولكن حلم العودة إلى الفوائض النفطيَّة، والوصول إلى حالة الوفرة من عوائد النفط، لتتزايد أرصدة النقد الأجنبي، أو أرصدة الصناديق السياديَّة للدول النفطيَّة العربيَّة، ستكون مرهونة على ما يبدو بتجاوز سعر النفط حاجز الـ100 دولار.

أمَّا الدول العربيَّة غير النفطيَّة، فستكون أمام تحديَّات متعددة بسبب ارتفاع أسعار النفط، منها تصاعد معدلات التضخم، بسبب الزيادة التي سَتتحقق في تكلفة الوقود، كما سَتؤدي هذه الزيادة إلى العجز في ميزانيَّات بعض الدول غير النفطيَّة، والتي لا تزال تقدم دعمًا للوقود، ولو جزئيًّا. 

ولكن ثمَّة استفادة متوقعة لهذه الدول، ولكنها مرتبطة بمنطقة الخليج النفطيَّة، والتي قد تتجه مع زيادة أسعار النفط إلى زيادة الإنفاق العام، والتوسُّع في الاستثمار.

وهو ما يتطلب جلب عمالة من الدول العربيَّة غير النفطيَّة، أو الدفع بحركة السياحة الخليجيَّة للدول العربيَّة غير النفطيَّة، مثل مصر وتونس والمغرب والأردن، وغيرها.

هذه السيناريوهات ستتوقف على أمريْن: الأول رغبة المستهلكين الكبار (أميركا والصين والدول الصناعيَّة الكبرى) في أن تكون أسعار النفط في السوق الدوليَّة عند سقف محدد، دون 80 دولارا، وكذلك أداء اتفاق (أوبك +) خلال الفترة القادمة، وبما يحافظ على الكميَّات المعروضة بالسوق، بحيث تؤدِّي إلى استمرار موجة ارتفاع الأسعار، وبما يحقق مصالح الدول المنتجة. 

استمرار التوسع في الديون بتونس

في ظل الوضع السياسي غير الواضح في تونس، تظل الأوضاع الاقتصاديَّة مضطربة، وبخاصَّة ما يتعلق بالموازنة العامَّة للدولة هناك، على الرغم من القرار الأخير للرئيس التونسي "قيس سعيّد"، بتكليف "نجلاء بدون" بتشكيل الحكومة، وهي سيّدة يمكن اعتبارها من التكنوقراط، وإن كانت ترتبط بشكل ما بأحد مشروعات البنك الدولي المعنيَّة بالتعليم.

وتسبب قرار قيس سعيّد في يوليو/تموز 2021، بشأن تعطيل البرلمان، وحَلِّ الحكومة، وإجراءات أخرى، في إرباك المشهد الاقتصادي، وعطل مسارات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، الذي كانت الحكومة تُعِد للحصول على قرض بنحو 4 مليارات دولار منه.

ولكن وزارة الاقتصاد والماليَّة في تونس، أصدرت تقريرًا لها مؤخرًا، يوضح وضع المديونيَّة العامَّة هناك، جاء فيه أن الدين العام للبلاد بلغ بنهاية يوليو/تموز 2021، نحو 99.09 مليار دينار، وهو ما يعادل (35.64 مليار دولار)، منها 21.9 مليار دولار ديون خارجيَّة، و13.7 مليار دولار ديون محليَّة.

ومما أفاد به التقرير أن الحكومة اقترضت خلال الشهور السبع من عام 2021، نحو 3.15 مليار دولار، لسد عجز الموازنة خلال هذه الفترة.

 وكانت موازنة 2021 التي أعدت قبل بداية العام، تقدر حجم التمويل المطلوب لسداد عجز الموازنة عند 6.86 مليار دولار.

والجدير بالذكر أن الرئيس التونسي أشاد في تصريح له مطلع أغسطس/آب 2021، ببعض الدول الصديقة التي قدَّمت لبلاده دعمًا ماليًّا، لكي تفي بالتزاماتها الماليَّة.

ولكنه لم يُسَمِّ تلك الدول التي قدَّمت له المساعدات الماليَّة، وهو أمر غير مفهوم في ظل تجربة ديمقراطيَّة، من المفترض أن يكون المجتمع فيها على بيّنة تامَّة، وبخاصَّة في أمر يتعلق بالميزانيَّة العامَّة للدولة.

