3 آلاف من "المارينز" إلى الشرق الأوسط.. هل تخشى أميركا من بداية نهاية نفوذها؟

في إطار خطة تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري بالمنطقة، أعلن الأسطول الخامس الأميركي، في 7 أغسطس/آب 2023، وصول أكثر من ثلاثة آلاف من قوات "المارينز" البحرية إلى الشرق الأوسط.
وصول الأسطول الخامس، الذي يوصف بأنه "جيش متقدم لواشنطن في الشرق الأوسط"، جاء عقب شكاوى خليجية من نفض أميركا يدها من أمن الخليج، ورد دول خليجية بالتعاون مع خصوم أميركا في المنطقة، خاصة روسيا والصين.
ويعتقد أن هذا التحرك الأميركي هدفه إعادة اكتساب ثقة الخليج، وأن له علاقة باقتراب كل من السعودية والإمارات والبحرين أكثر من الصين وروسيا، وتقديم طلبات رسمية للانضمام إلى مجموعة "بريكس"، التي تقودها الصين.
لكن محللون يرون أن نشر القوات الأميركية، له دلالات أخرى، منها التصدي للإيرانيين الذين كثفوا احتجازهم لسفن تحمل نفطا خليجيا، ردا على العقوبات والمضايقات الأميركية، وقد أشار لذلك بيان الأسطول الخامس.
فيما يرى فريق آخر أن التحركات الأميركية تستهدف بالأساس عدم إخلاء هذه الساحة الحيوية (المنطقة الخليجية والعربية) لخصومها روسيا والصين، والعودة إلى مواجهة خصوم إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في المنطقة العربية.
التصدي لإيران
بيان الأسطول الخامس أكد أن وصول 3 آلاف بحار أميركي إلى المنطقة له هدفان، الأول، تعزيز التواجد العسكري في الشرق الأوسط، دون أن يقول "في مواجهة من؟" وربما يشير ضمنا إلى الوجود الصيني والروسي المتعاظم في المنطقة.
أما الهدف الثاني الواضح، وفق البيان، فهو "ردع إيران عن احتجاز السفن وناقلات النفط".
وهو هدف يبدو غريبا، لأنه جاء عقب الكشف عن اتفاق بين أميركا وإيران في 12 أغسطس 2023 لتبادل الأسرى والأموال، ويعده محللون "مقدمة لتهدئة شاملة" قد تُعيد الاتفاق النووي وتؤدي لرفع العقوبات الأميركية.

وقال المتحدث باسم الأسطول الخامس، تيم هوكينز، لـ"وكالة الأنباء الفرنسية" في 8 أغسطس 2023، إن عملية الانتشار تستهدف "ردع النشاط المزعزع للاستقرار".
كما تستهدف "تخفيف التوترات الإقليمية الناجمة عن مضايقات إيران ومصادرة السفن التجارية".
وإضافة إلى إرسال 3 آلاف من الجنود الجدد للمنطقة، نشرت البحرية أيضا سفينتين حربيتين في البحر الأحمر، هما السفينة الهجومية البرمائية (يو أس أس باتان) وسفينة الإنزال (يو أس أس كارتر هول)، ويمكن للأولى حمل أكثر من 20 طائرة، وفقا للبيان.
ويقول الجيش الأميركي إن إيران احتجزت أو حاولت السيطرة على زهاء 20 سفينة في المنطقة خلال العامين 2021 و2022.
وأعلنت واشنطن أن قواتها منعت محاولتين إيرانيتين لاحتجاز ناقلتي نفط في المياه الدولية قبالة عمان في 5 يوليو/ تموز 2023 بينما صادرت طهران سفينة تجارية في اليوم التالي.
