توتر مشتعل.. ماذا وراء تحذيرات الجزائر للإمارات من “نفاد صبرها”؟

15427 | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

يبدو أن تباعد وجهات النظر بين الجزائر والإمارات في كثير من القضايا، بدأ يحدث خرقا سلبيا في العلاقات المشتركة، على الرغم من محاولتهما تجنب التوتر.

كانت آخر مؤشرات ذلك، تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، علق خلالها على ما تداوله المجلس الأعلى للأمن في البلاد من حديث، يخص "تصرفات عدائية لبلد عربي شقيق" ضد الجزائر.

وجاءت التصريحات في مقابلة للرئيس على التلفزيون الجزائري شاركت فيها قناة الجزائر 24 الإخبارية. وكانت كل المؤشرات تشير إلى دولة الإمارات دون أن ينعت المجلس الأخير أو تبون هذه الدولة الخليجية بالاسم.

"للصبر حدود"

وإجابة على سؤال، عما إذا ما كان امتناع المجلس عن ذكر اسم البلد يمثل فرصة أخيرة أمامه حتى يراجع مواقفه، أجاب الرئيس تبون بما يفيد بأن الجزائر تكظم غيظها عن التصريح بأي كلام عنيف إزاء تلك الدولة، متضرعا بالدعاء لها "بأن يهديها الله سواء السبيل".

ووجه تبون رسالة تحذير لدولة الإمارات، دون أن يذكرها بالاسم، حيث وصف تصرفاتها بغير المنطقية، وراح يقول: "يبدو أنهم قد أخذتهم العزة بالإثم".

وفي حديثه، بدا الرئيس الجزائري مباشرا في توجيه أصابع الاتهام للإمارات، في إشعال نار الفتنة في جوار الجزائر ومحيطها.

وقال: "في كل الأماكن التي فيها تناحر دائما مال هذه الدولة موجود. في الجوار، مالي وليبيا والسودان. نحن لا نكن عداوة لأحد، نتمنى أن نعيش سلميا مع الجميع ومن يتبلى علينا فللصبر حدود".

وفي إشارة إلى ما يبدو أنها ضغوط مورست على بلاده من "الدولة الشقيقة"، ذكر الرئيس تبون بأن الجزائر لن تركع.

وذكر الدولة التي لم يسمها بأن تأخذ العبرة من الدول العظمى، "التي تجد كل الاحترام من الجزائر، وفي المقابل تلقى منها الجزائر بدورها كل الاحترام".

وعلى الفور تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي الشريط المصور للرئيس الجزائري، موجهين أصابع الاتهام إلى دولة الإمارات.

ولم يكن حديث تبون وإطلاق رسائل تحذيرية في هذا التوقيت مفاجئا أو غير متوقع بالنسبة للشعب الجزائري.

إذ سبق كلام تبون، تولي وسائل إعلام جزائرية محلية وقوى سياسية وحزبية، مهمة مهاجمة دور الإمارات في الضغط على الجزائر لتغيير مواقفها من بعض الملفات التي ترى فيها أنها غير قابلة للتنازل حول غزة وموضوع التطبيع مع إسرائيل.

ورغم أن الجزائر والإمارات على المستوى الرسمي لم تصدرا أي بيانات أو حدوث أمور من قبيل سحب سفراء وإعلان قطيعة دبلوماسية بين البلدين، إلا أن التراشقات من قبل الأذرع الإعلامية بينهما ما تزال حاضرة بقوة.

فقد رد على الرئيس تبون بشكل غير مباشر، أنور بن محمد قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، بقوله: "غريب أمر إحدى الدول الشقيقة البعيدة تمارس الغمز واللمز حول علاقاتها مع (أبوظبي)، وتواصل التلميحات المبطنة دون إفصاح أو توضيح".

وأضاف قرقاش في تغريدة على حسابه في منصة "إكس": “ومع ذلك فالترفع عن الرد والصبر على التطاول سيبقى سبيلنا، فالحكمة موروثة عند قيادتنا التي تعد العلاقات مع الدول الشقيقة أولوية وركيزة محورية في سياستنا”.

كما هاجم المستشار السابق لرئيس الإمارات، عبد الخالق عبد الله، دولة الجزائر أيضا بشكل غير مباشر ودون أن يذكرها بالاسم.

وقال عبد الله في تغريدة على حسابه في منصة "إكس": "حديث رئيس دول عربية عن دولة عربية أخرى محزن وغير موفق".

وأضاف قائلا: "سيادة الرئيس لديك أزمات داخلية عويصة عالجها بالحكمة والإدارة الرشيدة ولا تسقطها تلميحا وجزافا على طرف خارجي في محاولة ميكيافيلية مكشوفة للهروب إلى الخارج لتغطية أخطاء الداخل، ندعو لسيادته بالهداية في العشر الأواخر من رمضان"، وفق وصفه.

