"كيف نغير نظام طالبان؟".. سؤال يشغل الأوساط الإعلامية في أفغانستان

"أي سيناريو داخلي أو خارجي لن يقود إلى تغيير مستدام من دون مشاركة فاعلة للشعب"
"رغم أنه يبدو خياليا وبعيد المنال، لم يعد النقاش حول تغيير نظام طالبان مقتصرا على نقاشات هامشية بين النشطاء السياسيين في المنفى".
فبحسب ادعاء صحيفة "8 صبح" الأفغانية التي مقرها إيران، فإن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والحصار السياسي الشامل، واستبعاد المجتمع من أي مشاركة في السلطة، فضلا عن طريقة التعاطي مع ملف المرأة؛ خلقت الظروف اللازمة ليصبح سؤال "كيف نغير النظام؟" أحد أهم المواضيع المطروحة في الأوساط السياسية والإعلامية الأفغانية.
بعبارة أخرى، "لم يعد السؤال الرئيس اليوم هو إمكانية التغيير أو استحالته، بل ما الوسيلة والجهات الفاعلة والمسار المؤدي إلى تحقيقه".

جدل لا يتوقف
في هذا السياق، تدعي الصحيفة أن إدخال وتطبيق قانون العقوبات الجديد الخاص بحركة طالبان يعد أحد أهم أدواتها للسيطرة ومنع أي تغيير سياسي.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أقرت طالبان قانونا جديدا للإجراءات الجنائية يتكون من 119 مادة، أثار جدلا واسعا.
إذ ينص القانون في المادة التاسعة على تصنيف المجتمع إلى طبقات، ويُعاقب الأشخاص على نفس الفعل بشكل مختلف تبعا لطبقتهم الاجتماعية.
وفي تعليقها على هذه المادة، قالت الصحيفة: "يحمل قرار طالبان، الذي نُشر كنص تنفيذي، رسالة خطيرة في سطوره الأولى، فبدلا من أن يدور القانون حول الجريمة والضرر الاجتماعي، يدور حول المكانة الاجتماعية للفرد".
وأضافت: "في هذا القرار، يُقسّم المجتمع رسميا إلى طبقات، ويختلف نوع العقوبة وشدتها بين كل طبقة وأخرى".
“أي أن الناس لا يُنظر إليهم على قدم المساواة منذ البداية، بل يُصنفون حسب مراتبهم، العلماء وأصحاب المكانة في القمة، ثم النبلاء، ثم الطبقة الوسطى، وأخيرا الفئة الدنيا، وهم غالبية المجتمع الفقراء والعُزل، الذين يُطبق عليهم القانون عادة بصرامة وقسوة أكبر”. بحسب الصحيفة.
وأردفت بأن هذا أمر صادم في عالمنا اليوم، حيث تتحدث الحكومات عن المساواة أمام القانون، على الأقل ظاهريا، لكن القانون هنا يُضفي الطابع الرسمي على عدم المساواة.
واستطردت: "عندما تُقسّم حركة طالبان المجتمع إلى طبقات اجتماعية في نصوصها الرسمية، وتصرح بأن النصح والتوبيخ واللوم كافٍ للطبقة العليا، بينما التهديدات والسجن والضرب هي العقوبات الأرجح في حق الطبقة الدنيا، فإننا نواجه "تمييزا طبقيا".

احتمالات التغيير
وحول فرصة نجاح الاحتجاجات الشعبية في إسقاط حكم طالبان، تدعي “8 صبح” أنه "خلافا للاعتقاد السائد، تُظهر التجارب المعاصرة أن تغيير الأنظمة لا يتطلب بالضرورة تدخلا عسكريا أجنبيا".
ووفق تقديرها، فإن "احتجاجات إيران في السنوات الأخيرة مثال بارز على ذلك، حيث أظهرت كيف يمكن لتراكم السخط الاجتماعي أن يتحول إلى حركة واسعة، رغم القمع الشديد، ومن دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى".
ولفتت إلى أن "هذه التجربة تحمل دلالات مهمة بالنسبة لأفغانستان تحت حكم طالبان".
وفصّلت في حديثها عن تجربة إيران قائلة: "تتحول الاحتجاجات الشعبية إلى عامل حاسم عندما تتجاوز ردود الفعل العاطفية المتفرقة لتصبح ضغطا اجتماعيا منظما".
وأردفت: "ففي إيران، لم تبدأ الاحتجاجات بزعيم محدد أو خطة خارجية، بل انطلقت من واقع يومي مليء بالتمييز والأزمات الاقتصادية والقمع السياسي".
وبحسب تقييمها، فإن "هذه الطبيعة الداخلية جعلت من الصعب على النظام أن ينسبها بسهولة إلى "أياد خارجية".
ولا يختلف الحال كثيرا في أفغانستان، إذ ترى الصحيفة أن هناك استياء شعبيا واسع النطاق، وهو ما يطرح السؤال التالي: هل يمكن لهذا الغضب أن يتبلور في شكل احتجاج اجتماعي منظم؟
وفقا لها، "يرتبط الجواب بمدى قدرة الأصوات المتفرقة على الالتقاء، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا من دون أدوات إعلامية وشبكية".
في هذا السياق، وفي ظل إغلاق طالبان شبه الكامل للمجال الإعلامي داخل البلاد، أشارت الصحيفة إلى أن "وسائل الإعلام الأفغانية في المنفى أصبحت إحدى القنوات القليلة التي تعمل على صياغة رواية تحول الحقائق المتناثرة إلى سردية سياسية مفهومة".
واستدلت بتجربة إيران، قائلة: إن "تجربة طهران أوضحت كيف يمكن لمقاطع الفيديو القصيرة والتقارير الإعلامية الخارجية والتحليلات المستمرة أن تحول الاحتجاجات من حدث داخلي إلى قضية دولية".
وتطبيقا على الواقع الأفغاني، تعتقد أن "وسائل الإعلام في المنفى تستطيع أن تنقل صوت الداخل إلى العالم، ليس طلبا للتدخل الخارجي، بل لضمان ألا يبقى القمع بعيدا عن أنظار الرأي العام العالمي".