وفي أبريل/نيسان وأوائل مايو/ أيار 2023، صادرت إيران ناقلتين في غضون أسبوع في المياه الإقليمية، كما شنت هجوما بطائرة مسيرة على ناقلة مملوكة لشركة إسرائيلية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول أميركي (لم تسمه) مطلع أغسطس 2023 عن خطط "لنشر حراسة أمنية مكونة من عناصر من مشاة البحرية والبحرية على متن ناقلات تجارية تمر من مضيق هرمز وبالقرب منه؛ لتشكل طبقة دفاعية إضافية لهذه السفن المعرضة للخطر".
وفي 18 يوليو/تموز 2023، أعلنت واشنطن إرسال مقاتلات إضافية من طرازي إف-35 وإف-16، بجانب بارجة حربية إلى الشرق الأوسط، في محاولة لمراقبة الممرات المائية الرئيسة في المنطقة.
مغازلة الخليج
وتشهد العلاقات بين واشنطن وكلا من الرياض وأبو ظبي حالة من الاحتقان بسبب ما يقول خليجيون إنه عدم إظهار واشنطن دعمها الكافي للسعودية والإمارات حين ضربت صواريخ الحوثي الإيرانية مصافي النفط "أرامكو"، ومناطق في دبي.
وفي 31 مايو 2023، أعلنت الإمارات انسحابها من "تحالف القوة البحرية الموحدة"، الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما عد إشارة غضب.

وبعد يومين، من إعلان واشنطن وصول جنودها المارينز إلى الشرق الأوسط، انطلقت أول مناورات عسكرية جوية إماراتية صينية، لم تحدد وزارة الدفاع الإماراتية مكانها ولا مدتها، ولكنها تعكس تطور التعاون العسكري بين البلدين، الذي أصبح يقلق الولايات المتحدة.
لكن مجيء القوات بالتزامن مع مناورات جوية إماراتية-صينية، ومشاورات دبلوماسية صينية مع السعودية، أثار تساؤلات حول واشنطن ومبادراتها لاستعادة ثقة حلفائها الخليجيين، ولتأكيد أنها ما زالت ملتزمة بأمن الخليج.
تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" أكد في 8 أغسطس 2023 أن "تحركات السياسة الإماراتية تربك إدارة الرئيس جو بايدن، ولا تعرف هل تريد أبو ظبي الاستغناء عن أميركا أم فقط تعديل شكل التحالف معها، أم تتجه بشكل متزايد نحو مسار مستقل".
وتسعى أبو ظبي من خلال هذه الخطوة إلى لفت انتباه واشنطن بأنها جادة في تنويع شركائها الأمنيين، حتى ولو كانت الأخيرة تعدهم أكبر تهديد لهيمنتها العالمية.
وفي 19 نوفمبر 2021، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، مقالا يتحدث عن إنشاء الصين قاعدة عسكرية قرب ميناء خليفة في أبو ظبي، ما أثار حفيظة واشنطن التي تحركت سريعا لعرقلة المشروع.
إلا أن المخابرات الأميركية لاحظت في ديسمبر/كانون الأول 2022، استئناف البناء في المشروع، وفق صحيفة "واشنطن بوست" في 26 أبريل 2023، ما يؤشر لرغبة صينية في التغلغل "عسكريا" في منطقة الخليج بشكل تدريجي لا يثير ردة فعل أميركية قاسية.
انضمام السعودية إلى منظمة "شنغهاي للتعاون" (SCO)، وتقديمها طلبا رسميا للانضمام إلى مجموعة "بريكس"، وتوقيعها اتفاقا مع إيران برعاية صينية، عده محللون أيضا ردا على تخاذل واشنطن في ردع إيران، وأذرعها في المنطقة وعلى رأسهم مليشيا "الحوثي" في اليمن.
و"شنغهاي للتعاون" منظمة دولية تأسست في 15 يونيو/حزيران 2001، وتضم 8 دول أعضاء، الصين والهند وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان.
