من التهدئة إلى الابتزاز.. كيف تحوّل الحوثيون إلى تهديد إقليمي للسعودية؟

يمكن قراءة السلوك الحوثي تجاه الرياض بوصفه نتيجة غير مباشرة لاختلال المقاربة السعودية في إدارة الصراع
مصطفى كمال
في يناير من عام 2024 كتب الصحفي السعودي المعروف عبد الرحمن الراشد مقالاً في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان: "الحوثي لم يعد مشكلة سعودية". عرض فيه مقاربة تعكس تحوّلاً في التفكير السعودي، قال فيها: إن "الرياض حافظت على علاقتها الجديدة مع الحوثي، وعلى مشروع السلام الذي أنهى الحرب عبر الحدود.
الحوثيون، بدورهم، ساروا مسافة لا بأس بها في مشروع المصالحات اليمنية - اليمنية. بالنسبة للسعوديين واليمنيين، العالم لا يدور حول غزة، لديهم حربهم وإنهاء الاقتتال والخلافات لها الأولوية".
مضيفاً؛ "في حرب اليمن، كانت السعودية في مواجهتها الحوثي، آنذاك، تدافع عن نفسها بالدرجة الأولى، واستقرار اليمن، وكذلك الأمن الإقليمي وحماية الملاحة في البحر الأحمر الذي يمثل شريانا مهما للسعودية والعالم. اليوم خيار الرياض أن تحافظ على العلاقة مع الحوثي، وحتى مع إيران ويصبح تأمين الملاحة قضية دولية".
هذا الطرح عكس، في جوهره، درجة عالية من الثقة بإمكانية تطويع السلوك الحوثي عبر أدوات التهدئة والانخراط السياسي، بل والرهان على قابلية الجماعة للتحول من فاعل عسكري عابر للحدود إلى طرف يمكن استيعابه ضمن معادلة توازن إقليمي أقل تصادمية، حتى مع استمرار قنوات التواصل غير المباشر مع إيران.
غير أن الأحداث الأخيرة تعكس صورة أكثر تعقيداً؛ حيث أشار تقرير نشرته تايمز أوف إسرائيل في 31 مارس 2026 إلى صدور تحذيرات على لسان متحدثين حوثيين من أن الجماعة قد تستهدف دول الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات، في حال تعرضت إيران لضربات تطال منشآت الطاقة أو توسعت الحرب.
على الرغم من أن جماعة الحوثيين، وفقاً للصحيفة، يأخذون في الحسبان علاقاتهم المعقدة مع السعودية، ما يدفعهم إلى تجنب فتح جبهة مباشرة مع الرياض في الوقت الحالي.
ويبرز هذا التناقض بين خطاب التهدئة ومضامين التهديد كمؤشر على أن السلوك الحوثي لا يُحكم بتقديرات داخلية يمنية خالصة، بل يتشكل ضمن شبكة ارتباطات إستراتيجية أوسع، تتقدم فيها العلاقة مع إيران على ما سواها. وهو ما يحدّ من فعالية أي مقاربة تقوم على افتراض استقلالية القرار الحوثي أو قابليته للفصل بين المحلي والإقليمي.
الأكثر أهمية من ذلك أن المقاربة السعودية، كما عكستها قراءة الراشد، بدت أقرب إلى "إدارة المخاطر" منها إلى معالجة الجذور. فقد سعت إلى خفض كلفة التهديد وتأجيله، دون تفكيك مصادره العميقة المرتبطة بطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران. وهذا ما يفسر لماذا يمكن للجماعة، في لحظة معينة، أن تنتقل من موقع الشريك الضمني في التهدئة إلى أداة ضغط إقليمي، دون أن يُعد ذلك تناقضاً في منطقها الداخلي.
