2800 شهيد من شرطة غزة.. لماذا تواصل إسرائيل استهدافهم بعد الهدنة؟

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يضع الهدوء الهش الذي يعيشه قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 حدًا للاستهدافات الإسرائيلية المتواصلة لنقاط وعناصر الشرطة، في سياق مخطط تقول حركة حماس: إنه يهدف إلى نشر الفوضى داخل القطاع.

وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت وتيرة هذه الاستهدافات بالتزامن مع عودة الحديث عن نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وسط اتهامات محلية لإسرائيل بالسعي إلى إفراغ غزة من أجهزتها الأمنية، بما يقوّض قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية.

ما الجديد؟

شكّل مارس/آذار 2026 أحد أكثر الشهور دموية بحق عناصر الشرطة في قطاع غزة؛ حيث كثّفت إسرائيل استهدافاتها المباشرة لمواقعهم ونقاط انتشارهم.

ففي 28 من الشهر، قصفت طائرات إسرائيلية نقطتي تفتيش للشرطة في خانيونس جنوب القطاع، ما أسفر عن مقتل ثلاثة ضباط وثلاثة مدنيين، بينهم فتاة.

وقبل ذلك، في منتصف مارس، قُتل تسعة من عناصر الشرطة في غارة استهدفت مركبتهم أثناء تأدية مهامهم في مراقبة الأسواق خلال شهر رمضان، عند مدخل بلدة الزوايدة وسط القطاع، فيما أُصيب 14 آخرون.

ولم تتوقف هذه الهجمات؛ إذ صعّدت إسرائيل منذ توقيع اتفاق الهدنة من قصف نقاط ومركبات الشرطة، إلى جانب اغتيال عناصرها، في وقت تتزامن فيه هذه العمليات مع ترتيبات سياسية تتعلق بإدارة غزة، تشمل حديثًا عن نقل السلطة إلى جهة فلسطينية جديدة وانسحاب إسرائيلي جزئي.

وفي فبراير/شباط 2026، استهدفت طائرات مسيّرة نقطتي تفتيش للشرطة في خانيونس وبالقرب من مخيم البريج، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين.

كما قصفت طائرات إسرائيلية، في 31 يناير/كانون الثاني 2026، مقر شرطة الشيخ رضوان غرب غزة، ما أسفر عن مقتل 13 شخصًا، بينهم خمسة ضباط، وفق وزارة الداخلية.

وفي 12 يناير/كانون الثاني، اغتالت مجموعة فلسطينية متعاونة مع إسرائيل مدير مباحث خانيونس محمود الأسطل، في حادثة تعكس، وفق مراقبين، مسارًا منظمًا لاستهداف البنية الأمنية في القطاع.

وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة: إن عدد قتلى عناصر الشرطة منذ اندلاع الحرب في 2023 تجاوز 2800 عنصر، عادا ذلك "انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني".

وأضاف أن الاستهدافات استمرت رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ حيث قُتل العشرات من عناصر الشرطة خلال فترة التهدئة، ما يعكس استمرار الخروقات.

وأشار إلى مقتل أكثر من 15 شرطيًا منذ تصاعد التوتر المرتبط بالحرب على إيران أواخر فبراير/شباط 2026، في مؤشر على اتساع نطاق الاستهداف.

ومن خلال تتبع الهجمات الأخيرة، يبرز نمطان رئيسان: الأول، التركيز على استهداف مركبات الشرطة ونقاط التفتيش، بما يقيّد حركتها؛ والثاني، استهداف عناصر أثناء تأديتهم مهام مدنية، مثل تنظيم المرور أو تأمين الأسواق، كما حدث في غارة 15 مارس.

ويُلاحظ أن وتيرة هذه الهجمات تصاعدت بالتزامن مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ومع طرح مبادرة لنزع سلاح غزة قدمها نيكولاي ميلادينوف، والتي قوبلت برفض من حركة حماس.

أثر الاستهدافات 

تُكلَّف الشرطة في غزة بمهام مدنية أساسية، تشمل تنظيم حركة السير، وحماية الأسواق والمخابز، ومرافقة شاحنات الإغاثة، وضبط السرقات، ما يجعلها ركيزة مباشرة في إدارة الحياة اليومية للسكان.

في هذا السياق، شكّل اغتيال سبعة إلى تسعة من عناصر الشرطة أثناء مرافقتهم قافلة مساعدات في رفح، مطلع فبراير/شباط 2024، نقطة تحوّل لافتة؛ إذ دفعت الحادثة الأجهزة الأمنية إلى الامتناع لاحقًا عن مرافقة قوافل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، الأمر الذي أسهم في تفشي أعمال النهب في بعض المناطق.