وانضمت أخيرا عدة دول عربية، السعودية ومصر والكويت والبحرين وقطر والإمارات، إلى "شنغهاي للتعاون" التي تقودها الصين بصفة "شريك حوار"، وسط ترحيب كبير من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
مركز جذب
انضمام هذه الدول دفع إلى التساؤل عن إمكانية تحول هذه المنظمة إلى مركز جذب جديد لدول الشرق الأوسط، في ظل رغبتها الابتعاد عن الهيمنة الأميركية.
وكانت الإمارات آخر دولة عربية تُمنح رسميا صفة "شريك حوار" للمنظمة، وذلك على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء، الذي عُقد في 4 و5 مايو/أيار 2023.
ورغم الجفاء بين الرياض وواشنطن، إلا أن الأخيرة كثفت من تحركاتها الدبلوماسية تجاه الرياض في الأشهر الأخيرة، رغم أن خبراء يرون أن هذا مرتبط بخطة التطبيع مع إسرائيل.
لكن بدأت تتكشف بعض الخطوط العريضة لخطة الولايات المتحدة بشأن الشرق الأوسط، قبيل الانتخابات الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وتقول صحف أميركية إن خطة البيت الأبيض تقوم على جر السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل، وإبعادها عن التحالف مع الصين، مقابل التوقيع على اتفاقية أمنية معها، ومساعدتها على بناء مشروع نووي مدني.
وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية في 7 أغسطس 2023، شدد المحلل السياسي، توربيورن سولتفيدت، على أن "الأمن سيبقى نقطة شائكة في العلاقات الأميركية الخليجية، حتى لو تضاءل التهديد الذي تشكله الهجمات الإيرانية على الشحن على المدى القصير".
وتابع: "سيستمر التصور بأن الولايات المتحدة لا تفعل ما يكفي لتحديد الهجمات الإيرانية على الشحن الدولي، وأن هناك حاجة إلى نهج أميركي جديد وواضح".
وفي تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية في نسختها الإنجليزية أشارت إلى أن "زيادة الولايات المتحدة من وجودها العسكري في الخليج هي خطوة طالبت بها دول الخليج العربية التي اتهمت واشنطن بالانسحاب من المنطقة".
ونقلت الوكالة في 16 أغسطس/آب 2023 عن المتحدث باسم الأسطول الخامس بالبحرية الأميركية، تيم هوكينز، قوله إن "هناك تهديدا متزايدا وخطرا متزايدا على البحارة الإقليميين فيما يتعلق بمصادرة إيران سفنا في مضيق هرمز"، مضيفا أن "هذا سبب وجودهم".
وبحسب هوكينز، فإن الـ3 آلاف جندي مارينز والسفن الحربية الأميركية سيضافون إلى أكثر من 30 ألف جندي موجودين بالفعل في الشرق الأوسط.
مواجهة مباشرة
وأكد تحليل لموقع "أتالايار" الإسباني أن نشر هذه القوات الإضافية "يأتي في إطار التنافس بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ في الخليج العربي".
وأوضح الموقع عبر تقرير نشره في 9 أغسطس/آب 2023 أن "الانتشار الأميركي يأتي في وقت يتزايد فيه الحضور الصيني في منطقة الخليج، حيث تعد بكين التهديد الرئيس لواشنطن، لأنها الدولة الوحيدة التي يستطيع اقتصادها ونفوذها تحدي موقع الولايات المتحدة كزعيم للعالم".
وفي أبريل 2023، توسطت بكين في صفقة لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران وإعادة فتح سفارتيهما بعد سبع سنوات من التوترات.

منذ ذلك الحين، تطورت العلاقات بين طهران ودول الخليج العربية تدريجيا، عبر زيارات رسمية.
وحذر مسؤولون أميركيون من مبيعات الأسلحة الصينية في الشرق الأوسط، قائلين إنها قد تقوض قدرة الجيش الأميركي على الاندماج مع شركائه في المنطقة، بحسب ما نقله موقع "بيزنيس إنسايدر" في 18 أغسطس/آب 2023.