ولن يكون الأمر فيما يتعلق بالاستعانة بالمساعدة الماليَّة، لمجرد مرة واحدة، بل سيكون شبه دائم، وبخاصَّة في الحالة التونسيَّة، فهل سَينجح الرئيس التونسي، بالعبور ببلاده اقتصاديًّا، بحيث لا يحتاج لوجود عجز في ميزانيَّة البلاد؟ 

أم أنه سَينجح في إنعاش الاقتصاد التونسي، بحيث تكون موارده متوازنة، أو تحقق فائضا بعد سداد النفقات العامَّة؟

وهل يستمر قيس سعيد في الحصول على تمويل من الدول الصديقة، والتي بلا شك ستقدم هذه المساعدات في شكل قروض، وإن كانت بسعر فائدة أقل؟

وأظهرت بيانات وزارة الاقتصاد والماليَّة، أن العجز تم تغطيته عبر الاقتراض. وعلى ما يبدو فإن دخول تونس سوق الاقتراض الدولي، مرهون بالاستقرار السياسي، الذي لا يلوح في الأفق.

 فخطوة تكليف نجلاء بدون بتشكيل الحكومة، عَدَّها البعض مخالفة دستوريَّة، بينما اعتبرها آخرون مدخلًا لتخفيض تكلفة الاقتراض لتونس في السوق الدوليَّة، والتي صعدت بشكل كبير في 28 سبتمبر/أيلول 2021، لتصل إلى 840 نقطة أساس، فضلًا عن تراجع قيمة السندات التونسيَّة في السوق الدوليَّة.

وكما هو معلوم فإن تونس تعتمد بشكل كبير على السياحة، وثمَّة حالة من الانتظار لموسم السياحة الأوروبيَّة خلال عطلة نهاية السنة، أو قضاء إجازة الشتاء.

ولكن هذا الأمر، يتوقف على الإجراءات المتخذة تجاه فيروس كورونا في تونس من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، نجاح البلاد في تحقيق حالة من الاستقرار السياسي قبل بدء موسم السياحة. 

ويمكن القول إن تونس التي كانت تعاني تعثرا في إدارة ملفها الاقتصادي لأسباب داخليَّة وخارجيَّة، دخلت مرحلة جديدة ليُضاف الملف السياسي بتعقيداته إلى الأزمة الاقتصادية، لتنتظر البلاد المجهول خلال الفترة القادمة، وبخاصَّة في ظل تغييب البرلمان، والتدخل في مؤسَّسَة القضاء.

مدى نجاح الجزائر في الاستفادة من المدخرات المحليَّة

يؤكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون دائما على عدم نية بلاده اللجوء  للاقتراض الخارجي، وأن السياسة الاقتصاديَّة سَتركز على ترشيد الإنفاق والاستيراد، وأنها سَتعتمد على الاقتراض الداخلي، وهو ما تجدَّد مؤخرًا.

وصَرَّح تبّون بأن أروقة الاقتصاد الموازي لديها كتلة ماليَّة تقدر بنحو 90 مليار دولار، وأنه سَيُستفاد منها للاستغناء عن الاقتراض الخارجي. 

وحَسَب تصريحاته الأخيرة، فإن الواردات السلعيَّة للجزائر انخفضت إلى 31 مليار دولار، بعد أن كانت بحدود 60 مليار دولار.

 وبلا شك أن هذا التخفيض جاء في ضوء ما تمر به الجزائر من أزمة ماليَّة حادة، بسبب تدني أسعار النفط في السوق الدوليَّة، منذ منتصف عام 2021.

والدرس المستفاد، فيما يخصُّ تخفيض فاتورة الواردات السلعيَّة، هو أن يتم الاستمرار في هذه السياسة، والتوجُّه لتبني ما يُعرَف بسياسة إحلال الواردات، بما يسمح بقيام العديد من الصناعات المحليَّة، التي يمكنها أن تكون قيمة مضافة في الناتج المحلي للبلاد، فضلًا عن توفير فرص عمل دائمة ومستقرة، وكذلك تقليص العجز في ميزان المدفوعات.