وعليه، فالرهان على اتفاقات سلام ثنائية أو تفاهمات مرحلية، دون معالجة البعد البنيوي لعلاقة الحوثيين بإيران، يظل رهانا محدود الأثر وقابلاً للانتكاس عند أول اختبار إقليمي جدي. كما يكشف عن فجوة تقدير في المقاربة السعودية السابقة، التي مالت إلى قراءة السلوك الحوثي من زاوية براغماتية آنية، دون استيعاب كافٍ لعمق الارتهان الإستراتيجي الحوثي لطهران.

استغلال الحرب
تتيح المشاركة في الصراع للحوثيين إبراز ثلاثة أمور: أولاً، أنهم ما زالوا جزءاً فاعلاً من المحور الإقليمي لإيران.
ثانياً، يهدفون إلى رفع التكلفة الاقتصادية للحرب من خلال الإشارة إلى تهديد البحر الأحمر.
ثالثاً، يسعون إلى تحسين وضعهم السياسي في اليمن من خلال الضغط على الجانب السعودي، والتلويح باحتمال استهدافه في مسار الحرب الإيرانية لانتزاع مكاسب تفاوضية منه.
في هذا السياق جاءت كلمة زعيم جماعة الحوثيين بمناسبة ما يسمى "اليوم الوطني للصمود" في 26 مارس 2026؛ حيث صعّد لهجته تجاه الرياض، داعياً إياها إلى مراجعة سياساتها والتخلي عمّا وصفه بالنهج العدائي، مع اتهامها بالارتباط بالأجندتين الأميركية والإسرائيلية.
بالتوازي، لوّح مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع لجماعة الحوثي، بإنهاء حالة "اللاحرب واللاسلم"، محذّراً من استمرار ما عدّه مماطلة سعودية في تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق. ومؤكداً أن جماعته ماضية في انتزاع مطالبها، وعلى رأسها الرواتب ورفع الحصار، بالوسائل المناسبة.
ويعكس هذا الخطاب انتقال الحوثيين من موقع الساعي للتهدئة إلى فاعل يوظف التصعيد الإقليمي كأداة لإعادة فرض شروطه، ما يجعل مسار التفاهمات مع السعودية رهيناً بقدرتهم على موازنة الضغط العسكري بالابتزاز السياسي.
فالحوثيون يوظّفون انخراطهم في التوترات الإقليمية إلى جانب إيران كأداة ضغط مزدوجة: فمن جهة، يُعززون موقعهم ضمن معادلة الصراع الإقليمي، ومن جهة أخرى يبعثون برسائل تهديد مبطّنة للرياض مفادها أن استمرار التعثر في تنفيذ التفاهمات قد يدفعهم إلى توسيع نطاق المواجهة أو إعادة توجيهها.
وبذلك، تتحول الورقة الإقليمية إلى رافعة تفاوضية تُستخدم لابتزاز تنازلات سياسية واقتصادية، عبر الإيحاء بأن مسار الحرب نفسه قابل لإعادة التموضع إذا لم تُلبَّ مطالبهم.
في الواقع، لقد ظلّت الهدنة بين الرياض والحوثيين، لسنوات "سلاماً بارداً" تحكمه البراغماتية، لكن إطلاق الصواريخ مجدداً من صنعاء نحو إسرائيل شكّل تحولاً نوعياً؛ إذ لم يكن مجرد تضامن مع إيران، بل ضربة أصابت تفاهمات هشة استغرق بناؤها سنوات.
في هذا السياق، تجد السعودية نفسها أمام معضلة تقليدية: كيف يمكن شراء الاستقرار من فاعل مسلح يوظف "الابتزاز الجيوسياسي" كأداة تفاوض رئيسية؟ إذ يطالب الحوثيون بمبالغ ضخمة، تشمل نحو 7.3 تريليونات ريال يمني (قرابة 13.8 مليار دولار) كرواتب متأخرة حتى نهاية 2024، إضافة إلى تعويضات أخرى، ما يعكس كلفة سياسية ومالية مرتفعة لأي تسوية محتملة.
