التكتل المغاربي الجديد.. تعاون حقيقي أم ورقة ضغط على الرباط؟

حسن عبود | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

تجري دول مغاربية نقاشات تشاورية موسعة بهدف بلورة تكتل مغاربي شمال إفريقي جديد، في خطوة تثير حفيظة جيران آخرين، وسط انقسامات وتحالفات متباينة.

ففي 22 أبريل/نيسان 2024، عقدت أول قمة تشاورية في تونس بين الرئيس التونسي قيس سعيد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس مجلس الرئاسة الليبي محمد المنفي.

وعلى هامش القمة السابعة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، بالجزائر في مارس/ آذار 2024، اتفق تبون وسعيد والمنفي على عقد "لقاء مغاربي ثلاثي" كل ثلاثة أشهر، على أن يعقد الأول في تونس.

أهداف التكتل

لم تصدر معلومات كثيرة عن أهداف اللقاءات الدورية التي جرى الاتفاق عليها ولا عن جدول أعمال الاجتماع الأخير للزعماء الثلاثة الذين التقوا بالفعل في تونس.

وصدر بيان ختامي مساء 22 أبريل جاء فيه أن القادة الثلاثة أجروا مشاورات “شاملة وصريحة وبناءة، في أجواء أخوية مفعمة بروح التفاهم والتضامن”. واتفقوا خلالها على “استمرار عقد اللقاء بالتناوب بين الدول الثلاث”، دون تفاصيل إضافية.

وعلى هامش قمة الغاز، صرح الأطراف الثلاثة على حدة لوسائل إعلام محليّة أن الهدف من الاجتماعات هو “معالجة التحدّيات الأمنية والاقتصادية المُلحّة”.

كما أكد تبون والمنفي وسعيد أن هدف الاجتماعات الثلاثية الدورية يكمن في معالجة القضايا المشتركة بمختلف مستوياتها فضلا عن الوضع في غزة.

لكن كشف تبون في 31 مارس/آذار 2024 أن المسؤولين الثلاثة قد اتفقوا على “خلق كيان مغاربي موحد”.

وهذا يعني إطلاق منظمة إقليمية جديدة على أنقاض اتحاد المغرب العربي الذي أنشئ سنة 1989 وتعد الجزائر وتونس وليبيا، إضافة إلى المغرب وموريتانيا، أعضاء فيه.

وهذا التكتل المغاربي القديم كان يهدف إلى فتح الحدود بين الدول الخمس لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، وانتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين.

لكن في ظل الخلافات بين بعض دوله، يواجه الاتحاد منذ تأسيسه عقبات أمام تفعيل هياكله وتحقيق الوحدة المغاربية، ولم تُعقد أي قمّة على مستوى قادة الاتحاد منذ قمة 1994 في تونس. 

ولم تنجح محاولات إحياء اتحاد المغرب العربي بسبب الخلافات الجزائرية المغربية حول ملف الصحراء وملفات أخرى أبرزها التطبيع مع إسرائيل.

وتصاعدت الأزمة الدبلوماسية منذ قطع الجزائر علاقاتها مع الرباط صيف عام 2021، متهمة الأخيرة باقتراف "أعمال عدائية" ضدها، في سياق النزاع حول الصحراء وتطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل في مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على هذا الإقليم المتنازع عليه.

وإضافة إلى المغرب، يرى مراقبون أن التحالف الجديد يستهدف كذلك الإمارات التي شهدت العلاقات بينها وبين الجزائر توترا ملحوظا في الشهور الأخيرة.

وتسعى أبوظبي والرباط، اللتان طبعتا علاقاتهما مع تل أبيب، الأولى في أغسطس/ آب 2020، والثانية في ديسمبر/ كانون الأول من نفس العام إلى مساعدة إسرائيل على ترسيخ وجودها في المغرب العربي، وهو ما يثير حفيظة الجزائر.

في 10 يناير/كانون الثاني 2024، أبدى المجلس الأعلى للأمن في الجزائر، برئاسة تبون، أسفه من التصرفات العدائية لدولة عربية تجاه بلاده، دون أن يذكر اسمها، لكن وسائل إعلام ومحللون أشاروا إلى أنه يقصد الإمارات.

وعلق تبون نهاية مارس 2024، على ما تداوله المجلس الأعلى للأمن ملمحا إلى الإمارات ومحاولات إشعالها نار الفتنة في جوار الجزائر ومحيطها.

وقال: "في كل الأماكن التي فيها تناحر دائما مال هذه الدولة موجود. في الجوار، مالي وليبيا والسودان. نحن لا نكن عداوة لأحد، نتمنى أن نعيش سلميا مع الجميع ومن يتبلى علينا فللصبر حدود".

