الدبلوماسية المصرية.. هل تنقذ نهر النيل من أضرار سد النهضة؟

محمد سراج الدين | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في تصعيد واضح، تشهد الدبلوماسية المصرية حراكاً مكثفاً خلال الأسابيع الماضية، فيما يتعلق بملف سد النهضة، بدأته بعرض شامل خلال الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة، عن المعوقات التي تضعها إثيوبيا، وتعنُّتها أمام أي حلول تقترحها القاهرة، ثمَّ عُقِد لقاء هو الأول من نوعه لسفراء الدول الأوروبية المعتمدين بالقاهرة، عن مخاطر بناء السد على الوضع المائي للمصريين.

التحركات المصرية تُشير إلى أنَّ صداماً مكبوتاً يشوب العلاقات المصرية الإثيوبية، رغم التصريحات الوردية السابقة لرئيس نظام الانقلاب العسكري بمصر عبد الفتاح السيسي، عن توصُّله لاتفاق مع رئيس الوزراء الاثيوبي آبي أحمد أثناء زيارته للقاهرة قبل عدة أشهر، وهي الزيارة التي شهدت أداء المسئول الإثيوبي للقسم أمام السيسي بأنَّ بلاده لن تضر بالأمن المائي لمصر.

لماذا تحركت القاهرة إذن بهذا الشكل الموسع خلال الأيام الماضية؟، وهل يمكن أن يكون لهذه التحركات فائدة لصالح مصر؟، أم أن الجانب الإثيوبي ماض في طريقه بعد أن باتت كل السيناريوهات المصرية واضحة أمامه؟

رؤية أحادية

يُشير البيان الذي أصدرته الخارجية المصرية الخميس الموافق 12 سبتمبر / أيلول الجاري، إلى عدم ارتياح مصر لطول أمد المفاوضات المتعلقة بسد النهضة، وحسب مساعد وزير الخارجية المصرية للشؤون الإفريقية السفير حمدي سند، فإنَّ مصر قدمت للجانب الإثيوبي طرحاً عادلاً لقواعد ملء وتشغيل السد يحقق أهداف إثيوبيا في توليد الكهرباء من سد النهضة ويحفظ في نفس الوقت مصالح مصر المائية.

ووفق المسئول المصري، فإنَّ الطرح مبني على المناقشات التي تمت بين البلدين في هذا الشأن وعلى الالتزامات الواردة في اتفاق إعلان المبادئ الموقع في 23 مارس/آذار 2015 بالخرطوم والذي يقضي باتفاق الأطراف الثلاثة على قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة.

إلا أنَّ جديد ما أكَّده المسئول المصري بعد لقاءه بسفراء الدول الغربية بالقاهرة، أنَّ إثيوبيا رغم أنها لم ترفض هذا الطرح ولكنها تتعامل معه ومع المفاوضات بشكل عام بسوء نية، وأنَّ رفض الطرح المصري ليس له إلا معني واحد وهو الإصرار على فرض رؤية أحادية دون الاكتراث بمصالح الآخرين أو الاهتمام بتجنُّب الأضرار التي ستقع على دولتيّ المصب، وبالأخص مصر التي تعتمد على نهر النيل كشريان للحياة للشعب.

تأتي تحركات الخارجية المصرية بعد تصريحات سابقة مثَّلت خطورة أطلقها وزير الموارد المائية والري محمد عبد العاطي، أكَّد فيها أنَّ مصر سلَّمت بالفعل كلاً من إثيوبيا والسودان رؤيتها فيما يتعلق بأسلوب الملئ والتشغيل أثناء فترات الفيضان والجفاف.

كما وجَّهت مصر الدعوة بناء على مطلب الجانب الإثيوبي بتعديل موعد الاجتماع السداسي بين الدول الثلاث والذى كان مقرر انعقاده فى أغسطس/آب ليُصبح منتصف سبتمبر/أيلول الجاري للتوصل إلى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

الخيار العسكري

وفق متابعين، فإنَّ القاهرة بهذه الخطوات الدبلوماسية يبدو أنها تُلقي بأوراقها الأخيرة، في محاولة لإيجاد تكتل دولي يقوم بالضغط على إثيوبيا، خاصة وأنَّه منذ سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير، فإنَّ الكرة أصبحت لصالح الجانب الإثيوبي بشكل كبير.

ويُشير المتابعون لتطورات ملف سد النهضة، أنَّه خلال السنوات الأربع الأخيرة، شهدت المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا والخُرطوم، عدة جولات على مستويات مختلفة، تراوحت بين لقاءات قمة على مستوى قادة الدول، واجتماعات ثلاثية (تضمُّ وزراء ري الدول الثلاث)، وسداسية (تضمُّ وزراء الري والخارجية)، وتساعية (تضمُّ بجانب وزراء الري والخارجية قادة أجهزة الاستخبارات في الدول الثلاث).

