Friday 01 July, 2022

صحيفة الاستقلال

موقع بريطاني: الصراع الحقيقي في سنجار العراقية يدور بين إيران وتركيا

منذ 2022/06/12 08:06:00 | ترجمات الإنجلیزیة
"تركيا حاليا في وضع أفضل"
حجم الخط

كشف موقع بريطاني أن الأزمة المتفاقمة في إقليم سنجار شمالي العراق التي وصلت إلى مواجهات مسلحة بين الجيش الاتحادي ومسلحين، يقف وراءها صراع كبير بين إيران وتركيا.

وأوضح موقع "ميدل إيست آي"، أن إيران بعدما أبرمت خلال السنوات الأخيرة اتفاقات مشبوهة مع حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" الذي تصنفه تركيا تنظيما إرهابيا، لم تسكت أنقرة وتحركت مع تحول المنطقة لبؤرة لعشرات المليشيات وتعاظم المخاطر ضد حدودها.

عش للمكائد

وذكر الموقع أن سنجار، موطن الإيزيديين في العراق، أصبحت عشا للمكائد والصراع، ومكانا تتدافع فيه الدول والجواسيس والفصائل المسلحة للحصول على موطئ قدم وتعزيز نفوذها.

وأبرز قوتين في المدينة الحدودية ظهرتا في الأشهر الأخيرة هما تركيا وإيران.

وكلاهما مرتبطان بشبكة من المسؤولين العراقيين المحليين والفدراليين والقادة السياسيين والعسكريين والفصائل المسلحة، الذين يعملون على تنفيذ أجندات البلدين منذ سنوات دون الإخلال بتوازن القوى بينهما.

ومع ذلك، فإن العمليات العسكرية التركية في سنجار، التي تستهدف مسلحي "بي كا كا" وحلفائها المحليين المدعومين من إيران، أدت إلى تصعيد التوتر في المنطقة وقد تؤدي إلى اندلاع قتال بين وكلاء إيران وتركيا، حسبما قال مراقبون ومسؤولون عراقيون لميدل إيست أي.

وتندلع اشتباكات مسلحة من وقت لآخر، معظمها بين قوات الجيش العراقي المنتشرة في محيط سنجار وقوات محلية تابعة لـ"بي كا كا". 

واستمرت الاشتباكات في مايو/ يونيو 2022 أربعة أيام. وقالت مصادر عسكرية إن خمس ضحايا قتلوا، بينهم جندي.

وبعد ثماني سنوات من قيام تنظيم الدولة بدخول سنجار في هجوم قاتل ضد الإيزيديين، نزح 70 بالمئة من السكان، ولا تزال هذه المدينة غير آمنة حتى الآن.

وتشكل الحالة مصدر قلق متزايد للمجتمع الدولي، حيث أكدت مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة لحل النزاعات مقرها بروكسل ، في تقرير حديث، أنه "بسبب الجماعات المسلحة التي تستضيفها، تجد سنجار نفسها بشكل متزايد في قلب المنافسة بين تركيا وإيران".

وتقع سنجار بالقرب من الحدود السورية على بعد 140 كيلومترا شمال غرب الموصل، وهي واحدة من عدة بلدات تقع في منطقة متنازع عليها بين سلطات الحكومة الفيدرالية في بغداد والإدارة شبه المستقلة في أربيل بإقليم كردستان.

وعلى الرغم من أن العديد من الطوائف والأعراق تعيش في سنجار وضواحيها، فإن الإيزيديين يشكلون غالبية سكانها.

وعاش هؤلاء هناك في غموض نسبي حتى أغسطس 2014، عندما اجتاح مقاتلو تنظيم الدولة سنجار، وقتلوا وأسروا الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الإيزيديين والشيعة. 

وفر الآلاف إلى كهوف على قمم الجبال، وحاصرهم تنظيم الدولة الإسلامية إلى أن ساعدت الضربات الجوية الأميركية في طرد المسلحين.

ثمن كبير

ونقل الموقع عن مسؤول عراقي كبير، أن هذه المساعدة جاءت مقابل ثمن، موضحا أن واشنطن وحلفاءها يرون أن صعود تنظيم الدولة وانهيار الجيش العراقي جاء على خلفية "السياسات الطائفية لرئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، وتهميش السنة والأكراد، والسماح للفساد والمحسوبية بالانتشار في مؤسسات الدولة".

 وقال إنهم رفضوا التدخل عسكريا ما لم يتنح المالكي.

وكان قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ونائبه في العراق، أبو مهدي المهندس، يشرفان شخصيا على المعارك بين الفصائل المسلحة العراقية وتنظيم الدولة حول البلدات والمدن ذات الغالبية الشيعية شمال بغداد.

وكان المالكي وسليماني والمهندس يجتمعون بشكل شبه يومي "لمتابعة التطورات الأخيرة واتخاذ الإجراءات اللازمة لكبح جماح المسلحين"، بحسب ما ذكره قائد فصيل شيعي مسلح تدعمه إيران.

ومع تردد القوى الغربية وعدم قدرتها على تقديم دعم أرضي فوري، طلب المالكي نصيحة سليماني والمهندس بشأن سنجار. 

