من اللجوء إلى الاستثمار.. كيف تعيد ألمانيا رسم دورها في سوريا ما بعد الحرب؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية مع إعادة رسم خرائط الطاقة وسلاسل التوريد، جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا في 29 مارس/آذار 2026، لتفتح بابًا واسعًا أمام تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الدور الألماني في إعادة إعمار سوريا.

فالزيارة التي تجاوزت طابعها البروتوكولي، حملت مؤشرات على انتقال تدريجي في العلاقة بين دمشق وبرلين، من الحذر السياسي إلى اختبار فرص الشراكة الاقتصادية، في ظلّ إدراك متبادل لأهمية الموقع السوري كعقدة جيو-اقتصادية محتملة.

الهجرة الدائرية

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا "لن تنسى أبدًا" كيف فتحت ألمانيا أبوابها أمام السوريين لإعادة بناء حياتهم. مشيرًا إلى أن بلاده تعود إلى المجتمع الدولي "بإرادة صلبة" بعد أن نهضت من تحت الركام.

وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين، في اليوم الثاني من الزيارة، أوضح الشرع أن العمل جارٍ لإعادة تأطير الشراكة بين دمشق وبرلين ضمن إطار رسمي.

وقال: "نعمل مع شركائنا في الحكومة الألمانية على إرساء برنامج الهجرة الدائرية الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنهم دون التخلي عن حياتهم التي بنوها في ألمانيا، لمن يرغب منهم في البقاء".

وفي ملف الطاقة، أعلن الشرع أن بلاده تعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية. مشيرًا إلى أن شركة سيمنس ستحصل على حصة تبلغ ألفي ميغاواط من إجمالي 5 آلاف ميغاواط يجري الاستثمار فيها في قطاع الطاقة.

وأضاف أن سوريا تمتلك فرصًا واسعة في قطاعات البنية التحتية، بما يشمل السياحة والثروات النفطية التي استعادت الحكومة السيطرة عليها إلى جانب النقل والسكك الحديدية.

كما شدد على أن الموقع الجغرافي لسوريا، وسواحلها على البحر المتوسط، يمنحانها ميزة إستراتيجية كمحور محتمل لسلاسل التوريد، خاصة في ظل التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

من جانبه، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في 30 مارس/آذار 2026، أنه والرئيس السوري يتطلعان إلى عودة نحو 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا إلى بلادهم خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وأوضح ميرتس الذي جعل من تشديد سياسة الهجرة أولوية منذ توليه منصبه عام 2025، أن ما بين 700 ألف و800 ألف سوري يسعون للحصول على حق اللجوء في ألمانيا، متوقعًا عودة الغالبية منهم.

وأشار إلى أن الأولوية في العودة ستكون "لمن فقدوا حق الإقامة القانونية"، لا سيما من ارتكبوا جرائم.

وأكد أن برلين تسعى لدعم إعادة الإعمار في سوريا، وتعمل بالتنسيق مع دمشق لتسهيل عودة الراغبين. لافتًا إلى إعداد برنامج عمل مشترك "طموح" يجري تنفيذه، مع خطط لإيفاد وفد حكومي ألماني إلى دمشق قريبًا.

لكنه شدد في المقابل على أن تنفيذ المشاريع المشتركة سيظل مرهونًا بمدى التقدم في ترسيخ أسس دولة القانون داخل سوريا.

ووفقًا لميرتس، ستقدم ألمانيا نحو 200 مليون يورو خلال عام 2026، لدعم مشاريع حيوية، من بينها إصلاح شبكات المياه والمستشفيات.

في المقابل، واجهت هذه التوجهات انتقادات من سياسيين واقتصاديين، رأوا أن هدف إعادة 80% من السوريين غير واقعي، وقد يؤدي إلى تفاقم نقص العمالة في بعض القطاعات داخل ألمانيا.

وردّ ميرتس على هذه الانتقادات قائلًا: "أشار الرئيس السوري إلى هذه النسبة، ونحن ندرك حجم التحدي المرتبط بها".

وفي أول زيارة له إلى ألمانيا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024، شارك الشرع في منتدى نظمته وزارة الخارجية الألمانية؛ حيث أشار إلى حجم الدمار الذي لحق بسوريا. مؤكدًا أن السوريين يستلهمون النموذج الألماني في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية.