والجزائر كدولة نفطيَّة، منذ عقود، قد توفر لديها رصيدٌ من احتياطيَّات النقد الأجنبي قُدِّر في عام 2013 بنحو 203 مليارات دولار.

 ولكن مع أزمة تدني أسعار النفط في السوق الدوليَّة، تراجع هذا الاحتياطي إلى 44 مليار دولار في يوليو/تموز 2021، وذلك بسبب تمويل الواردات السلعيَّة، وكذلك تمويل عجز الموازنة، حيث تعتبر البلاد من الدول التي تعتمد على النفط كمصدر رئيس للدخل، ويمثل النفط أكثر من 95 بالمئة من الصادرات السلعيَّة للجزائر.

والتحدي هنا أمام الجزائر، هو أنه كيف تستفيد بشكل رئيس من الكتلة الماليَّة للاقتصاد الموازي هناك، فليس سعر الفائدة، هو العامل الوحيد المطلوب لتشجيع أصحاب هذه الأموال على إدراج أموالهم في الاقتصاد المنظم.

فهناك عوامل أخرى، ترتبط بالإدارة الحكوميَّة، وكذلك ضرورة وجود خطط استثماريَّة، لتكون الاستفادة المرجوة كبيرة من هذه الأموال.

ليس المطلوب فقط الاستفادة من هذه الأموال، خلال الأزمة الماليَّة التي تعيشها الجزائر، ولكن المطلوب اعتماد إستراتيجيَّة لتحويل هذه الأموال للاقتصاد المنظم.

ولعل القضاء على الفساد داخل أروقة الاقتصاد الجزائري سيكون أهم العوامل، التي تساعد على نجاح مساعي الحكومة في الاستفادة من تلك الأموال.

يحتاج النجاح في الوصول للكتلة الماليَّة للاقتصاد الموازي بالجزائر، إلى وجود نوع من الثقة بين الحكومة والقطاع العائلي صاحب تلك المدخرات، وبدون ذلك، سَتظل الأموال في مساراتها خارج الاقتصاد المنظم.

 ولن تتحقق هذه الثقة إلَّا من خلال مشاركة أصحاب هذه المدخرات في التخطيط لاستثمارها، وكذلك صدور التشريعات المنظمة للأعمال المقترحة للاستفادة منها، ومن الأفضل أن توجَّه تلك الأموال إلى مشروعات إنتاجيَّة، سواء كانت خدميَّة أو إنتاجيَّة.

ويرى مراقبون أنه من الخطأ توظيف هذه الأموال فقط في سد عجز الموازنة، لأنه في هذه الحالة، لن تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الجزائري، بل ستكون عبئًا على الموازنة العامَّة، حيث سيكون مطلوب سدادها مرة أخرى لأصحابها، وكذلك تحمُّل الفوائد التي ستدفع للمدخرين.

ويُخشى أن تكون بداية التحسُّن في أسعار النفط، فرصة لتتحلل الحكومة من خطتها للتقشف، وكذلك ترشيد الاستيراد، أو الانصراف عن الاستفادة من الكتلة الماليَّة للاقتصاد الموازي.

فسعر برميل النفط في السوق الدوليَّة، وَصَل إلى سقف الـ80 دولارا، ويتوقع أن يقفز إلى 90 دولارا للبرميل في بداية 2022، وهو ما قد يشجع صانع السياسة الاقتصاديَّة هناك على العودة للوراء، والتصرُّف مرة أخرى في ضوء الوفرة النفطيَّة.

والدرس المستفاد من الأزمة الماليَّة والاقتصاديَّة التي مرت بها الجزائر منذ عام 2015، يفرض على صانع ومتخذ القرار، ألَّا تتكرر هذه الأزمة.

ويرى كثيرون أنه لا بد من الانطلاق ليكون الاقتصاد الجزائري متنوعًا من حيث الأنشطة المختلفة، لتفادي التقلبات الخارجيَّة، وتأثيراتها السلبيَّة على اقتصاد البلاد.


المحور الرابع: الحالة الفكريَّة

يتناول المحور الفكري لشهر سبتمبر/أيلول موضوعين، هما: أولًا: في ذكرى اليوم العالمي للسلام.. السلام في الإسلام وواقعه في العالم العربي. 