تفاعلات واسعة

وتعليقا على التحالف الشمال إفريقي المغاربي المرتقب، يوضح المحلل السياسي المغربي محمد شقير أن للجزائر نوايا خفية منه، حيث تهدف لمنافسة الرباط إقليميا في خطوة من تداعياتها شل اتحاد المغرب العربي (المعطل بالأساس).

وبين في حديث لـ"الاستقلال" أن الجزائر تحاول عزل المغرب من خلال استتباع كل من ليبيا وتونس اللتين تعانيان من عدم استقرار سياسي واقتصادي وأمني.

وبين أن ذلك يأتي بعدما حقق المغرب “انتصارات دبلوماسية وتطورات اقتصادية ترشحه لتبوؤ دور ريادي في المنطقة خاصة بعدما اعترفت الولايات المتحدة بمغربية الصحراء وبعدما دخلت الرباط في شراكات اقتصادية وامنية مع عدة قوى إقليمية ودولية وتحولت إلى بوابة إفريقية إستراتيجية للدول المتنافسة على استغلال الثروات الإفريقية”.

وذكر أن التكتل الجديد يأتي كذلك في وقت تحول فيه المغرب إلى منافس اقتصادي قوي لفرنسا في منطقة نفوذها بغرب إفريقيا ودول الساحل.  

ولفت إلى أن إقفال السلطات الجزائرية لحدودها مع المغرب وإطلاق الرباط مبادرتها الأطلسية دفعت الجزائر للبحث عن إنشاء تكتل يقوي من وضعها السياسي في التفاوض مع الجهات الأوربية خاصة فيما يتعلق بقضايا الهجرة غير النظامية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أطلق العاهل المغربي، مبادرة لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي، من خلال التعاون جنوب- جنوب الذي يقوم على أساس شراكة رابح- رابح.

وبين شقير أن الجزائر تحاول عبر التكتل الجديد، التغطية على فشلها في الانضمام إلى البريكس (تكتل سياسي اقتصادي دولي) خاصة أن تبون بصدد الترشح لولاية رئاسية ثانية ستجرى في سبتمبر (أيلول 2024)".

ويختلف أكاديميون ومحللون سياسيون جزائريون وآخرون من الصحراء الغربية مع رأي شقير ويرون أن المغرب هو المتهم بإجهاض محاولات التئام الاتحاد المغاربي وأنه يكيد المكائد للجزائر عبر التطبيع مع إسرائيل.

وقال الأكاديمي والمحلل السياسي الجزائري زهير بوعمامة في تغريدة على منصة إكس إن “مرحلة الفرز الجيوسياسي في المنطقة (بدأت)، كل طرف ينحاز إلى من يشبهونه”.

وأوضح في تغريدة أخرى: “المنطقة تتحرك لأجل مصالح شعوبها بعيدا عن أولئك الذين أجهضوا تجربة الاتحاد المغاربي، وجعلوا من أنفسهم مناولين لصالح الآخرين”.

بدوره، قال الصحفي من الصحراء الغربية زهير لحبيب إن “الجزائر اختارت الرهان على محيطها الإقليمي وجيرانها بينما اختار النظام المغربي الرهان على الكيان الصهيوني البعيد جغرافيًا”.

وقالت صحيفة الشروق الجزائرية في 22 أبريل إن القمة الثلاثية الأخيرة خيار منطقي، لدول رافضة لمسار التطبيع الذي انخرطت فيه الرباط، مبينة أنها “تشكل عملية فرز جديدة داخل المغرب العربي، كما هو الحال في الشرق الأوسط”.

إمكانيات النجاح

وعن التحالف الجديد، قال موقع بوابة تونس في 21 أبريل 2024: “حلم أو بالأحرى مشروع تبّون، يتمثل في خلق نواة منظّمة مغاربية جديدة، مع ترك الباب مفتوحا، والعبارة له” لأطراف أخرى باستثناء المغرب.

وهذا الباب المفتوح بإمكان موريتانيا أن تلج من خلاله “المنظمة الوليدة”، أما المغرب فإن لسان تبون “يترفّع” عن ذكرها كما ترفّع مجلس الأمن القومي عن ذكر حليفتها الإمارات مهندسة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي والمسؤولة عن ضرب المصالح الحيوية الجزائرية في دول الفناء الخلفي، وفق الموقع.

وانتقد انطلاق التحالف عبر محاولة حصار دولة مكوّنة للاتّحاد الذي يعاني “الموت السريري”، في إشارة إلى المغرب.