كما عقد، في 30 مارس/آذار 2026، اجتماعًا على طاولة مستديرة مع ممثلين عن شركات ألمانية، بحضور وزراء سوريين معنيين بقطاعات الاقتصاد والطاقة والطوارئ.

وذكرت الرئاسة السورية أن الاجتماع شهد تقديم عروض استثمارية في مجالات الطاقة والتمويل والأمن والتحول الرقمي، إلى جانب البناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، فضلاً عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم.

وخلال الاجتماع، كشف وزير الطاقة السوري محمد البشير عن خطط لتوقيع مذكرتي تفاهم مع شركة "سيمنس" لبناء نظام تشغيل وتحكم للشبكة الكهربائية، إضافة إلى اتفاق مع شركة "كناوف" للتعاون في مجالات مواد البناء، إلى جانب مشاريع في قطاعي المياه والطاقة.

حزمة التسهيلات

أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، أن ألمانيا قادرة على لعب دور محوري في إعادة بناء الاقتصاد السوري.

وأشار فاديفول إلى أن أكثر من مليون سوري لجأوا إلى ألمانيا منذ عام 2011، قائلاً: "بالنسبة لكثيرين، أصبحت ألمانيا وطنًا ثانيًا إلى جانب وطنهم الأول، سوريا"، في إشارة إلى تنامي رغبة شريحة من اللاجئين في العودة الطوعية.

كما أقرّ بنجاح الحكومة السورية الجديدة في منع امتداد الحرب مع إيران إلى الأراضي السورية، واصفًا ذلك بأنه "نجاح عظيم".

من جانبها، تحدثت وزيرة الاقتصاد الاتحادية كاترينا رايش عن "فرص تجارية واعدة" أمام الشركات الألمانية في سوريا. معربة عن أملها في "ازدهار التجارة" بين البلدين.

وأوضحت أن هذه الفرص تشمل قطاعات حيوية، من بينها الطاقة، وصناعة البناء، والهندسة الميكانيكية، وهندسة المصانع، وتكنولوجيا المعلومات، وحلول البرمجيات، وتقنيات الأمن، إضافة إلى مشاريع إنشاء محطات توليد الطاقة.

ويعزز ذلك الحضور الألماني التاريخي في سوريا؛ إذ تكاد لا تخلو منشأة أو قطاع من تقنيات ومعدات ألمانية، ما يفتح المجال أمام استعادة هذا الدور خلال مرحلة إعادة الإعمار.

وتعود العلاقات الاقتصادية بين دمشق وبرلين إلى ما قبل عام 2011، حين كانت ألمانيا الشريك التجاري الأكبر لسوريا داخل الاتحاد الأوروبي، بحجم تبادل بلغ نحو 1.8 مليار دولار. إلا أن هذا الرقم تراجع بشكل حاد، ليصل إلى نحو 4 ملايين دولار فقط خلال الشهر الأول من عام 2026، أي أقل من 1% من مستواه السابق.

وفي هذا السياق، تبرز ألمانيا، بوصفها أكبر اقتصاد أوروبي، كبوابة محتملة للاستثمارات في سوريا، وركيزة لمرحلة جديدة تربط بين مسارين أساسيين: التعافي الاقتصادي والملف الإنساني، بما في ذلك ملف الجالية السورية الكبيرة في ألمانيا.

وتعكس زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين أبعادًا سياسية واقتصادية متشابكة، خاصة مع انعقاد منتدى الأعمال السوري-الألماني بحضوره وعدد من الوزراء، في خطوة تؤكد سعي دمشق إلى تنشيط الاقتصاد واستقطاب الشركات الألمانية بما تمتلكه من خبرات تكنولوجية متقدمة.

وفي هذا الإطار، برزت فكرة "الهجرة الدائرية" كأحد المحاور اللافتة؛ حيث تقوم على الاستفادة من الكفاءات السورية في الخارج، بما يحقق منفعة مشتركة، ويسهم في نقل المعرفة والخبرات إلى الداخل السوري.

غير أن هذه الفكرة لا تزال محل نقاش، نظرًا لارتباطها بإجراءات قانونية تتيح للاجئ المساهمة في إعادة إعمار بلاده دون فقدان وضعه القانوني في ألمانيا، وهي مقترحات طرحتها برلين عقب سقوط نظام بشار الأسد، لكنها لم تُطبق بعد.

وتشير معطيات متقاطعة إلى أن القيادة السورية تسعى إلى الحصول على دعم ألماني قائم على الاستثمار طويل الأمد، وليس مجرد مساعدات مالية.