ونقل الموقع البريطاني عن خبراء أن "الصين لا تقدم لدول المنطقة أسلحة من شأنها أن تحل محل الأسلحة الأميركية بشكل مباشر، لكن الاهتمام المتزايد بما تبيعه بكين يعكس رغبة طويلة المدى لدول الشرق الأوسط في تنويع مورديها وقلقها المتزايد بشأن التزام الولايات المتحدة بالمنطقة".
وزادت مبيعات الأسلحة الصينية في الشرق الأوسط بنسبة 80 بالمئة خلال العقد الماضي، نتيجة لتوسيع علاقات بكين مع الدول بالمنطقة، واستعدادها لتسليم الأسلحة بشكل أسرع وبشروط أقل من واشنطن.
ومنذ عام 1987، وبناء على طلب من الكونغرس، تصدر الولايات المتحدة إستراتيجيات للأمن القومي، ومنذ عام 2002 أصدرت الولايات المتحدة 18 إستراتيجية تغطي فترة حكم الرؤساء السابقين والرئيس الحالي بايدن.
تراجع النفوذ
وتحدث العديد من الجهات الأميركية خلال الشهور الأخيرة عن "بداية نهاية النفوذ الأميركي في العالم"، سواء على المستوى السياسي أو حتى على المستوى الاقتصادي، في ظل تراجع الاهتمام الأميركي ببعض مناطق النفوذ وتركها للصين وروسيا.
وفي ظل حالة التغيير الكبير الذي يطرأ على النظام الدولي في الآونة الأخيرة، وظهور قوى جديدة على المسرح الدولي.

وأشارت لهذا مجلة "نيوزويك" الأميركية، في 3 مايو/أيار 2023، بقولها إن "القرن الذي شهد سيطرة الولايات المتحدة، بدأ في الانتهاء من منطقة الشرق الأوسط".
ونقلت عن رئيس مجموعة الأزمات الدولية، فرانك غوسترا، قوله إن "إلغاء اعتماد دول العالم على الدولار الأميركي قد أصبح حتمية لا مفر منها"، كمثال على هذا الانحسار للنفوذ.
وقال غوسترا إن "فكرة فقدان الدولار لهيمنته لم تكن تخطر ببال غالبية دول العالم المتقدم".
تقرير "نيوزويك" أكد أن العبارة التي قالها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، عند لقائهما بالعاصمة موسكو في مارس 2023، وهي أن "هناك تغييرات كبرى لم نشهد مثلها خلال قرن من الزمن"، لم تكن مجرد عبارة دعائية، بل أقرب لتكون حقيقة معبرة عن تغير كبير في النظام الدولي.
وأوضحت أن "هذا الأمر واضح بشدة في منطقة الشرق الأوسط، الذي كرست الولايات المتحدة الكثير من موارده، لصياغة نظام القرن الحادي والعشرين"، ولكن ملامح هذا التغيير لغير صالح أميركا يمكن رصدها بسهولة بالأدلة.
ونجحت الصين في الوساطة بين السعودية وإيران، لتسحب بكين دور الوسيط الذي استحوذت عليه واشنطن لعقود، بين دول المنطقة.
وقال الدبلوماسي الأميركي المتقاعد، تشايس فريمان" للمجلة الأميركية، تعليقا على سبب هذا التراجع: "نحن نتبجح ثم نهدد ثم نتوعد، ثم نفرض العقوبات، ثم نرسل الجنود، ونبدأ بالقصف، ولا نمارس أبدا فن الإقناع".
المصادر
- 3,000 Sailors and Marines Arrive in Middle East aboard USS Bataan, USS Carter Hall
- US beefs up Gulf deployment over Iran oil tanker threat
- An Oil-Rich Ally Tests Its Relationship With the U.S.
- FACT SHEET: The Biden-Harris Administration’s National Security Strategy
- إستراتيجية الأمن القومي الأميركي: الصين "التحدي الجيوسياسي الأكثر أهمية" للولايات المتحدة
- The End of the American Century Begins in the Middle East
