إلا أنَّ جميع هذه اللقاءات ورغم تعددها، لم تصل إلى حل نهائي، ووصلت في بعض محطاتها إلى تبادل الاتهامات العلنية بتحميل "مسؤولية فشلها"، لا سيما الاجتماعين السداسي والتساعي في أبريل/نيسان 2018، وأواخر العام ذاته على الترتيب.

ووفقاً لهذه التطورات طرح الباحث السياسي أحمد عبد الحكيم محرر الشئون السياسية بصحيفة "إندبندنت عربية"، عدة تساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام القاهرة بعد تعثر المفاوضات مع الجانب الإثيوبي.

عبد الحكيم أشار إلى أنَّ الخيار العسكري لم يعُد له وجود، أو على حد وصف العسكريين الذين تحدثوا له، فإنَّ آوان هذا الخيار قد ولى ولم يعُد مطروحاً، بل إنَّه أصبح مستحيلاً في ظل الظروف الإقليمية والدولية، فضلاً عن التزام الأطراف الثلاثة باتفاق إعلان المبادئ الموقَّع في الخُرطوم 2015.

وحسب تصريحات لمساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الإفريقية السفيرة منى عمر، فإنَّ التعويل يمكن أن يكون على اللقاءات الثنائية التي يمكن أن تجمع بين السيسي وآبي أحمد، وهي اللقاءات التي يمكن أن تصل لحلْحلة مريحة فيما يتعلق بالحصول على البيانات المتعلقة بطريقة إدارة السد وكيفية التخزين.

وينقل عبد الحكيم عن الخبير العسكري والإستراتيجي المُقرَّب من الدوائر العسكرية الرسمية المصرية اللواء جمال مظلوم، قوله: إنَّ "خيارات مصر أصبحت محصورة في الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، من خلال الضغط من أجل التعاون والضغط الدوليين، بمسارات إفريقيَّة ودوليَّة، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن التحالفات الإقليمية المتاحة للقاهرة مثل جامعة الدول العربية".

ويرى مظلوم أنَّه يجب على مصر أن تمارس ضغوطاً اقتصادية، مستخدمة الإمارات والسعودية، اللتين تمتلكان نفوذاً قوياً لدى إثيوبيا، خاصة وأنَّ مساحة الخيارات التي كانت متاحة لمصر في السابق لم تعُد كما هي الآن.

مخاوف مصرية

عوَّلت مصر كثيراً على المجلس العسكري في السودان من أجل الضغط على الجانب الإثيوبي، وهو ما تمثَّل في زيارة ثنائية قام بها وزير الخارجية المصري برفقة رئيس جهاز المخابرات المصرية، للخرطوم، بعد إزاحة الرئيس السابق عمر البشير، وقد رجعا منها وفي يدهم تأكيدات سودانية على دعم موقف القاهرة، إلا أنَّ الخطوات الإثيوبية تجاه السد يبدو أنها بدَّدت الآمال المصرية، مقابل إنعاش الآمال الإثيوبية.

وحسب التقرير، فإنَّ الجهود الإثيوبية التي بدأت مع مطلع 2019 لإحياء مشروع السد بعد إخفاقات ألمَّت به خلال عام 2018، انتهت إلى إعلان رئيس الوزراء بأنَّ الأعمال الإنشائية الخاصة بالسد انتهت بنسبة 66%.

تصريحات آبي أحمد تبعتها تصريحات أخرى لنائبه، بأنَّ الحكومة الإثيوبية حريصة على العمل بشكل وثيق للانتهاء من بناء السد حسب الجدول الزمني للانتهاء منه، مستوفياً معايير الجودة والكفاءة، وهو ما يعني أنَّ إثيوبيا سوف تبدأ في توليد الكهرباء مطلع عام 2020.

التقرير نقل العديد من المخاوف التي تُراود الخبراء المصريين عن خطورة السد، منها الدراسة التي أعدها الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، في يناير/كانون الثاني 2016، وحملت عنوان (الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المُحتملة لسد النهضة الإثيوبي وانعكاساتها على مستقبل الزراعة المصرية).