يَحتفل العالم باليوم الدولي للسلام في 21 سبتمبر/أيلول من كل عام؛ لترسيخ المثل العليا للسلام بين جميع الشعوب والأمم وداخل كل منها. 

ولكن على عكس ذلك، نرى واقع العالم العربي وما حلَّ بشعوبه من قتل ودمار وتشريد، في سبيل الإبقاء على الأنظمة المستبدة برضا ومعاونة الدول الكبرى. فأيُّ سلام يريدونه؟!

والسلام في الإسلام هو الأساس، والحرب استثناء. فلماذا كل هذا العداء؟ 

ثانيًا: رحيل المؤرخ الكبير قاسم عبده قاسم. 

رحل عن عالمنا المؤرخ الموسوعي، والمترجم، الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم، بعد حياة مليئة بالعطاء في ميدان البحث التاريخي.

لقد قدَّم للمكتبة حوالي 40 كتابًا، مؤلفًّا ومترجمًا، بل إنَّ البعض يعتبره أحد أهم روَّاد المدرسة التاريخيّة منذ الربع الأخير من القرن العشرين. وهو يجمع في كتاباته بين مهمة رجل التاريخ، ومهمة رجل الفكر. 

أولًا: في ذكرى اليوم العالمي للسلام.. السلام في الإسلام وواقعه في العالم العربي 

يحتفل العالم أجمع باليوم الدولي للسلام في 21 أيلول/سبتمبر من كل عام. حيث خصّصت الجمعيّة العامة لليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) هذا اليوم لترسيخ المثل العليا للسلام بين جميع الشعوب والأمم وداخل كل منها.

وبدأ الاحتفال بهذا اليوم فى العام 1981؛ حيث تمَّ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة اختيار هذا اليوم بالتحديد، ليكون متزامنًا مع موعد الجلسة الافتتاحية لدورة الجمعية، التى تُعقد كل سنة فى ثالث يوم ثلاثاء من شهر سبتمبر/أيلول من كل عام.

فهل حقًّا هناك سلام في العالم أم أن الصراعات التي تفرضها الدول القوية هي التي تسود.

كما يرى البعض أنَّ التنازع وعدم الاستقرار لا يكون إلَّا في دول العالم الثالث "الوطن العربي"، وأنها تدفع ثمن صراعات وأطماع الدول الكبرى في الشرق الأوسط.

فلطالما كان الوطن العربي بؤرة صراع لمختلف قوى العالم قديمًا وحديثًا، لما يمتلكه من ثروات طبيعية وبحكم موقعه الجغرافي المتميّز وعمقه التاريخي.

السلام في الإسلام:

فكرة السلام في الإسلام أصيلة عميقة، تتصل اتصالًا وثيقًا بطبيعته، وفكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان. هذه الفكرة التي ترجع إليها نظمه جميعًا؛ وتلتقي عندها تشريعاته وتوجيهاته.

السلام في الإسلام هو القاعدة الدائمة، والحرب هي الاستثناء الذي يقتضيه الخروج عن هذا التناسق المُمثَّل في دين الله الواحد، بالبغي والظلم، أو بالفساد والاحتلال. 

وأظلم الظلم الشرك بالله، وأفسد الفساد تعبيد العباد لغير الله، فترده الحرب الموقوتة إلى التناسق الدائم والصلاح الواجب: {حتى لا تكون فتنة ويكونَ الدينُ كلُّه لله} [سورة الأنفال: الآية 39].

فالإسلام ينفي منذ الخطوة الأولى معظم الأسباب التي تثير في الأرض الحروب، ويستبعد ألوانًا من الحرب لا يقر بواعثها وأهدافها. 

والخطوة الأولى يبدأها الإسلام  بتوحيد الإله {قل هو الله أحد} [سورة الإخلاص: الآية 1]. وبذلك يبتُّ أسباب الفرقة والخلاف في مصدر الكون الأول. ويرفع أسباب الفساد والصدام في صميم الناموس.

الإسلام يستبعد الحروب التي تثيرها القومية العنصرية، وهو يقرر أن الناس كلهم من أصل واحد، وأنهم خلقوا كلهم من نفس واحدة، وأنهم جعلوا شعوبًا وقبائل ليتعارفوا. {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} [سورة الحجرات: الآية 13].