مجتمع منهك
من جهة أخرى، أقرت الصحيفة أن "كثيرا ما تتراجع الحركات الاحتجاجية بفعل الإنهاك الاجتماعي والاقتصادي للمشاركين فيها".
وأضافت: "فمع أن الاحتجاجات استمرت بأشكال مختلفة، إلا أن الضغوط المعيشية وتبعات القمع على الأفراد والعائلات لعبت دورا في تقليصها أو تغيير طبيعتها".
هنا أبرزت الصحيفة "النقاش حول إنشاء صناديق دعم كآلية للتضامن الاجتماعي".
وشددت على أن "مثل هذه الصناديق، إذا كانت شفافة ومستقلة، يمكن أن تخفف الضغط عن الأسر المتضررة وتمنع انهيار الشبكات الاجتماعية المعارضة".
ورغم تقديرها أن "هذا النقاش ما زال نظريا في الحالة الأفغانية"، إلا أنها أكدت على أن "استمرار أي احتجاج اجتماعي من دون دعم اقتصادي أساسي سيكون صعبا، إن لم يكن مستحيلا".
وفندت الصحيفة "التصورات الشائعة بين بعض الأفغان أن تغيير النظام لا يمكن أن يحدث من دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة".
وقالت: "تجربة إيران تنقض هذا الاعتقاد، إذ امتنعت واشنطن حتى الآن عن أي تدخل مباشر رغم العقوبات والضغوط الدبلوماسية".
وبحسبها، فإن "هذا يوضح أن الأولوية الأميركية هي إدارة الأزمات لا إسقاط الأنظمة".
"وبالنسبة لأفغانستان، يبدو من غير المرجح أن تقدم أي قوة خارجية على مشروع تغيير طالبان من دون وجود ضغط اجتماعي داخلي ملموس"، وفقا للصحيفة.
أما دور النخب الأفغانية في المنفى، فرغم اعتقاد البعض أنه "غالبا ما يُستهان به، إلا أنه يحمل أهمية محتملة".
فبحسب رؤيتها، "يمكن لهذه النخب، من صحفيين وباحثين وناشطين مدنيين ومثقفين، أن تسهم في صياغة خطاب التغيير، شرط تجاوز التنافس الشخصي والسرديات المتناقضة".
وبالمقارنة مع تجربة إيران، فإن "جزءا كبيرا من الضغط الدولي لم يأت عبر الحكومات، بل من خلال النخب والإعلام المستقل في الخارج".
في هذا الإطار، ترى الصحيفة أن "توافقا أوليا بين النخب الأفغانية على مبادئ عامة، لا بالضرورة على برنامج سياسي موحد، قد يجعل من صورة المستقبل بديلا ممكنا".
وخلصت الصحيفة إلى أنه "إذا كان تغيير نظام طالبان سيحدث، فلن يكون عبر حدث مفاجئ، بل عبر تآكل تدريجي للشرعية، وضغط اجتماعي متواصل، وتراكم نضال شعبي".
وتابعت: "الاحتجاجات، والإعلام في المنفى، والدعم الاجتماعي، ودور النخب، كلها عناصر في هذه المعادلة".
ووفقا لها، يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع المجتمع الأفغاني أن يبلغ مستوى من التضامن يحول التغيير من حلم إلى احتمال واقعي؟
وختمت بالادعاء أن "الجواب لم يتضح بعد، لكن المؤكد أن أي سيناريو داخلي أو خارجي لن يقود إلى تغيير مستدام من دون مشاركة فاعلة للشعب".















