تحول العقيدة الدفاعية الإيرانية بعد هجمات 28 فبراير 2026

"العنصر الأكثر أهمية كان شكل الرد الإيراني على العدوان”
في 28 فبراير/ شباط 2026، دخلت المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة جديدة اتسمت بوضوح أكبر في طبيعة الصراع وحدوده.
فالهجمات المتزامنة التي استهدفت إيران لم تكن حدثا عسكريا معزولا، بل شكلت نقطة اختبار حقيقية للعقيدة الدفاعية الإيرانية، وكشفت في الوقت ذاته عن تحولات عميقة في بنية التفكير الإستراتيجي في طهران.

إدارة التصعيد
ونشر مركز "إيرام" مقالا للكاتب التركي تشاغتاي بالجي، ذكر فيه أنه “يمكن قراءة تلك الهجمات من زاويتين متكاملتين”.
وأضاف :فمن جهة، جاءت في سياق تصعيدي كان يحمل مؤشرات واضحة على اقتراب المواجهة؛ سواء من خلال الحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة، أو نوعية أنظمة التسليح التي جرى نشرها، أو الخطاب السياسي الذي ارتفعت نبرته تدريجيا" في واشنطن ودولة الاحتلال.
ومن جهة أخرى، وقعت الضربات في ظل استمرار مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن، وهو ما منحها بعدا سياسيا معقدا وأضفى عليها طابعا صادما من الناحية الدبلوماسية.
واستدرك بالجي: “غير أن العنصر الأكثر أهمية لم يكن توقيت الهجوم بقدر ما كان شكل الرد الإيراني عليه”.
ورأى أن “الرد اتسم بسرعة التنفيذ، واستمرارية الضربات، وتعدد مستوياتها، ما عكس تحولا يتجاوز رد الفعل التكتيكي إلى إعادة صياغة أوسع لمفهوم الردع نفسه”.
ولفت إلى أن “إيران لم تكتفِ بمحاولة احتواء الضربة أو الاكتفاء بخطاب سياسي تصعيدي، بل بادرت إلى استهداف القواعد الأميركية، والمنشآت البحرية، وخطوط الإمداد اللوجستي في المنطقة عبر موجات متتابعة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة”.
وأشار الكاتب التركي إلى أن “هذا السلوك يشير إلى أن طهران لم تعد تنظر إلى المواجهة من منظور الدفاع التقليدي القائم على منع الهجوم، بل من زاوية إدارة التصعيد بعد وقوعه”.
ولفهم هذا التحول لا بد من العودة إلى العقيدة الدفاعية التي اعتمدتها إيران خلال العقدين الماضيين، والتي قامت على مفهوم "الدفاع المتقدم".
وقال بالجي: إن “جوهر هذا المفهوم كان يقوم على إبعاد التهديد عن الأراضي الإيرانية، وذلك عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، بحيث تُدار المواجهة في مسارح خارج الحدود المباشرة لإيران”.
وأوضح أنه “في الأدبيات الإستراتيجية يرتبط هذا النموذج بمفهوم (منع الوصول)، أي السعي إلى منع الخصم من الاقتراب من المجال الحيوي للدولة أو بناء قدرة هجومية فعالة ضدها”.
واستدرك: “غير أن التطورات الإقليمية المتلاحقة منذ أواخر عام 2023 كشفت محدودية هذا النموذج”.
العمق العملياتي
وذكر أن “الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع داخل إيران، والتصعيد العسكري المتدرج خلال عامي 2024 و2025، وصولا إلى عمليات فبراير 2026، قد أظهرت أن قدرة منع الوصول لم تعد فعالة بالقدر الذي كانت عليه”.
ولم تتمكن إيران من إبقاء العمليات المعادية خارج نطاقها الجغرافي، كما لم تنجح في تحييد التهديد في مراحله الأولى.
إضافة إلى العوامل التقنية المرتبطة بالدفاع الجوي، كان تراجع بعض الحلفاء الإقليميين وتغير موازين القوى في سوريا ولبنان عاملا مؤثرا في إضعاف بنية الدفاع المتقدم.
أمام هذا الواقع، اتجهت طهران لإعادة صياغة عقيدتها الدفاعية على أسس مختلفة، وقد عكست التصريحات الرسمية الصادرة مطلع فبراير 2026 هذا التحول بوضوح؛ إذ جرى التأكيد على أن أي هجوم قد يتحول إلى حرب إقليمية واسعة، وأن الدفاع سيتم عبر هجوم سريع ومفاجئ ومستمر.
وقال بالجي: إن هذه العبارات لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل تعبيرا عن انتقال من منطق "منع التهديد" إلى منطق "إدارة التهديد ورفع كلفته".
ولفت إلى أنه "في المقاربة الجديدة، لم يعد الهدف الأساسي منع وصول الخصم إلى المجال الإيراني، بل جعله يدفع ثمنا مرتفعا مقابل أي وصول.
وهنا يبرز مفهوم “منع المنطقة” الذي يقوم على تقييد حرية حركة الخصم داخل ساحة العمليات واستهداف عناصر استمراريته".
وبذلك فقد تركّزت الإستراتيجية الإيرانية الجديدة على ضرب البنية التحتية للقواعد العسكرية والمنشآت اللوجستية والعناصر البحرية، وهو ما وضع استدامة الانتشار العسكري الأميركي موضع تساؤل دائم.
وأشار بالجي إلى أن “الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أصبحت أدوات مركزية في هذا الإطار، ليس فقط بسبب قدرتها التدميرية، بل لأنها تشكل وسيلة ضغط مستمرة على العمق العملياتي للخصم”.
واستطرد: “كما أن شبكة الحلفاء الإقليميين لم تُلغَ من المعادلة، لكنها أعيد توظيفها، فبدل أن تكون خط دفاع متقدم يمنع انتقال المعركة إلى الداخل الإيراني، باتت جزءا من منظومة ضغط موزعة جغرافيا، تهدف إلى توسيع نطاق المواجهة وجعلها متعددة الجبهات”.