تُشير الدراسة إلى أنَّه إذا ما قررت إثيوبيا أن تملأ بحيرة السد في 3 سنوات فقط فسوف ترتفع الكمية المحجوزة سنويًا خلف سد النهضة إلى 24.7 مليار متر مكعب، نصيب مصر منها 18.5 مليار سنويًا ترتفع إلى 25.5 مليار في حال الفيضان الضعيف، الأمر الذي يعنى تبوير 4.6 ملايين فدان أي أكثر من 51.5% من الرقعة الزراعية الحالية.

ورجَّحت الدراسة أن تصل قيمة الفقد في الإنتاج الزراعي إلى نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع أن تتفاقم الفجوة الغذائية وتتجّه إلى الاتساع بشكل جوهري، نظرًا لأنَّ محاصيل الحبوب وهي عصب الأمن الغذائي سوف تتأثر سلبًا بدرجة أكبر بالمقارنة بالزروع البستانية.

تحذيرات جديدة

دراسة حديثة صدرت منذ أيام لرئيس وحدة المياه والقرن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية أماني الطويل، ذهبت فيها إلى أنَّ الرِّهان المصري على الموقف السوداني فقط لم يعُد كافياً، في ظل رغبة الجانب الإثيوبي بالسيطرة على الأوضاع في الخرطوم، ليس من أجل سد النهضة فقط، وإنما لضمان استمرار المصالح المشتركة بين الجارتين، سواء فيما يتعلق باستيراد البترول من السودان، أو باستخدام الموانئ السودانية كأحد المنافذ البحرية البديلة لتلبية الاحتياجات الداخلية للجانب الإثيوبي.

وحسب متابعين، فإنَّه لا يمكن أيضاً إغفال التأثيرات الإنسانية الخطيرة على مصر إذا لم تتوصل لاتفاق مع إثيوبيا، وهو ما عبَّر عنه تقرير مُفصل لمركز أبحاث "مجموعة الأزمات الدولية" في بروكسل، والذي أكَّد فيه أنّ مخاطر الفشل في العمل معاً (مصر وإثيوبيا) ستكون صارخة.

مشيراً إلى أنَّ تحوُّل النزاع لصدام بين الدولتين سيكون له عواقب إنسانيّة وخيمة. حيث يُعدّ نهر النيل الذي يمرّ بين 10 دول، الأطول في العالم. وهو شريان طبيعي مهم لإمدادات المياه والكهرباء لهذه البلدان. لا سيما أنَّ مصر تعتمد على النيل بنحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة.

وحسب التقرير، ترى أديس أبابا أنّ السدّ مشروعٌ تنمويٌّ وطنيٌّ مهم، في حين ترى القاهرة أنّ تعطيل تدفُّق النهر سيُمثّل "تهديداً وجودياً"، ذلك أنّ تشغيل السدّ، الذي يُتوقّع أن يولّد نحو 6000 ميغاوات، قد يُهدّد ملايين المزارعين المصريين، وكذلك إمدادات الغذاء في البلاد. 

بناء المشروع تعطل مراراً، ولم يُحدّد تاريخ لإنجازه، بعد أن كان مفترضاً الانتهاء منه منتصف العام الماضي، وسط تقارير عن فساد، الأمر الذي دفع رئيس وزراء البلاد إلى اتخاذ سلسلة إجراءات. لذلك أوصى التقرير بضرورة حدوث اتفاق أكثر شمولاً" بين دول حوض النيل، لتفادي نزاعات مستقبلية تأتي بثمن اقتصادي وبيئي باهظ.

صراع قاري

تُشير تحليلات أخرى أنَّ التحرك المصري الأخير فيما يتعلق بسد النهضة، لم يكن متربطاً بالسد في الأساس، وإنما مرتبط بصراع الزعامة القاري بين السيسي وآبي أحمد، خاصة بعد التهميش المتعمَّد لمصر في الأزمة السودانية الأخيرة، مقابل تضخيم الدور الإثيوبي العلني والسري في حل الأزمة.

الكاتب السياسي السوداني عمار محمد آدم يذهب في مقال له، إلى أنَّ الموقف السوداني ينحاز إلى إثيوبيا في نزاعها مع مصر حول سد النهضة، وأنَّ رئيس وزراء الفترة الانتقالية عبد الله حمدوك تربَّى في أحضان إثيوبيا وفى كنف آبي أحمد، وهو ما يُبرِّر عدم حديثه حتى الآن عن سد النهضة وموقف السودان منه.

آدم أضاف: "حمدوك تعمَّد اختيار وزيرة خارجية ضعيفة لكي تغُضَّ الطرف عن تحركات وزير الدولة بالخارجية والذي سيتمُّ اختياره بعناية إلى جانب وزير الري الذي سيصطدم مع الوجود المصري المتجذر في وزارة الري السودانية والحضور الإثيوبي في السودان".


المصادر