خلافات حادة

وكان التطبيع بين عدد من الدول العربية وعلى رأسها الإمارات مع إسرائيل، نقطة تحول كبيرة في العلاقة بين أبوظبي والجزائر التي كانت متانتها مشهودا لها زمن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وبعد توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020، خرج تبون، وقال إن الجزائر لن تبارك ولن تشارك في ما أسماه "الهرولة نحو التطبيع".

وأضاف في مقابلة تلفزيونية بثها التلفزيون الحكومي، في 20 سبتمبر/أيلول 2020 أن القضية الفلسطينية بالنسبة للشعب الجزائري "قضية مقدسة"، و"أم القضايا".

وأكد حينها أن “مفتاح الشرق الأوسط هو حل القضية الفلسطينية” وأن ذلك غير ممكن إلا من خلال قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشريف.

وتصريحات الرئيس الجزائري أغضبت الإمارات، وعدتها تحديا وتأليبا للرأي العام العربي ضدها، لا سيما أنها كانت راعية اتفاقيات التطبيع "أبراهام" عربيا.

لكن رئيس الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان تسلم في 25 يناير/كانون الثاني 2023 رسالة من نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، تتصل بسبل تعزيز "العلاقات ومواصلة جهود الدفاع عن قضايا الأمة العربية".

وحينها حمل تلك الرسالة صالح بوشة، مبعوث الرئيس الجزائري، الذي استقبله ابن زايد في قصر البحر بالعاصمة الإماراتية، أبو ظبي.

إلا أن الصراع الدموي الذي اندلع بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" منذ 15 أبريل/ نيسان 2023، دفع الجزائر للوقوف ضمنيا مع الأول.

وبدا هذا الموقف الجزائري غير مستساغ من قبل الإمارات التي دعمت قائد قوات الدعم السريع "حميدتي" بشكل كبير.

لدرجة أن تبون، قال خلال استقباله البرهان، في يناير 2024 إن بلاده تقف إلى جانب السودان لتجاوز الظروف الصعبة و"مواجهة قوى الشر التي تستهدفه".

كما أن من مؤشرات الصدام بين الجزائر والإمارات، ما ظهر في مطلع أغسطس/آب 2023 عندما كانت الأولى تنتظر إعلان دخولها البريكس الدولي وهو تكتل يضم الصين والبرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا، ويعد نفسه بديلا عن الهيمنة الاقتصادية الغربية.

لكن المفاجأة كانت في إعلان رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا موافقة مجموعة "بريكس" على انضمام 6 أعضاء جدد إليها، بينهم مصر والسعودية والإمارات، ليرتفع عدد أعضائها إلى 11 دون أن تكون الجزائر ضمن لائحة الأعضاء الجدد.

وهو الأمر الذي عدته الجزائر، حسب مصادر، مؤامرة حيكت ضدها منعتها من دخول المجموعة الاقتصادية، رغم الدعم الروسي الذي حظيت به.

وخاصة أنه لدى إعلانه طلب الجزائر الانضمام إلى بريكس، في يوليو/تموز 2023 كشف تبون أن بلاده تريد أن تصبح عضوا مساهما في البنك التابع لها بمبلغ 1.5 مليار دولار.

وعقب ذلك، تحدثت مصادر صحفية، عن أن الجزائر متيقنة من أن الإمارات، التي دخلت البريكس في 25 أغسطس 2023، لعبت دورا حاسما في إفشال مساعيها لدخول التكتل، وذلك بالتنسيق مع الهند.

وأضافت المصادر نفسها أن تبون، صرح في لقاء إعلامي لم يُبَث، بأن الإمارات دفعت الهند للعب دور الفيتو ضد دخول الجزائر مجموعة البريكس الاقتصادية.

ومما يدلل على وجود حرب من تحت الرماد بين الجزائر والإمارات، هو إعلان الرئاسة الجزائرية، في 21 يونيو/حزيران 2023 بأن تبون، عزل وزير الاتصال محمد بوسليماني، من دون ذكر السبب.

لكن جاءت إقالة الوزير بعد حوالي ساعة من بث تلفزيون "النهار" الخاص، خبرا مفاده أن السلطات طلبت من السفير الإماراتي مغادرة البلاد، "في ظرف 48 ساعة"، بعد ضبط واعتقال 4 رعايا إماراتيين بشبهة التجسس لفائدة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. 

ولم تنسب القناة، التي يوجد مديرها في السجن بتهمة الفساد، هذا الخبر لأي مصدر.