ويستبعد الإسلام الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع: حروب الاستعمار والاستغلال، والبحث عن الأسواق والخامات واسترقاق المرافق والرجال.

 فالإسلام يَعُد البشرية كلها وحدة متعاونة، بل يَعُد الكون كله وحدة غير متنازعة الأهداف، وهو يأمر بالتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. ولا فارق بين جنس أو لون أو عقيدة في الاستمتاع بعدل الله في ظل شريعة الله، في النظام الذي قرره الله عز وجل.

الحرب في الإسلام:

لقد جاء الإسلام ليحقق العدالة في الأرض قاطبة، ويقيم القسط بين البشر عامة. فمَن بغى وظلم وجانب العدل، فقد خالف عن كلمة الله. 

والإسلام يدعو المسلمين إلى دفع الظلم كافة؛ عن أنفسهم وعن كل مظلوم لا يملك له دفعًا، على ألَّا يعتدوا هم ولا يبغوا في أثناء رد العدوان {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [سورة البقرة: الآية 190].

وإذا كانت الدول الكبرى تحرص على القوة التي تُحدِث بها نوعًا من الحفاظ على هيبتها ووجودها ومصالحها -مع حسن الظن بعدم استخدامها في الاعتداء والبطش- فكيف لا يحق للمسلمين أن يكونوا أقوياء.

 فإعداد القوة واجب؛ ليكون في الأرض سلطة عليا ترد الشاردين عن الحق إليه - مع الأخذ في الاعتبار أنه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [سورة البقرة: الآية 256]- وتوقف الطغاة عن البغي والعدوان، وتحفظ على الآمنين أمنهم وسلامتهم، وتُعِز كلمة الله عن الاستخفاف والهوان، وتُقِر سلطان الله في الأرض، وتفرده- سبحانه- بالسلطان. {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله  وعدوكم} [سورة الأنفال: الآية 60].

حروب الإسلام لم تكن لإكراه الناس على الدين، ولا للاستعمار والاستغلال والإذلال، إنما كانت إعلاءً لكلمة الله في الأرض. وإيصال الخير الذي جاء به الإسلام للناس كافة عن طريق الرضا والاقتناع. وبتحقيق العدالة والأمن والسلام.

لقد تضمَّنت مبادئ الإسلام الأساسية ثورة حقيقية كاملة، تُعَد أكبر ثورة تحررية عرفتها البشرية، ثورة على ربوبية العباد للعباد، وأخرى على الظلم بكل صنوفه وأنواعه، وفي كل ميادينه ومجالاته؛ وثورة على النظم والحكومات والأوضاع التي تسند هذا الظلم، وتستبقيه لحساب فرد على جماعة في صورة حاكم أو مستغل، أو لحساب طبقة على طبقة في صورة إقطاعيّين ورأسماليّين وصعاليك! أو لحساب دولة على أخرى في صورة محتلين ومستعمرين.

فكيف كان السلام في العالم العربي؟

المتأمل في واقع العالم العربي يفجع لما آلت إليه حقيقة الشعوب في هذه البلاد، بعد أن مزقها الاستبداد والديكتاتوريات التي سيطرت على هذه الشعوب بدعم من الدول الكبرى، وفي أحيان بتدخل القوة الخشنة لهذه الدول، كما في سوريا وليبيا والعراق، وغيرها. 

وحالت الدول الكبرى -أو بعضها- دون أن تنعم الشعوب العربية بحريتها، وحقها في اختيار من يحكمها. 

وعندما عبَّرت هذه الشعوب عن اختيارها، وأقدمت على اختيار حاكم ذي خلفية إسلامية – مصر نموذجًا – تآلبت قوى الشر حتى أجهضت هذه التجربة.

ولم تترك القوى الغربية بلدًا إلَّا وتدخلت في سياسته وصنعت له القلاقل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى تحافظ على مصالحها في هذه الدول أولًا.

 وثانيًا، حتى لا يأتي حاكم ذو خلفية إسلامية؛ وإن أدَّى ذلك إلى سيطرة المستبدين على الحكم، أو الحكَّام المضمون ولاؤهم لهذه الدول. ولهذا لم تنعم "غالبية" البلاد العربية بالحرية ولا بالاستقرار، فمن أين يأتي السلام؟  

أين السلام "المزعوم" مع ما يحدث في سوريا؛ من قتل لشعبها –على مرأى ومسمع من العالم كله– ليس هذا فحسب، إنما تتدخل الدول الكبرى لتدعم الديكتاتور المستبد في قتل الشعب وإبادته؟!