وحينها لم يكن هناك متسع من الوقت، ولم تكن هناك ممرات آمنة إلى سنجار لنقل الفصائل المسلحة المدعومة من إيران لإجلاء نازحي البلدة لأن تنظيم الدولة الإسلامية سيطر على جميع البلدات والمدن المجاورة.

ووفقا لمسؤول عراقي رفيع المستوى معني بشؤون الأقليات، اقترح سليماني والمهندس بدلا من ذلك طلب مساعدة الجماعات المسلحة الكردية في شرق سوريا "للتدخل العاجل لتوفير الحماية المطلوبة للإيزيديين والشيعة المحاصرين ، حتى يتم إيجاد حل مناسب". 

وقال المسؤول إن المالكي وافق على الاقتراح وأسند المهمة إلى مسؤول رفيع في وكالة الأمن القومي العراقي. وأضاف "تحولت البلدة المنسية إلى نقطة جذب، استقطبت أكبر عدد من أجهزة المخابرات والجماعات المسلحة في المنطقة".

وكان حزب العمال الكردستاني الذي هو في صراع مع الدولة التركية منذ الثمانينيات، بالإضافة إلى فروعه السورية، مثل وحدات حماية الشعب "واي بي جي"، من أبرز الجماعات التي تم التنسيق معها في هذا الصراع.

ولكسب الوقت وتجنيد المزيد من الناس لعملية الإنقاذ، اتصل المرشد الروحي للإيزيديين بابا شيخ خرتو حاج إسماعيل، بزعيم الجناح السياسي لوحدات حماية الشعب صالح مسلم، وطلب منه التدخل.

وفي هذا السياق، نقل الموقع عن مسؤول عراقي رفيع المستوى منخرط في سنجار، أنه "لم يكن هناك الكثير من الخيارات. كانت حياة عشرات الآلاف على المحك. إن تشكيل تلك الجبهة أمر حتمي ولا يقدر بثمن".

وأضاف "لا أعتقد أن المالكي أو بابا الشيخ فكروا فيما سيحدث بعد ذلك. كان الوضع مأساويا.. لم يكن هناك سبيل لإنقاذ هؤلاء دون مساعدة حزب العمال الكردستاني".

وقال المسؤول إن ما حدث في وقت لاحق كان مفاجأة، حيث تحولت المدينة المنسية إلى نقطة جذب استقطبت أكبر عدد من أجهزة المخابرات والجماعات المسلحة في المنطقة".

توغل لافت

وإثر ذلك، قام العمال الكردستاني بتنفيذ المهمة المطلوبة. وتم إنقاذ العائلات في الجبال بمساعدة القوات الجوية الغربية، وتم إجلاء الآلاف من السنجار عبر الأراضي السورية.

ولم ينس المهندس وسليماني مكافأة المقاتلين الأكراد حيث تم تسجيل العشرات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب على كشوف رواتب الحشد الشعبي ، وهو مجموعة شبه عسكرية مدعومة من الدولة العراقية تشكلت لمحاربة تنظيم الدولة.

ولجعل هذا الترتيب ملموسا، تم تسجيل المقاتلين على أنهم فصيل مسلح من الإيزيديين يدعى وحدات حماية سنجار.

ورفض حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب مغادرة سنجار وحافظا على بعض الوجود في المنطقة منذ تحريرها من داعش.

ونقل الموقع عن مسؤول عراقي  إن حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب يرون في سنجار "منطقة انتصروا فيها، وليست منطقة ساعدوا في تحريرها".

وفي غضون ذلك، أراد المهندس، الذي كان آنذاك نائب رئيس الحشد الشعبي ولديه سلطة مطلقة على تمويل وتجهيز الفصائل المسلحة والمتطوعين الذين قاتلوا تنظيم الدولة، تأمين موطئ قدم له ولحلفائه الإيرانيين في المنطقة.

وقال مصدر مسؤول بمكتب رئيس الوزراء العراقي، أنه إدراكا منه للخصوصية الجغرافية والعرقية والدينية للمنطقة، سعى "بي كا كا" إلى طمأنة الإيزيديين وكسب ثقتهم" من خلال تجنيد المئات منهم وتشكيل حوالي ستة فصائل مسلحة، جميعها مرتبطة بالحشد الشعبي.. فعل الشيء نفسه مع السنة في سنجار، وشكل مجموعتين أخريين من الجماعات المسلحة السنية المرتبطة بالحشد".

واليوم، وبعد مقتل المهندس وسليماني في غارة أميركية بطائرة بدون طيار في يناير 2020، لا تزال كل هذه الفصائل متمركزة في سنجار وحولها. إضافة إلى ذلك، انتشرت فصائل مسلحة شيعية بارزة، بينها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، بين سنجار وتلعفر شرقي البلدة.

ويوجد في سنجار وحولها حوالي 20 فصيلا مسلحا محليا وإقليميا. وتسيطر إيران على نصف هذه الفصائل ولديها تحالفات إستراتيجية مع النصف الآخر.