وقد أصدرت وزارة الخارجية، على أثر عزل الوزير بوسليماني، بيانا أكد فيه المتحدث باسمها، أنه "ينفي نفيا قاطعا ما تم نشره وتداوله، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، من أخبار كاذبة حول طلب الوزارة من السفير الإماراتي مغادرة التراب الجزائري".

أزمة صامتة

واليوم يعود التوتر في العلاقة بين الجزائر والإمارات، ضمن تذكير الأولى لأبوظبي بعدم التدخل في شؤونها على غرار تدخلها في اليمن وليبيا.

إذ تدعم أبوظبي اللواء الانقلابي خليفة حفتر، في الوقت الذي تُساند فيه الجزائر حكومة طرابلس، إضافة إلى النزاع الحديث في السودان الذي تدعم فيه الإمارات "حميدتي".

وعلق الإعلامي الجزائري أحمد حفصي على حديث الرئيس الجزائري بالقول: "عيال زايد ملطخة أياديهم القذرة بدماء الفلسطينيين والسودانيين والسوريين واليمنيين والليبيين، وأينما وجد الخراب ابحث عن عاصمة المؤامرات الإمارات".

وأضاف حفصي قائلا على حسابه في منصة "إكس": "الجزائر ليست قطر التي حاصرتموها وعدتم لها صاغرين ولا ليبيا التي قسمتموها ولا السودان التي تمولون الاقتتال بين أبنائه ولا اليمن الذي تحتلون جزره".

وضمن هذا الإطار، رأت الإذاعة الفرنسية الدولية "rfi"، أن هناك أزمة دبلوماسية "صامتة" بين الإمارات والجزائر، مشيرة إلى أن هذه الأزمة بدأت تتخذ أبعادا اقتصادية وليس فقط سياسية.

وقالت الإذاعة في هذا السياق إن القرار الجزائري الأخير المتعلق بإيقاف إبرام العقود مع معاملات "الشركة الجزائرية-الإماراتية للتبغ" (STAEM) التي تستحوذ عليها الإمارات داخل الجزائر يشير إلى تلك الأزمة.

وبينت الإذاعة أن هناك خلافات في وجهات النظر بين الطرفين في عدد من القضايا، مثل التوترات في منطقة الساحل وليبيا، حيث يقف البلدان على طرفي نقيض.

كما أشارت الإذاعة الفرنسية الدولية، في نفس السياق، إلى سبب آخر من أسباب التوتر، يرتبط بالمملكة المغربية.

إذ تعد الإمارات حليفا للمغرب في الوقت الذي تنقطع فيها العلاقات بين الجزائر والرباط منذ عام 2021.

بالإضافة إلى أن المغرب والإمارات طبعتا علاقاتهما مع إسرائيل، وتتهمهما الجزائر بلعب أدوار ضد مصالحها، في منطقة الساحل الإفريقي وخاصة من الجارة الجنوبية مالي.

إذ تشترك الجزائر مع مالي في شريط حدودي يقدر بنحو 1400 كيلومتر، مما يعكس حجم التحدي الأمني والإستراتيجي الذي تواجهه بتطورات الوضع الأمني في البلد الجار، حيث يستدعي تأمين الحدود الإقليمية حشدا عسكريا ولوجيستيا كبيرا.

ولهذا رعت الجزائر ثلاث اتفاقيات للسلام أعوام 1992 و2006 وأخيرا 2015 بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة من الطوارق شمالي البلاد.

إذ تشكل الحدود الجنوبية خاصرة رخوة في الأمن الإقليمي الجزائري، ولذلك توليها القيادة السياسية اهتماما بالغا، خاصة مع تداخل الجوانب المؤثرة، على غرار الهجرة السرية والتهريب والجريمة العابرة للحدود والتنظيمات المتطرفة.

وسبق أن أشارت تقارير إعلامية حول التوتر الإماراتي الجزائري، بأنه يرجع لدعم الإمارات للمغرب في قضية الصحراء الغربية، والذي يلعب دورا مهما في الاتهامات الجزائرية المتواصلة لأبو ظبي.

خاصة أن الأخيرة تسهم باستثمارات ضخمة في الصحراء الغربية المتنازع عليها بين الرباط وجبهة البوليساريو التي تلقى تأييدا من الجزائر.

ونقلت صحيفة "الخبر" الجزائرية في تقرير لها نشر في 28 يوليو 2023 عن مصادر موثوقة قولها "إن الأعمال العدائية الممارسة ضد الجزائر، والتي يقودها مسؤولون إماراتيون، زودوا المغرب بنظام متطور آخر معد للجوسسة على الجزائر".