أين السلام الدولي مما يحدث في اليمن، وتشريد أهله، وما جرَّته عليه ويلات الحرب؟ أين هو مما يحدث في العراق، من قتل وتدمير وخراب وتشريد؟

وأين السلام الدولي مما يحدث في فلسطين التي تئن تحت نير الاحتلال الإسرائيلي وفي ليبيا وتونس ومصر؟

ثانيًا: رحيل المؤرخ الموسوعي قاسم عبده قاسم

رحل عن عالمنا هذا الشهر (26 سبتمبر/أيلول 2021) المؤرخ الموسوعي والمترجم المصري "قاسم عبده قاسم" الأستاذ المتفرغ بقسم التاريخ بكلية الآداب - جامعة القاهرة، والمولود في 26 مايو/أيار 1942، والذي يُعَد رائدًا من رواد البحث التاريخي والدراسات التاريخية، تأليفًا وترجمة. 

أثرى المكتبة بحوالي 40 كتابًا ما بين المؤلَّف والمترجَم. وهو يجمع في كتاباته بين مهمة رجل التاريخ، ومهمة رجل الفكر، ويجمع في بحوثه وأطروحاته بين الحيدة والنزاهة والموضوعية.

عضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية التاريخية، يُنظر إليه باعتباره أحد المرجعيَّات المهمة في التاريخ الوسيط عمومًا، وعصر الحروب الصليبية بصفة خاصَّة. بل إنَّ البعض يعتبره أحد أهم روَّاد المدرسة التاريخيّة منذ الربع الأخير من القرن العشرين.

قال عنه الناقد "إيهاب الملاح": "الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم المؤرخ الجليل والأستاذ العالم المحقق والمترجم والمثقف الموسوعي صاحب التآليف المعتبرة والكتب المرجعية القيمة. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه خير الجزاء عما علم ونفع وأفاد.. {إنا لله وإنا إليه راجعون}".

رؤيته حول مصر والمصريّين والقضية الفلسطينية والمجتمع المدني:

المصري في مواجهة الظلم (المصريون لا يثورون إلا للعقيدة ولقمة العيش):

كان د. قاسم –رحمه الله– صاحب رؤية وفكر، ومرتبطًا بالواقع وما يعانيه المجتمع من مشكلات اجتماعية أو سياسية أو غيرها، وكان يبدي رأيه مستصحبًا ذخيرته التاريخية وعلمه الموسوعي بالتاريخ. 

وعن رؤيته حول مصر والمصريّين على امتداد التاريخ؛ تحدث عن أن المصري كان له أسلوبه الخاص في مواجهة الظلم؛ حيث نظَّم المصريُّون أول إضراب فى العالم بسبب لقمة العيش؛ وكان ذلك فى الأقصر عندما تأخرت رواتب صانعي التماثيل في الدولة الوسطى. 

وتحولت مطالبات العمال بأجورهم إلى أحداث شغب وعنف، وبسبب هذه المظاهرات اضطر الفرعون إلى تخصيص موارد إضافية لهؤلاء العمال. فالمصريون فى كل العصور كانوا لا يثورون إلَّا لشيئين هما: العقيدة، ولقمة العيش.

علاقة المصري بالسلطة على مدار التاريخ:

ويَرى أنَّ هناك عملية توحيد بين المواطن والأرض والحاكم. وفى العصر الفرعوني كان الحاكم يلعب دور الوسيط بين البشر والإله، حدث ذلك فى عصور الملوك الأقوياء، أمَّا في فترات الضعف، فعرفت مصر الانشقاق وتفتت الدولة، وكانت الناس تتأثر بذلك بشكل خطير، الفترة نفسها شهدت أول ثورة للفلاحين، وبسبب هذه المظاهرات والأخطار للحكام بدأ المصريون شيئًا فشيئًا بالتعامل مع الفراعنة على أنهم بشر عاديُّون يصيبون ويخطئون وليسوا أشباه آلهة.