وعن إمكانية نجاح التحالف، يقول: “الأمر ليس باليُسْر المُفترض، خاصة أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي لا يحمل تفويضا لرسم السياسات الخارجية الليبية في زمن تعرف ليبيا تشتّتا في السلطات بين الشرق والغرب من ناحية، وتشظِّيًّا لها في طرابلس”.

ودأبت وسائل إعلام ليبية منذ إعلان القمة الثلاثية الدورية ثم بعد كشف تبون عن رغبته في إنشاء تكتل إقليمي على رفض السير في ركب أي مخطط من شأنه فرض واقع جديد في المغرب العربي يسمح لدولة ما بهندسة الفضاء الإقليمي لخدمة مصالحها حتّى وإن كان المعلن خلاف ذلك، وفق الموقع.

ويضيف سببا آخر يرجح من خلاله فشل التكتل هو أن موريتانيا ما تزال تنأى بنفسها عن هذا التحالف ولم تحضر اللقاء الثلاثي رغم إعلان تبون أن الأبواب مفتوحة أمامها. 

وبدوره، يرى المحلل السياسي محمد شقير في حديثه لـ"الاستقلال" أن نجاح أي تكتل يقوم على توفر مقومات اقتصادية وسياسية بنيوية وليست ظرفية. 

ومن هذا المنطلق فإن إنشاء التكتل في هذه الظرفية التي تعاني فيها ليبيا من انقسام سياسي وتدخل خارجي يضعف من عوامل نجاحه خاصة أن هناك جهات داخل ليبيا لا توافق عليه، مطالبة بتفعيل عمل مؤسسات الاتحاد المغاربي.

على الطرف الآخر، يوضح أن تونس تعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تترك لها حرية اختيار الانضمام الى التكتل بالإضافة إلى عدم استقرار نظام قيس سعيد الذي مازال يواجه معارضة سياسية داخلية ويفتقد لدعم خارجي قوي.

كما أنه مما يضعف إنشاء هذا التكتل هو فقدانه لتصور إستراتيجي، حيث إن هناك اختلافا حول إذا ما كان سيقتصر على التنسيق بين وجهات النظر في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي أم سيكون تكتلا مؤسساتيا يتطلب تمويلات كبرى.

وهو ما يطرح تساؤلات عن مصادر هذه التمويلات وهل ستكون بمساهمات من الدول؟ وهل بعضها كتونس وليبيا قادر على توفير هذه الموارد أم ستتحكم فيها الجزائر مما يجعل التحالف تحت سلطتها؟

وتابع: يطرح تساؤل كذلك حول مستقبل هذا التحالف إذا جرى تغيير في الوضعية السياسية لبعض دوله عبر صعود قوى جديدة ومدى قبولها به.

وبين أن كل هذه العوامل تجعل شروط إنجاح هذا التكتل غير متوفرة خاصة وأن باقي دول المنطقة مثل المغرب موريتانيا ترى أنه قد أسس لمحاربتها.

كما ترى الدولتان أن التكتل الجديد سيكون سلاحا في يد الجزائر ضدهما مما سيؤدي الى خلق مناخ سياسي غير ملائم لاستمراره وسينظر إليه على أنه عامل إضافي لتقزيم اتحاد المغرب العربي وإضعافه، يختم شقير.

من جانبه، يقول المحلل السياسي المغربي خالد الشيات: “المبادرة الجزائرية غير مجدية لأنها أحادية أبوية تريد أن تضع إستراتيجيات وتفرضها على بقية الدول الأخرى”.

وبين في حديث لـ"الاستقلال" أن الجزائر تفرض رؤيتها اليوم على تونس لأن الأخيرة أصبحت دولة ذيلية تعد حديقة خلفية للأولى على فرض أنه لم يعد لها قرار والرئيس قيس سعيد أفرغها من دورها التاريخي المعروفة به".

وشدد على أن “الجزائر تتعامل بأبوية مع ليبيا والنيجر وبوركينا فاسو ومالي ومحيطها الذي أصبح يكن لها العداء بسبب تقاربها مع إيران".

واتهم الجزائر بأنها "أصبحت بمثابة نقطة متقدمة للنظام الإيراني في منطقة شمال إفريقيا وتخدم أجندة طهران المذهبية التوسعية”، بحسب تقديره.

واستبعد الشيات أن “تكون ليبيا ساذجة إلى الحد الذي يدفعها للقبول بالتخلي عن التوازن المطلوب في العلاقات مع محيطها خاصة المغرب”.