في المقابل، أدى تعثر خارطة الطريق اليمنية إلى وضع الجماعة في مأزق شرعية داخلي، ما جعل الانخراط في التصعيد الإقليمي خياراً وظيفياً: أداة لحشد التأييد داخلياً، ووسيلة ضغط على الرياض التي تخشى انهيار ما تحقق دبلوماسياً.
وتؤكد تصريحات وكيل وزارة الإعلام في حكومة الحوثيين، محمد منصور، أن الانخراط في الحرب لن يبقى رمزياً، بل سيتصل بملفات الحصار والموارد الاقتصادية، ما يعكس تداخلاً واضحاً بين الأجندة المحلية والرهانات الإقليمية. هذا التداخل، المرتبط بتموضع الجماعة ضمن "محور المقاومة"، يجعل أمن السعودية عرضة لقرارات تتجاوز الإطار اليمني.
فانزلاق اليمن مجدداً إلى ساحة صراع مفتوح يعني تهديداً مباشراً لإستراتيجية الاستقرار الإقليمي التي تسعى إليها الرياض، في بيئة تتطلب جيراناً مستقرين لا مصادر تهديد عابر للحدود.

إضعاف الحلفاء
يمكن إعادة قراءة السلوك الحوثي التصعيدي تجاه الرياض بوصفه نتيجة غير مباشرة لاختلال المقاربة السعودية في إدارة الصراع اليمني، حيث أسهمت سياسات إضعاف الحلفاء التقليديين-وفي مقدمتهم التجمع اليمني للإصلاح-في خلق فراغ سياسي وعسكري ملأه الحوثيون تدريجياً.
فبينما تراجعت قدرات القوى المرتبطة بالشرعية، تمكنت الجماعة من ترسيخ سيطرتها وتطوير أدواتها القتالية، مستفيدة من دعم إيران، إلى حد باتت فيه تمتلك قدرة ردع عابر للحدود، ما نقلها من موقع الفاعل المحلي إلى مصدر تهديد إستراتيجي مباشر للسعودية.
في هذا الإطار، يقدّم صالح الجبواني، وزير النقل السابق في الحكومة الشرعية، تشخيصاً نقدياً لطبيعة الخلل، مقدرا أن المشكلة ليست في أن السعودية لا ترى ما يحدث في اليمن، بل في كونها تقرأه بعدسة تختزل التعقيد في ظواهر سطحية، وتتعامل مع القوى الفاعلة بصفتها أوراقاً قابلة للمساومة، لا تعبيرات عميقة عن بيئات اجتماعية ونفسية وتاريخية متجذّرة.
ويضيف الجبواني: الخطأ الأعمق-للسعودية- لا يكمن فقط في طبيعة الأدوات، بل في طريقة إدارة التحالفات؛ فمنذ انطلاق عاصفة الحزم، امتلكت السعودية حلفاء حقيقيين داخل بنية الشرعية، قوى اجتماعية وسياسية تمتد جذورها في عمق المجتمع اليمني شكلت عمود الشرعية، وكان بالإمكان-لو تم دعمها بجدية-أن تشكّل رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة، أو على الأقل خلق توازن فعّال في مواجهة المشاريع المضادة.
غير أن ما حدث كان العكس تمامًا. فبدلًا من تعزيز هذه القوى، جرى إضعافها، بل والسماح بضربها وتحييدها، في مقابل الانخراط-بشكل مباشر أو غير مباشر-في سياسات تتقاطع مع المشروع الإماراتي في الجنوب، والذي عمل على تفكيك بنية الشرعية، وبناء كيانات موازية لها.
وهكذا وجدت السعودية نفسها في مفارقة حادة: تضعف حلفاءها الطبيعيين، وتسعى في الوقت ذاته إلى استمالة خصومها. والنتيجة أنها نجحت في إضعاف الحليف لكنها لم تنجح في استمالة الخصم.
