اختير شخصية العام.. موقع بريطاني: روسيا والإمارات تسعيان لتحسين سمعة حميدتي

كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عن محاولات روسية وإماراتية جارية لتحسين سمعة قائد قوات الدعم السريع في السودان، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.
يأتي ذلك بعد اختيار المفوضية القومية لحقوق الإنسان بالسودان (غير حكومية) في ديسمبر/كانون الأول 2022، لحميدتي "شخصية عام 2022" في مجال حقوق الإنسان بالبلاد.
ووصف الموقع هذا التكريم بأنه "مثير للدهشة إلى حد بعيد"، بالنظر إلى الجرائم التي ارتكبتها قوات حميدتي ضد المتظاهرين الداعمين للمسار الديمقراطي، وضد إقليم دارفور أيضا.
ويُعد حميدتي ثاني أقوى رجل في السودان وقائد قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه نظامية، ولدت من رحم مليشيا الجنجويد سيئة السمعة، المتهمة بارتكاب فظائع في دارفور وجنوب كردفان وولاية النيل الأزرق.
وتحت قيادته، لعبت قوات الدعم السريع دورا محوريا في الانقلاب العسكري عام 2021، وشنت العديد من حملات القمع ضد المتظاهرين المعارضين للانقلاب، مُخلِّفة عشرات القتلى ومئات من الجرحى.
وأكد التقرير أن "المفارقة أوضح من أن تخطئها عين، فجائزة رجل العام في المجال الحقوقي هي مجرد حلقة في سلسلة محاولات حميدتي لتحسين صورته، وهو – في الحقيقة- ينفق الكثير في سبيل تحقيق هذا الهدف".
"لكن محاولات حميدتي لكسب القلوب والعقول، سواء داخل القطر السوداني أم خارجه، لا تسير كلها كما هو مخطط لها"، يضيف التقرير.
مبادرات فاشلة
فعلى سبيل المثال، افتتح حميدتي أندية على مستوى البلاد، ليتمكن المواطنون في الأحياء الفقيرة من مشاهدة مباريات كأس العالم 2022 في قطر مجانا.
لكنه فشل في هذا المسعى، إذ إن أماكن المشاهدة ظلت هادئة إلى حد كبير، بعد دعوة "لجان المقاومة السودانية" إلى مقاطعة المباريات هناك، معتبرة أنها محاولة للتملق، ومحذرة الحكومة من استغلال الرياضة.
لم يَقنَع حميدتي بذلك، بل وزع 200 جهاز بث لقنوات bein sports القطرية، على الأندية الرياضية والاجتماعية في الأحياء الفقيرة بالبلاد، بدعم من الأجهزة المحلية والمجموعات الشبابية المقربة من قوات الدعم السريع والاتحاد السوداني لكرة القدم.
لكن في مناطق مثل حي بري، وهو مركز للحركات المؤيدة للثورة السودانية، جرى رفض استقبال هذه الشاشات والأجهزة المخصصة لمشاهدة المباريات.
وقال أحد العاملين بالنادي لموقع "ميدل إيست آي": "رفضنا تسلم هذه الشاشات، لأن سكان الحي رفضوا ذلك، فلدينا شهداء وقعوا بسببهم، لذا لا يمكننا قبول عرض كهذا على الإطلاق".
بدوره، صرح المحلل الرياضي، حسن فاروق، أن الكثيرين رأوا حملة حميدتي على أنها تدخل حكومي في النشاط الكروي، وهو أمر قد يؤدي إلى فرض عقوبات من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وحذر قائلا: "نرى حميدتي يحاول اجتذاب الشباب إلى جانبه من خلال هذه الأفعال الدنيئة، لكن هذا لن ينجح وأعتقد أنه قد يؤدي إلى عقوبات من الفيفا؛ لأنه ينتهك استقلال المجال الكروي في السودان".
وحسب الموقع البريطاني، فإن كرة القدم لم تكن المجال الأول الذي يحاول حميدتي استغلاله، فقد افتتحت قوات الدعم السريع مدارس وعيادات في المناطق النائية، ودعمت مبادرات لتوفير المياه الصالحة للشرب.
كما وفرت الإمدادات الطبية والمعدات للمجتمعات التي عانت من الفيضان، وجلبت اللقاحات ضد فيروس كورونا من الإمارات، ورعت مصالحات بين القبائل.
وبينما أدت هذه المبادرات إلى إغاثة المحتاجين، كشف صحفيون وشيوخ بعض القبائل أنه جرى عرض مبالغ كبيرة عليهم للترويج لقوات الدعم السريع، لكنهم قابلوا عرض حميدتي بالرفض.