وعلى الرغم من الاختلافات في الأيديولوجيا والأهداف والانتماءات، فإن العلاقة بين حزب العمال الكردستاني وشركائه من جهة والفصائل المدعومة من إيران تحت حكم الحشد من جهة أخرى علاقة تكافلية.

ويوفر الحشد الشعبي الدعم المالي والغطاء الحكومي والملاذات لحزب العمال الكردستاني والمنتمين إليه في سوريا، بينما يؤمن الأخير وحلفاؤه الحدود السورية وطرق التهريب، ويواصل الضغط على تركيا. 

وقال مسؤولون عراقيون وأميركيون ومراقبون دوليون يعملون في المنطقة للموقع البريطاني، إن الحزب له نفوذ كبير في سنجار.

وبحسب مصادر عراقية وأميركية، فإن إيران لديها خطط لتصدير الغاز إلى أوروبا عبر الموانئ اللبنانية والسورية في حال رفع العقوبات.

ومن الناحية الإستراتيجية، تعد سنجار بالفعل منطقة تهريب وإمداد مهمة، وقالت مصادر مطلعة إن مرور خط أنابيب غاز إلى ميناء بانياس البحري على البحر المتوسط ​​سيمر عبر ضواحي المدينة.

تركيا ضد إيران

وذكر الموقع البريطاني أن اللاعب الوحيد في شمال العراق الذي لا يمكن تجاهله هو الحزب الديمقراطي الكردستاني. 

فهو القوة الرائدة في حكومة إقليم كردستان والشريك طويل الأمد لتركيا، وتنتشر قوات البيشمركة الأمنية بكثافة على الجبال الإستراتيجية بالقرب من الحدود السورية والتركية.

وشكل الحزب الديمقراطي الكردستاني، مثل الحشد الشعبي، فصيلين مسلحين من الإيزيديين، ونشرهما في سنجار إلى جانب بعض البيشمركة.

وفي سبتمبر/ أيلول 2017، حاول الحزب الديمقراطي فصل كردستان عن العراق من خلال استفتاء، ما دفع القوات الفيدرالية المدعومة من الحشد الشعبي لشن حملة عسكرية واسعة النطاق لاستعادة المناطق المتنازع عليها.

وانسحب الحزب الديمقراطي الكردستاني من جميع المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار.

وبفضل التحالف الذي أقامه المهندس بين العمال الكردستاني والفصائل المسلحة العراقية المعادية لتركيا المدعومة من إيران، مال ميزان القوى في سنجار لصالح إيران.

لكن جرت محاولات لتخليص سنجار من كل الفصائل المسلحة. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وقعت بغداد "اتفاقية سنجار" مع أربيل، تقضي بانسحاب جميع الفصائل المسلحة من المنطقة، وطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني والمنتمين إليه، وإعادة سنجار إلى إدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وانهارت الاتفاقية مع الفصائل المدعومة من إيران، والتي رفضت، وعلى رأسها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، المغادرة، متهمة حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتسليم الحزب الديمقراطي الكردستاني مفاتيح سنجار.

وقال مسؤولون عراقيون إن هذا التعنت أثار حفيظة تركيا، ودفع إلى انهيار اتفاق سنجار الصيف الماضي وكذلك أنقرة للتدخل عسكريا.

ومنذ ذلك الحين، تكثفت العمليات العسكرية التركية التي تستهدف حزب العمال الكردستاني وفروعه في سنجار، وخاصة وحدات حماية الشعب.

وردا على ذلك، تضاعفت الهجمات الصاروخية التي استهدفت قاعدة زليخان العسكرية التركية في بعشيقة شمال العراق.

وساهم عدم قدرة الحكومة العراقية على وقف الهجمات المتبادلة، وفشل الولايات المتحدة في التدخل لصالح أي طرف، في تعقيد المشهد وترك الجميع في المنطقة تحت رحمة الأطراف المتصارعة.

وقال المحلل في معهد الولايات المتحدة للسلام إيلي أبو عون، للموقع البريطاني، بغض النظر عن التفاصيل، فإن الصراع في سنجار هو صراع تركي إيراني. وإذا اتفقت إيران وتركيا على مناطق النفوذ، فإن الوضع في سنجار سيستقر ".

وأضاف أن "تركيا حاليا في وضع أفضل وتسعى لاستغلال التطورات الإيجابية في علاقاتها الإقليمية والغربية لدفع إيران قليلا في سنجار بينما تحاول إيران الحفاظ على مكاسبها".

ومع تشتيت المجتمع الدولي للأحداث في أوكرانيا وأماكن أخرى، توقع أبو عون عدم وجود تنازلات أو تسويات كبيرة في سنجار". 

لكنه أوضح أنه لا يتوقع أن تخرج الأمور عن السيطرة أو تتجاوز محاولات الدفع والتراجع بين الأتراك والإيرانيين في سنجار.


تحميل

المصادر:

1

How Iraq’s Sinjar became a battleground between Turkey and Iran

كلمات مفتاحية :

إيران الحشد الشعبي العراق تركيا تنظيم الدولة حزب العمال الكردستاني سوريا قاسم سليماني مصطفى الكاظمي