طالبان وإيران.. جاران مضطربان فرقهما اختلاف المذهب وجمعهما العداء لأميركا
.jpg)
رغم سماح أغلب دول العالم بتنظيم تحركات شعبية داعمة للمظاهرات النسائية الداعية لإسقاط نظام الملالي في إيران، إلا أن قادة أفغانستان كان لهم رأي آخر.
إذ أطلقت عناصر من حركة "طالبان" النار في الهواء، لتفريق تجمع لنساء نظم أمام سفارة طهران بالعاصمة كابل، وطالب بسقوط نظام الملالي الديكتاتوري في إيران.
وتظاهر عشرات النساء الأفغانيات في 29 سبتمبر/ أيلول 2022، ورددن هتافات مثل "الحياة حرية، وإيران تنتفض، والآن جاء دورنا، ومن كابل إلى إيران قولوا لا للدكتاتورية!" قبل أن تفرقهن طلقات طالبان.
ورغم موقف طهران المحافظ تجاه المرأة، إلا أن مراقبين رأوا أن خطوة الفض تأتي في سياق تقارب ملحوظ فرضته الظروف الجيوسياسية بين إيران والحركة التي تحكم أفغانستان منذ أغسطس/ آب 2020.
ومنذ ذلك التاريخ تحاول إيران مد الجسور مع حكام أفغانستان الجدد المعروفين بخطابهم السني الأصولي المعادي للشيعة، ودفعهما نحو هذا الاتجاه عداؤهما المشترك للولايات المتحدة وأنشطتها بالمنطقة.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الإيرانية منتصف سبتمبر على خلفية مقتل الشابة مهسا أمنيتي بعد توقيفها من قبل "شرطة الآداب"، تُلقي طهران التهم على المحتجين بتلقي التوجيهات من أميركا لإثارة الشغب بالبلاد.
وتشترك أفغانستان مع إيران في حدود تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، وغياب نظام مستقر في جارتها الشرقية سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد والأمن بالنسبة لطهران.
عدو مشترك
وتعد أولى وقائع التقارب الطالباني الإيراني، كشف مجلة "إنتيليجنس أونلاين" الفرنسية، المختصة بالشؤون الاستخباراتية، أن الحرس الثوري الإيراني يتدخل في أفغانستان لكسب النفوذ ومواجهة سيطرة باكستان على البلاد.
وأضافت في عددها الصادر بتاريخ 27 يناير/ كانون الثاني 2021، أن "طهران تعمل انطلاقا من مدينة مشهد الواقعة على الحدود الأفغانية، والتي تعد قاعدة فرقة (رمضان) المسؤولة عن أفغانستان، وتتبع لفيلق القدس تحت قيادة إسماعيل قآني".
وأوضحت أن "طهران استفادت من حشد مجلس شورى طالبان في مشهد (قبل صعودهم للسلطة)، الذي يترأسه زعيم الحركة هيبة الله آخوند زاده، بعد اغتيال سلفه أختر محمد منصور في غارة أميركية بطائرة مسيرة عام 2016".
وكان يشرف مجلس الشورى في مشهد على مجلس شورى طالبان بمدينة كويتا الباكستانية، والذي كان يضم أيضا أعضاء شبكة حقاني، التي كانت تدار تقليديا من قبل الاستخبارات الباكستانية، وفق المجلة الفرنسية.
وكان مركز الجزيرة للدراسات قد ذكر أنه من أهم أسباب التقارب بين طالبان وإيران التنافس بين طهران والرياض، فإيران تعتقد أن تنظيم الدولة بخلفيته السلفية يمكن أن يكون وسيلة بيد السعودية لتهديد المصالح الإيرانية في أفغانستان.
وأضاف في ورقة بحثية بتاريخ 2 فبراير/ شباط 2017: "من هنا تقاربت إيران مع طالبان للحفاظ على مصالحها والحيلولة دون نفوذ التنظيم، وأرادت عن طريق إعلان علاقاتها بالحركة للضغط على الحكومة الأفغانية بعد أن أيدت التحالف السعودي الإماراتي ضد الحوثيين في اليمن".
ولفت المركز إلى أن إيران "لم ترد أن تستخدم ورقة الشيعة في ذلك، لئلا تتضرر مصالحها في أفغانستان، فضلا عن أطماع إيران في العالم الإسلامي، وسعيها للمحافظة على مصالحها عن طريق هذه العلاقات".
فرع شيعي
أما العامل المشترك الآخر بين إيران وطالبان داخل أفغانستان هم الشيعة أنفسهم، وكلاهما يعملان على وتر الطائفية، فالشيعة الأفغان وإن كانوا على نفس مذهب إيران، لكن يقع بعضهم ضمن مناطق سيطرة طالبان، والبعض الآخر في زمام المشهد المعقد في سائر عموم البلاد.
