حال تعديل الدستور.. هل يلعب الجيش الجزائري دورا في صراعات المنطقة؟
.jpg)
لم يخض الجيش الجزائري عمليات قتالية في الخارج منذ حروب العربية الإسرائيلية عامي 1967 و1973، لكنه بموجب ما أعلنته اللجنة المكلفة بإعداد مقترح لدستور جديد عن إجراء تعديل جوهري يمسّ ما كان يُعد من "ثوابت العقيدة العسكرية"، يمكن للجيش أن يعود مرة أخرى لخوض الحروب خارج حدود البلاد.
نصت المادة 31 من مشروع الدستور المقترح على أنه "يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها، أن تشارك في عمليات حفظ واستعادة السلام".
كما نصت المادة 91 من مشروع الدستور على أن "رئيس الجمهورية الذي يتولى مسؤولية الدفاع الوطني، يقرر إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين من أعضائه".
وبين تخوفات في داخل الجزائر من جرّ جيش البلاد، إلى صراعات خارجية، يرى آخرون أنها ضرورة تمليها الظروف الإقليمية خاصّة في ظل تعدد القوى الإقليمية المتدخلة في المنطقة.

العقيدة الدفاعية
حسب آخر تصنيف لمعهد "غلوبال فاير باور" المختص بقوة جيوش دول العالم، احتل الجيش الجزائري عام 2020، المركز 28 في التصنيف، والمركز الثالث عربيا بعد مصر التي تحتل المركز التاسع عالميا والسعودية التي تحتل المركز 17 عالميا، كما جاء في المركز الثاني إفريقيا والأول مغاربيا.
منذ عام 2011، تتعرض القيادة السياسية في الجزائر لضغوط خارجية وحتى داخلية، من أجل الانخراط في حروب خارج حدود البلاد. لكن النظام الجزائري تمسك طوال هذه الفترة بتأكيد مبدأ العقيدة الدفاعية التي تمنع الجيش من الانخراط في حرب خارجية، وأن مهمة القوات المسلحة هي الدفاع عن الحدود، والحفاظ على أمن واستقرار البلاد.
وتشير التقاليد العسكرية الجزائرية التي تظهر في بيانات الجيش، وخطب الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وقائد الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح، إلى أن الجيش سيواصل العمل بعقيدته الدفاعية والقتالية الثابتة القائمة على اعتبار الجيش قوة سلم وأمن، وتركيز مهمته في الدفاع عن الحدود دون السماح للجيش بتنفيذ عمليات خارجية.
في كل بيانات الجيش وخطابات القيادة، يتم تأكيد "الجاهزية للدفاع عن الوطن في وجه المتربصين به"، وكذا أهمية التزام الجيش الجزائري بدوره التاريخي وهو الدفاع عن الأمة والشعب.
وفي 26 مارس / آذار 2011، قال أحمد قايد صالح: "العقيدة العسكرية هي في عمومها نتاج لعمق فكري وثقافي وحضاري تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، تستمد مبادئها من الإرث التاريخي والنضالي للأمة، وكفاحها المستميت ضد الاستعمار، ومن قيمها الدينية والمعنوية، ومن المثل العليا للدولة وتشريعاتها".
وأوضح في كلمة خلال ملتقى حول العقيدة العسكرية للجيش الجزائري، أنها (العقيدة العسكرية) "تتم مراجعتها وتحيينها كلما تطلب الأمر ذلك، لتتكيف مع متغيرات المعطيات الجيوسياسية، وهي بذلك تمثل أسس سياسة الدفاع الوطني، ومرتكزا رئيسيا لصياغة الإستراتيجية العسكرية".
الأشهر الأخيرة من عام 2012 شهدت تدخلا عسكريا فرنسيا في دولة مالي بداية 2013، واتصالات مكثفة وزيارات مسؤولين فرنسيين للجزائر في إطار الضغط على الجزائر من أجل المشاركة في العملية العسكرية الفرنسية في مالي المسماة "سرفال".
كما دعت السعودية عام 2016 الجزائر للمشاركة في القوة العربية المشتركة، إلا أن الجزائر وكما قال وزير خارجيتها السابق رمطان لعمامرة في تصريح للإذاعة الجزائرية في سبتمبر / أيلول 2016، رفضت طلب السعودية، وتمسكت بمبدأ العقيدة الدفاعية للجزائر التي تمنعها من إرسال قوات للقتال خارج الحدود.