وثورات المصريين، في العصر العبَّاسي مثلًا، لم تفرق بين مسلم ومسيحي عندما عمَّت المجاعة وانعدم الأمن وتولى الأمور حكَّام ضعفاء وغير عادلين.

 ثار الجميع، واستدعت الأمور مجيء الخليفة هارون الرشيد بنفسِه لمصر، وذلك بعد هزيمة قواته في أنحاء البلاد، وفي هذه الفترة درس مهم للغاية. الاحتجاجات في حينها كانت بسبب زيادة الضرائب وعدم عدالتها مع انتشار الفقر. استطاع الرشيد تهدئة المصريّين بدراسة أصل المشكلة، ولم يتماد في مسألة العقاب أو توسيع الحروب.

فى عهد الفاطميّين والمماليك تكرَّر سلوك المصريّين، لكن ظهرت علامات جديدة وخبرة اكتسبها المصريُّون مع التصاقهم بملوك وسلاطين عظماء وعادلين.

المصريُّون عشقوا "الظاهر بيبرس"، ليس فقط لدفاعه عن مصر والمقدسات الإسلامية في وجه الصليبيين والتتار؛ ولكن لعدله ولالتصاقه بالناس، ففي الأزمات والمجاعات وموسم الفيضان كانت كتفه إلى كتف المواطنين العاديّين.

والمصريون، طوال تاريخهم، كانوا يحترمون السلاطين الأقوياء، ولكن عندما كان ينهار الأمن وتتدهور أحوال الناس، كانت تظهر تجمعات شعبية مسلحة تشبه ما نسميه الآن «المليشيات»، ظهر ذلك خاصَّة في عصر المماليك.

ويذهب د. قاسم إلى أن ما يمكن أن يستخلصه من هذه المراحل التاريخية أن المصريّين كانوا دائمًا على دين ملوكهم، وأن المصريّين حصلوا على نوع الحكم الذي يستحقونه. ولو قارنا النظام الحالى (2009) بحكَّام القرن التاسع عشر مثلًا، فإن «القديم» كان أفضل وبكثير. "فما بالكم بما آلت إليه الأمور اليوم؟!".

لماذا تراجع الشعب المصري؟

هو يرى أنَّ التراجع الذي حلَّ بالمصريين، سببه: الحكومات المستبدة، والاحتلال، والمواجهات مع إسرائيل وهزيمة يونيو/حزيران 1967، والهجرة إلى الخليج، وغزو أموال البترول للعقل المصري، ونجاح المشروع الصهيوني الأميركي في اقتحام المنطقة لتفكيكها، والتعليم السيء الخالي من الإبداع ومن قراءة واستيعاب تاريخ الأجداد.

ويرى أن النخب لها دور أساسي في تحريك الشعوب، وكانت القضية الأساسية هي «الاستقلال المصري» أيَّام الاحتلال. 

وفي مرحلة لاحقة عرفت مصر مذاهب فكرية متنوعة مثل «الشيوعية» وظهر «الإخوان المسلمون»، والقوميُّون، وكل هؤلاء أنشؤوا مجتمعًا مدنيًّا حقيقيًّا في القاهرة والأقاليم.

القضيَّة الفلسطينيَّة: 

ويذهب إلى أن المؤامرة العالمية وضعف أنظمتنا، هما اللذان تسبّبا في ضياع فلسطين.

ويرى أن "إسرائيل" ستتفكك بعد جيل أو جيليْن بالكثير، فالقوة لا تضمن البقاء، وهذه الدولة المصطنعة عملت كلَّ ما بوسعها في سبيل البقاء. القدس سَتتحرَّر بسبب حماقة القوى الإسرائيلية.

المجتمع المدني والحضارة:

قال د. قاسم: إنه لتحقيق الإصلاح في العالم العربي يجب أن يوسع نطاق العمل الأهلي ليحل بديلًا عن الحكومات في المجالات الخدمية، وأن تنشط مؤسسات المجتمع المدني في حماية الجماهير؛ لأن الحرية -حسب رأيه- هي روشتة (وصفة علاجية) التاريخ للخروج من الأزمة وتحقيق النهضة. 