دور إسرائيلي-إماراتي
وذكر الموقع أن الهجرة غير النظامية هي إحدى وسائل حميدتي للحصول على الاعتراف الدولي، إذ أنشأ قاعدة كبيرة في الصحراء بين السودان وليبيا، لقمع أولئك الذين يسعون إلى السفر لأوروبا، بحثا عن ملاذ اقتصادي أو سياسي.
كما حث حميدتي الاتحاد الأوروبي مرارا وتكرارا على الاعتراف بجهوده في إغلاق طرق الهجرة إلى أوروبا، حسب التقرير.
ورغم أن "عملية الخرطوم" المشتركة بين الدول الأوروبية والإفريقية تزود السودان بالأموال لحل مشكلة الهجرة غير الرسمية، فإن الاتحاد الأوروبي اضطر إلى إنكار أن هذه الأموال تذهب لقوات الدعم السريع في نهاية المطاف.
وكشف التقرير أن محاولة حميدتي لتلميع صورته في الخارج بدأت عام 2019، عندما دفع 6 ملايين دولار لشركة "ديكنز آند مادسون" الكندية، المملوكة لضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، آري بن ميناشي.
كما نقل "ميدل إيست آي" عن ثلاثة مصادر مقربة من حميدتي أنه يتلقى دعما من كبار ضباط المخابرات الإماراتيين، وقد جنّد العديد من كبار المستشارين السياسيين السودانيين عبر هذا الدعم.

وفي الوقت نفسه، أغلق موقع "فيسبوك" حسابات كانت قد أنشئت خصيصا للهجوم على الخصوم السياسيين لحميدتي، واللافت أنها انطلقت من الأراضي الروسية.
ولم تكشف شركة "ميتا" المالكة لفيسبوك تفاصيل عن الشبكات الروسية التي كانت وراء هذه الحسابات. لكن جهات مرتبطة بشركة المرتزقة الروسية "فاغنر" سبق اتهامها بتكتيكات مماثلة.
وبحسب ما نُقل عن مالك شركة "الجنيد" المنتجة للذهب، والتي تعمل في نهر النيل ودارفور وجنوب كردفان وولايات أخرى، فإن لدى حميدتي أموالا طائلة يمكنه إنفاقها حيثما شاء.
وعلاوة على ذلك، فإن شركات التعدين الروسية المرتبطة بـ"فاغنر"، والمقربة من الكرملين، تدفع للجيش السوداني مبالغ ضخمة، للسيطرة على احتياطيات الذهب في البلاد، حسبما أورد التقرير.
ردود فعل غاضبة
وبالعودة إلى جائزة رجل العام، فقد استقبلت مخيمات النازحين جراء الصراع في دارفور، خبر نيل حميدتي للجائزة بالذهول، باعتبار أنه أحد أبرز المتسببين في مأساتهم، حسب التقرير.
وأدان المتحدث باسم مخيمات النزوح في دارفور، آدم ريجال، قرار اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، مؤكدا أنه "احتيال وغش واضح، فضلا عن كونه خيانة".
وتعجب ريجال: "كيف يمكن للمعتدي أن يصبح المدافع؟"، مضيفا أن "هذه الجائزة مؤلمة للغاية بالنسبة لهم كضحايا حرب، ولجميع الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في المخيمات، أو يلتمسون اللجوء في جميع أنحاء العالم".
وأوضح الحقوقي السوداني أن "انتهاكات قوات الدعم السريع مازالت مستمرة، فهناك أربعة ملايين شخص مازالوا في المخيمات وتهاجمهم المليشيات بشكل يومي، والوضع يزداد سوءا بمرور الوقت".
ومن جانبه، أشار مدير المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام، مساعد محمد علي، إلى أن المدافعين عن حقوق الإنسان بموجب القانون الدولي، هم أفراد أو مجموعات تعمل على تعزيز تلك الحقوق أو حمايتها أو السعي للحصول عليها، عبر الطرق السلمية.
"وبناء على هذا التعريف، لا يمكن اعتبار حميدتي مدافعا عن حقوق الإنسان، لأنه ببساطة قائد في دولة تنتهك حقوق شعبها يوميا"، يضيف علي.
وشدد مدير المركز الحقوقي على أن "حميدتي متورط في جرائم ممنهجة وواسعة النطاق ضد القانون الدولي لحقوق الإنسان، مثل القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاعتقال التعسفي للمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين السياسيين".
وألمح "علي" إلى أن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان – التي منحت حميدتي الجائزة- ليست مستقلة، ولا تتوافق مع المعايير الدولية، قائلا إنها "تفتقر إلى المصداقية قولا واحدا".

