للضرورة أحكام
في مقال لها على موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، اعتبرت الكاتبة داليا غانم أن اعتماد التعديلات الدستورية سيشكل تغييراً كبيراً، حيث شجعت الجزائر، منذ استقلالها عن فرنسا عام 1962، على سياسة عدم التدخل، وسعت إلى الوساطة والاندماج والحوار مع جميع الجهات الفاعلة.
ولاحظت الكاتبة أن الجزائر تحاول على ما يبدو، ضمن تضاريس إقليمية جديدة تتميز بالتهديدات على الحدود، "إعادة التموضع من خلال الانحراف عن مبادئها الصارمة بعدم التدخل"، وقالت إن "إعادة صياغة هذه العقيدة قد يستغرق المزيد من الجهد والوقت، لكنها بالتأكيد ترفع إحدى المحرمات الهامة".
صحيفة لوفيغارو ذكرت في مقال لها أنه في أوساط الدوائر المطلعة على التطورات داخل الجيش الجزائري، يتم الحديث أيضا عن أن إضفاء الطابع الدستوري على التدخلات الجزائرية يمكن أن يمثل أيضًا بداية "سياسة خارجية أكثر استباقية".
الصحيفة الفرنسية استشهدت بأن"عودة اللواء محمد بوزيت على رأس جهاز الوثائق والأمن الخارجي، تعدّ إشارة قوية لهذه الديناميكية، كون الأخير يحظى بتقدير كبير، وهو خبير في الشأن الليبي والمالي".
لوفيغارو نقلت عن ضابط جزائري رفيع المستوى متقاعد قوله: "على أي حال، لن يتم إرسال القوات للقتال. لأن عدم مهاجمة بلد آخر هو أحد مبادئ سياستنا الخارجية. لن تفعل الجزائر أبداً ما فعله المغرب في اليمن (المشاركة في التحالف السعودي الإماراتي)، أو ما فعلته مصر في ليبيا (عندما قصفتها، رداً على هجوم على الأقباط في 2017). أما بالنسبة لجمهورية مالي، فإن التدخل العسكري في عش عقارب كهذا لن يعني شيئًا على الإطلاق".

الساحة الليبية
في الفترة الأخيرة، زاد القلق الرسمي والشعبي من التطورات الراهنة في ليبيا والتدخلات الأجنبية التي خلخلت الأمن في المنطقة، حيث تشهد الساحة الليبية تعدد المتدخلين.
وأكّدت تقارير أممية تدخل دول مثل الإمارات والسعودية ومصر في دعم ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بالإضافة إلى وجود مرتزقة روس يتبعون شركة " فاغنر"، ومرتزقة آخرين من تشاد والسودان.
كما أن المبادرة الفرنسية المتعلقة بـ"مجموعة الخمس - ساحل" (مالي، تشاد، النيجر، موريتانيا وبوركينا فاسو) بهدف ملاحقة التنظيمات المسلحة، أثارت حفيظة الجزائريين، وهو ما دفع الرئيس تبون إلى تخصيص أول اجتماع لمجلس الأمن القومي الذي عُقِد نهاية يناير/كانون الثاني 2020، لبحث الوضع في مالي وليبيا تحديداً.
ويُتوقع أن تؤدي هذه الرخصة الدستورية الجديدة إلى تغير لافت في السياسة الإقليمية للجزائر، ومراجعة شاملة للمبادئ السياسية الخارجية للبلاد، التي ظلت أسيرة فكرة عدم التدخل العسكري في دول المنطقة، بما يؤدي إلى تغيّر موازين القوى في المنطقة، وتبدل أدوات تفعيل الموقف في دول الجوار التي تشهد توترات ونزاعات داخلية.
مهّد لذلك تطور سريع في المواقف الجزائرية من الأحداث الجارية في ليبيا، خاصّة بعد وصول عبدالمجيد تبون لسدة الحكم، حيث اعتبر مراقبون للشأن الجزائري نشاطه الدبلوماسي "عودة الجزائر إلى المشهد الإقليمي كدولة محورية".
عقب استقبال تبّون رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، قالت الرئاسة في بيان "الجزائر تعتبر طرابلس خطا أحمرا ترجو ألا يجتازه أحد".
كما أعلن الرئيس الجزائري نهاية أبريل/ نيسان 2020، أن بلاده كادت أن تطلق مسارا لحل الأزمة الليبية، لكن جهات عطلت هذا الحل لحسابات سياسية.
وخلال مقابلة مع وسائل إعلام محلية بثها التلفزيون الرسمي، قال تبون "كنا قاب قوسين أو أدنى من الحل في ليبيا وإطلاق عملية سياسية، لكن المساعي فشلت، وهناك من عطل الجهود الجزائرية، لأنه يعتقد أن ذلك سيكون نجاحا دبلوماسيا وبروزا لها في المنطقة". دون أن يفصح تبون عن اسم الدولة التي عطلت المسار.
المصادر
- موقع بريطاني: لماذا يريد الجيش الجزائري تغيير “عقيدته” العسكرية؟
- هذه حقيقة وخلفيات مقترح إرسال الجيش خارج الحدود
- عضو بـ"الأمة الجزائري": عمليات الجيش في الخارج تفعل اتفاقيات "الدفاع المشترك" مع بعض الدول
- الجيش الجزائري..عقيدة عسكرية تصد ضغوطا غربية وعربية
- اعتبرت طرابلس خطا أحمر.. أي خيارات للجزائر في الأزمة الليبية؟
