وأوضح أن امتلاك الحكومات لكل شيء ينحرف بأهداف المؤسسات، مشيرًا إلى أن التعليم عندما يكون مسؤولية الحكومات وحدها يتجه لما يهواه الحاكم لا لما ينفع الناس. وذكر أن التاريخ في المدارس يُكتَب حسب رغبة الحكَّام ويُعرَض للطلاب بطريقة مُمِلَّة ومُنفِّرة.

مؤلفاته:

أثرى قاسم عبده قاسم، المكتبة العربية، بالعديد من المؤلفات في مجالي التاريخ والترجمة، تتجاوز الأربعين كتابًا، تناولت جميعها التاريخ في كلِّ المراحل، ومن أبرزها.

  1. التاريخ الوسيط: قصة حضارة البداية والنهاية (جزءان)، القاهرة، عام 1984.

  2. رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية، القاهرة، عام 1987.

  3. النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، القاهرة، عام 1987.

  4. ماهية الحروب الصليبية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1990. عدة طبعات في الكويت (ذات السلاسل) والقاهرة (دار عين).

  5. فكرة التاريخ عند المسلمين: قراءة في التراث التاريخي العربي، القاهرة، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2001.

  6. قراءة التاريخ: تطور الفكر والمنهج، القاهرة، 2009.

  7. تاريخ مصر - من الفتح الإسلامي حتى الحكم العثماني ( كتاب مسموع).

  8. الحضارة العربية الإسلامية، ضمن سلسلة الحضارات المصورة، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2013.

  9. الحضارة المصرية القديمة، سلسلة الحضارات المصورة، دار عين، 2013.

كتبه المترجمة:

  1. جمهورية الخوف صورة للعراق تحت حكم صدام من الداخل، القاهرة، عام 1990.

  2. تأثير العرب على أوروبا العصور الوسطى، عام 1999.

  3. الحملة الصليبية الأولى: نصوص ووثائق، القاهرة، عام 2001 .

  4. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، دار الكتاب الجديد، بيروت.

  5. المسلمون وأوروبا: التطور التاريخي لصورة الآخر، القاهرة، عام 2007.

  6. الفتوح العربية الكبرى - كيف غيّر الإسلام العالم الذي نعيش فيه، المركز القومي للترجمة، مصر، عام 2008.

  7. الحروب الصليبية، ترجمة لتاريخ أوكسفورد للحروب الصليبية، المركز القومي للترجمة، عام 2008.

  8. الخطر الإسلامي - خرافة أم حقيقة؟ تأليف جون إسبوزيتو، المركز القومي للترجمة، عام 2010.

  9. الدين والعلم والتعليم في العصر العباسي، دار عين، عام 2015.

الجوائز التي حصل عليها: 

حصل المؤرخ الراحل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1983، وشهادة تقدير للتميُّز فى الإنتاج الأدبي من جمعية الآداب من مصر، عام 1985، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من مصر، عام 1983، وجائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2000، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2008.

 

الخاتمة

ما زالت الأزمات تطل برأسها من كلِّ مكان في العالم العربي، ولا نكاد نستبشر خيرًا بهدوء يَنعَم به قطرٌ من الأقطار العربيَّة حتى تنفجر الأمور مرة أخرى. 

فليبيا التي استبشر المراقبون خيرًا بسيرها في المسار الصحيح، جاء برلمان طبرق الداعم للمتمرد حفتر ليُعقِّد الأمور فيها، والسودان ينفجر الوضع فيها بسبب انقلاب فاشل أظهر هشاشة الوضع السياسي بها وعمق الخلافات التي لم تقضِ عليها اتفاقات الفرقاء. 

وما زال النظام المصري يتمادى في الإساءة إلى الشعب ولا ينظر بعين الاهتمام إلَّا إلى الخارج. 

أمَّا الشعوب العربيَّة، فما زالت تنتظر الخلاص من أزماتها التي تسبَّبت فيها نخب عسكريَّة وسياسيَّة وثقافيَّة لا تُعِير المواطن العربي اهتمامًا، وتسعى لمصالحها الخاصَّة، وتتركه يُعاني من الفقر والجهل والمرض، ويقاسي في ظِلِّ الاستبداد والفساد.

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

إسرائيل الإمارات الجزائر السعودية السودان الصين العراق المغرب الولايات المتحدة اليمن