ويعزز هذا التوجه الموقع الجغرافي لسوريا الذي يُطرح كعامل جذب إستراتيجي، سواء كممر لسلاسل التوريد أو كحلقة وصل لخطوط الطاقة نحو أوروبا، ما يفسر الاهتمام الألماني المتزايد بالمشاركة في إعادة الإعمار.

كما يعكس حضور كبرى الشركات الألمانية إلى جانب الحكومة السورية استعدادًا مبدئيًا للدخول في مشاريع إعادة الإعمار، واستكشاف فرص استثمارية مباشرة.

وفي هذا السياق، أكد المستشار الاقتصادي أسامة القاضي أن زيارة الرئيس السوري تمثل خطوة مهمة لتعزيز العلاقات الثنائية، والاستفادة من التجربة الألمانية في إعادة بناء دولة دمرتها الحرب.

وأضاف أن سوريا بحاجة إلى تقديم حزمة متكاملة من المقترحات والتسهيلات لجذب الشركات الألمانية، بما يسهم في خلق فرص عمل تستوعب الكفاءات السورية المقيمة في ألمانيا.

وشدد على أن تحقيق المصالح المشتركة يتطلب توفير بيئة استثمارية جاذبة. مشيرًا إلى أن دخول شركات كبرى مثل سيمنس وتوقيعها مذكرات تفاهم يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه.

واختتم بالتأكيد على أن استكمال هذا المسار يتطلب تقديم ضمانات وتسهيلات حقيقية، بما يسمح بدخول الشركات ومعاهد التدريب الألمانية إلى السوق السورية، ويؤسس لشراكة مستدامة في مرحلة إعادة الإعمار.

فرصة استثمارية

لم تعد مسألة مساهمة ألمانيا في إعادة الإعمار بسوريا تُطرح بوصفها ملفا إنسانيا فحسب، بل كفرصة استثمارية تتقاطع فيها مصالح الدولتين والشركات الألمانية؛ إذ إن الحضور الألماني عقب سقوط الأسد برز عبر لقاءات مع كبار الفاعلين الاقتصاديين ومناقشات حول مشاريع تمتد من الطاقة إلى البنية التحتية والتحول الرقمي. 

وفي هذا الصدد تبدو ألمانيا وكأنها تتهيأ للانخراط في مرحلة “الاستكشاف المنظم” التي تسبق عادة الدخول الفعلي في مشاريع إعادة الإعمار، مع ربط ذلك بجملة من الشروط المرتبطة بالاستقرار والإصلاح.

كما تعكس الزيارة توجها ألمانيا لدمج ملف إعادة الإعمار بملف اللاجئين، من خلال طرح مقاربات جديدة كـ"الهجرة الدائرية"، بما يسمح بتحويل الجاليات السورية في أوروبا إلى رافعة بشرية واقتصادية لعملية التعافي.

ومن ملامح الانخراط المدروس في الاقتصاد السوري، يعتزم بنك التنمية الألماني (KfW) أيضا تقديم دعم مالي لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، وقد أبرم البنك اتفاقيات منح بقيمة إجمالية قدرها 119 مليون يورو منذ بداية عام 2025 نيابة عن الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، وذلك وفقا لما أعلنه البنك على هامش اجتماع مع الرئيس أحمد الشرع.

وينصب التركيز الأساسي على إعادة بناء الأسواق ومرافق الإنتاج لضمان إمداد الموارد الحيوية. 

كما تُعد البنية التحتية الأساسية، كالمستشفيات، من الأولويات، فعلى سبيل المثال، وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تُخصّص منحٌ بقيمة 40 مليون يورو لقطاع المياه والصرف الصحي، فضلا عن المدارس وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي للأطفال والشباب.

وسيستثمر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 30 مليون يورو لتحديث مستشفيات مختارة، وربطها بالبنية التحتية للرعاية الصحية، وتزويدها بالمعدات الطبية. 

كما يهدف مشروع آخر، بتكلفة 20 مليون يورو إلى تنشيط الأسواق والمراكز التجارية الرئيسة، وإعادة بناء مرافق الإنتاج والتصنيع، كالمطاحن والصوامع والمسالخ ومصانع الغزل.

وتهدف هذه المشاريع الإنشائية إلى تعزيز فرص الدخل والنمو الاقتصادي، بما يعود بالنفع على ما يصل إلى ثلاثة ملايين سوري، حيث يتولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تنفيذ هذا المشروع.