تداعيات التحول
وقال الكاتب: إن “التحول في عقيدة الدفاع الإيرانية لا يقتصر أثره على البعد العسكري المباشر، بل يمتد لينال توازنات الأمن الإقليمي واستدامة الحسابات الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة”.
ويرى أن “قراءة هذه التحولات قراءة تحليلية دقيقة تساعد على فهم السلوك الإيراني في المرحلة الراهنة، وفي تقييم مدى قدرة الإستراتيجية الأميركية على التكيّف مع البيئة الأمنية الجديدة”.
وشدد على أن "أولى النتائج الجوهرية لهذا التحول تتمثل في تغير هندسة الردع ذاتها”.
ففي نموذج الدفاع المتقدم، كان الردع يقوم على منع الخصم من بلوغ المجال الإيراني أصلا، أي على تحصين الجغرافيا عبر إبعاد ساحة المواجهة عنها.
أما في المقاربة الجديدة، فقد انتقل الردع من منطق المنع إلى منطق الكلفة؛ إذ لم يعد الهدف الحيلولة دون الوصول، بل ضمان أن أي قوة قادرة على الوصول إلى الأراضي الإيرانية ستواجه ثمنا باهظا وغير مقبول إستراتيجيا.
بهذه الصيغة، يتحول الردع من آلية وقائية قائمة على العزل إلى معادلة تصعيدية قائمة على رفع الكلفة وإدارة المخاطر، يوضح بالجي.
وأضاف أن "النتيجة الثانية تتمثل في إدخال احتمال اندلاع حرب إقليمية واسعة ضمن صلب التخطيط الإستراتيجي، لا بوصفه سيناريو طارئا بل خيارا قائما في الحسابات”.
وأوضح بالجي أن “إيران لا تزال تمتلك قدرة تفعيل شبكة ممتدة من الفاعلين الحلفاء، ابتداء من الحوثيين في اليمن إلى الفصائل المسلحة في العراق، وذلك ضمن آلية ضغط منسقة تتيح لها نقل التصعيد إلى أكثر من ساحة”.
ورأى أن “هذا الواقع يقوّض الفرضية الأميركية القائلة بإمكانية تنفيذ عمليات عسكرية محدودة يمكن احتواؤها ومنع تمددها جغرافيا”.
أما النتيجة الثالثة، وهي الأعمق أثرا، فتتصل بالضغط المتنامي على بنية إسقاط القوة الأميركية في المنطقة؛ إذ إن الاستخدام المنهجي للصواريخ الباليستية لاستهداف القواعد والبنى التحتية العسكرية يضع شبكة القواعد والإمداد في الخليج أمام تحد أمني متزايد.
كما أن مواقف دول الخليج إزاء هذا المستوى من المخاطر، وطبيعة إعادة تقييمها لجدوى استضافة القوات الأجنبية، باتت عنصرا مؤثرا بذاته في المعادلة الإستراتيجية، يقول بالجي.
وأشار إلى أن “احتمال أن تعيد بعض الدول موازنة أولوياتها بين التزاماتها الأمنية ومخاطر التعرض لهجمات صاروخية يخلق درجة من عدم اليقين الإستراتيجي، والتي تنعكس مباشرة على قدرة الولايات المتحدة على ضمان حرية الوصول وتعزيز مصداقية ردعها في الإقليم”.
وذكر أنه “في ضوء ما سبق، يمكن القول: إن هجمات 28 فبراير 2026 لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية كشفت انتقال إيران من نموذج دفاعي قائم على العزل الجغرافي للتهديد إلى نموذج يقوم على إدارة التصعيد وفرض معادلة كلفة متبادلة”.
وختم بالجي مقاله بالقول: إن “هذا التحول يمنح طهران مرونة أكبر في التعامل مع الضربات، لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب المخاطر الإقليمية؛ لأن أي مواجهة مستقبلية ستكون أكثر قابلية للاتساع وأكثر ارتباطا بإرادة الأطراف في تحمل تبعاتها”.