وحسب تقديرات مركز الدراسات الإسلامية الشيعية الإيراني في 6 يونيو/ حزيران 2017، تبلغ نسبة المواطنين الشيعة 22 بالمئة من إجمالي تعداد الشعب الأفغاني، ويتمركزون في المناطق الأفغانية المتاخمة للحدود الإيرانية، كذلك يوجدون في مناطق هرات، وغزنة، ومزار شريف.
ورغم العداء التاريخي بين طالبان والشيعة، لكن تقلبات المسرح السياسي دفعتهم إلى التقارب خلال السنوات الأخيرة معهم، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2016، أعلنت الحركة عن تأسيس فرع لطالبان في قلب إقليم هزارة تنتمي عناصره إلى المذهب الشيعي، ما عُد سابقة حينها.
وفي 4 سبتمبر/ أيلول 2021، نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ورقة بحثية، تتناول موقف إيران من جارتها أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي وصعود حركة طالبان للحكم.
وقال المعهد: "يحاول الإيرانيون انتهاج سياسة براغماتية للتعاون مع طالبان من أجل حماية مصالحهم، وتقوية مكانتهم إقليميا".
وذكر أنه "رغم الاختلافات المذهبية بين النظام الإيراني وطالبان، وتظهر إيران نفسها كأنها المدافع عن الشيعة في العالم، إلا أنها قد تختار التغاضي عن مضايقات طالبان للشيعة في أفغانستان من أجل تأمين المزيد من المصالح".
وتعضد دراسة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ألا يتغير نهج طهران البراغماتي تجاه طالبان نظرا لما تمثله أفغانستان من أهمية كبيرة لأمن إيران القومي وسياستها الإقليمية، في ظل التطورات المتلاحقة.
منطقة نفوذ
وفي رؤيته للمشهد، قال المحلل السياسي رمضان بورصا إنه "من غير الممكن لإيران، التي ترى أفغانستان ضمن دائرة الخطوط الأمنية ومناطق النفوذ الثقافي، أن تظل غير مبالية بنظام طالبان والتطورات في أفغانستان".
وأضاف لـ"الاستقلال": "تعد أفغانستان سوقا اقتصادية مهمة لإيران بسبب العقوبات الاقتصادية التي بدأتها الولايات المتحدة بسبب ملفها النووي، والتي تزداد صعوبة يوما بعد يوم".
وتابع: "من ناحية أخرى، على الرغم من مرور أكثر من عام، لم يعترف العالم رسميا بحكومة طالبان، فيما اختارت إدارة طالبان إقامة علاقة مع إيران من أجل استيراد المنتجات التي تحتاجها البلاد بسهولة".
مع ذلك، يستدرك المحلل التركي، من الممكن تحديد أن طالبان غير مرتاحة بشأن سياسة إيران الصاعدة والهابطة في أفغانستان منذ عام 1979.
وأكد بورصا أن "تشكيل مناخ في أفغانستان يضمن مصالح إيران السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية ليس متوقعا على المدى القصير".
واستدرك قائلا: من ناحية أخرى، تشير علاقة إيران مع الهزارة الشيعية وإقصاء طالبان للشيعة من المعادلة السياسية على الرغم من كل الضغوط الإيرانية إلى هشاشة العلاقات بين إيران وطالبان.
وعن دوافع التقارب بين الطرفين، قال بورصا: "كان على إيران أن تتخذ موقفا إلى جانب طالبان التي أصبحت الأقوى على الأرض ضد الولايات المتحدة، بسبب تطورات مهمة مثل أن حكومة كابل التي تسيطر عليها واشنطن خفضت كمية المياه من سد كمال خان إلى إيران عبر أفغانستان".
ومضى يقول: "القوة المتزايدة لتنظيم الدولة في أفغانستان، والتهديد الأمني الذي يشكله الوجود الأميركي في أفغانستان، وأزمة المياه والمصالح الاقتصادية دفعت إيران إلى الاتصال بطالبان بعد الغزو ودعمها ماليا وعسكريا".
وخلص إلى القول إن العلاقات بين إيران وطالبان، التي بدأت مناقشتها في الصحافة الدولية والرأي العام الدولي اعتبارا من عام 2009، تعمقت في الفترة 2014-2015، ثم أخذت منحى مختلفا في 2021 عندما وصلت طالبان مرة أخرى إلى سدة الحكم".
وشدد بورصا على أنه بالفعل تعمقت العلاقات بين إيران وطالبان، المتحالفتين ضد الولايات المتحدة، وتعززت بما يكفي لفتح طالبان مكتبا تمثيليا لها في منطقة مشهد في إيران".

