وبناء عليه، يمكن القول: إن الرياض انتقلت من محاولة "إدارة أزمة" إلى واقع "إدارة تهديد"، نتيجة تراكم قرارات أضعفت أدواتها الذاتية في الداخل اليمني. فبدلاً من حصر الخطر الحوثي أو تفكيكه في مراحله المبكرة، أسهمت السياسات المتبعة في توسيع نطاقه وتعقيد بنيته، بما جعله أكثر ارتباطاً بالمعادلات الإقليمية وأقل قابلية للاحتواء.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الإدارة لم يؤدِ فقط إلى إضعاف الحلفاء، بل أسهم-بشكل غير مباشر-في إعادة تشكيل طبيعة التهديد نفسه.
فالملف الحوثي الذي كان في جوهره أزمة يمنية قابلة للاحتواء أو الحل ضمن نطاق محلي ضيق، تحوّل تدريجياً، بفعل السياسة الخاطئة وتفكك بنية الحلفاء، إلى تهديد إقليمي مركب وخطر ماثل للعيان، يستهدف في المقام الأول الأمن السعودي ويشكل مصدر قلق دائم لاستقرارها.
بمعنى آخر، لم يعد الحوثي مجرد تحدٍ يمكن احتواؤه، بل أصبح فاعلاً قادراً على فرض معادلات ردع وابتزاز تتجاوز الجغرافيا اليمنية.
وبالتالي، فإن أي تصحيح حقيقي للمسار يتطلب مراجعة جذرية لا تقتصر على الأدوات، بل تمتد إلى بنية الرؤية السياسية ذاتها: إعادة بناء التحالفات على أسس اجتماعية وسياسية صلبة، استثمار القوى الوطنية ذات الامتداد الحقيقي، والانتقال من إدارة التوازنات الهشة إلى إعادة إنتاج توازن قوى فعّال.
دون ذلك، ستظل السعودية في موقع رد الفعل، بينما يواصل الحوثيون توظيف تفوقهم النسبي لفرض شروطهم وتعزيز موقعهم كتهديد إقليمي متصاعد.
وهكذا، تواجه الرياض اليوم معضلة مركبة: إدارة تهديد متصاعد في ظل تراجع حلفائها، واعتماد خصمها على معادلة تصعيد-ابتزاز تزداد فعالية. وأي مخرج حقيقي يظل مشروطاً بإعادة بناء القوة المحلية الحليفة وتصحيح المقاربة من الاحتواء المؤقت إلى إعادة إنتاج توازن قوى مستدام.
خلاصة القول، إن المعضلة السعودية في اليمن لم تعد نتاج قوة الحوثيين بقدر ما هي انعكاس مباشر لاختلال سياسة إدارة الصراع والتحالفات. فإضعاف الحلفاء المحليين-وفي مقدمتهم التجمع اليمني للإصلاح-مقابل الرهان على احتواء الخصم، أفضى إلى نتيجة معاكسة: تآكل أدوات النفوذ السعودي داخلياً، مقابل صعود الحوثيين كفاعل يمتلك القدرة على الردع والابتزاز بدعم قوي من إيران.
المصادر
- الحوثي لم يعد مشكلة سعودية
- ] صحيفة إسرائيلية: جماعة الحوثي توازن بين التصعيد والتهدئة وتخشى إغضاب السعودية
- الحوثيون في اليمن.. تنسيق مع إيران وتمسك بالاستقلالية رغم أتون الحرب
- ] قائد الثورة يدعو النظام السعودي إلى مراجعة حساباته والكف عن عدائه للشعب اليمني
- الرئيس المشاط: أؤكد لأبناء شعبنا أننا سننتزع جميع حقوقه كاملة دون منقوصة
- سلام معلق على "زناد" طهران.. الهدنة السعودية في مواجهة الابتزاز الجيوسياسي الحوثي
- هل السعودية لم تفهم اليمن بعد؟!… قراءة في مأزق السياسة والخيارات!

