ومع تفاقم الفراغ الأمني، بادرت حركة حماس إلى جانب فصائل أخرى، في الشهر التالي إلى تشكيل ما عُرف بـ"لجان الحماية الشعبية" في رفح، لتسيير دوريات بأسلحة خفيفة وتنظيم الأسواق. وقد لاقت هذه الخطوة ارتياحًا نسبيًا لدى السكان، بوصفها محاولة لاحتواء حالة الانفلات وضبط الأمن.

غير أن تأثير استهداف أجهزة الأمن لم يقتصر على ملف المساعدات؛ إذ حذّر تقرير صادر عن "مشروع البيانات حول مواقع النزاع" (ACLED) من أن إسرائيل دمّرت أكثر من 230 مبنى حكوميا، وألحقت أضرارًا جسيمة بمرافق البنية التحتية، ما أدى إلى استشهاد عشرات من عناصر الشرطة والدفاع المدني وموظفي البلديات.

وبحسب التقرير ذاته، نفّذت إسرائيل أكثر من 100 غارة استهدفت منشآت أو أفرادًا مرتبطين بهياكل الحكم والشرطة، وهو ما انعكس مباشرة على تدهور الخدمات الأساسية، مثل جمع النفايات، ومعالجة مياه الصرف، وحماية المخابز. كما أدت الغارات إلى تدمير معدات إزالة الركام، لتتحول الشوارع إلى مساحات مكتظة بالأنقاض.

وفي ظل تراجع انتشار الشرطة، برزت ظواهر أمنية مقلقة، تمثلت في صعود عصابات محلية وعائلات مسلحة. ويشير تقرير آخر لـACLED إلى تسجيل أكثر من 220 حادثة اقتتال داخلي بين نهاية عام 2023 وأواخر 2025، أسفرت عن مقتل نحو 400 شخص، في مؤشر واضح على اتساع فجوة السيطرة الأمنية.

وردًا على ذلك، لجأت حماس إلى إنشاء "وحدة سهم"، وهي قوة غير معلنة تضمّ عناصر من الشرطة السابقة وأفرادًا من العشائر ومتطوعين، تتولى فرض حظر تجوّل وتنفيذ ما تصفه بـ"عقوبات ميدانية" داخل الأسواق، في محاولة لاستعادة قدر من الانضباط.

كما أسهمت الضربات في إرباك منظومة توزيع الغذاء، لا سيما الخبز. ففي بلدة الزوايدة، أفاد سكان بأن استشهاد تسعة ضباط في 15 مارس/آذار 2026 ترك الأسواق بلا رقابة، ما أتاح لبعض التجار رفع الأسعار بشكل ملحوظ.

وامتد تأثير الاستهداف إلى قطاع المرور؛ حيث أدى غياب عناصر الشرطة إلى تعطيل تنظيم حركة الشاحنات والنازحين. وزادت عمليات اغتيال الضباط المسؤولين عن إدارة الطرق- ومنها الهجوم على نقطة تفتيش في خانيونس بتاريخ 28 مارس/آذار 2026- من حالة الفوضى في التنقل، خاصة في ظل بنية تحتية مدمّرة أصلًا.

وفي السياق ذاته، أسفر قصف مركز شرطة الشيخ رضوان في يناير/كانون الثاني 2026، والذي أدى إلى استشهاد خمسة ضباط، عن شلل جزئي في مهام شرطة المرور في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان.

ويؤكد الثوابتة، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن استهداف أجهزة الشرطة يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إضعاف البنية المدنية وتقويض الاستقرار الداخلي. موضحًا أن المعطيات الميدانية تشير إلى تعرض أجهزة الشرطة في غزة لاستهداف مباشر ومتواصل منذ بداية الحرب.

وأضاف أن استمرار استهداف الجهة المسؤولة عن حفظ الأمن والنظام العام يهدف إلى تقويض قدرتها على أداء مهامها، بما يؤدي إلى تعقيد المشهد الإنساني وتعميق حالة الفوضى داخل القطاع.

من يملأ الفراغ؟ 

رغم الاستهدافات المتكررة، تواصل الشرطة في غزة الظهور منذ بدء الهدنة في بعض المناطق لتنظيم الأسواق ومرافقة المساعدات، لكن بأعداد محدودة، وأحيانًا من دون زي رسمي، في محاولة لتقليل فرص استهداف عناصرها.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر في حركة حماس أن الحركة تسعى إلى دمج نحو 10 آلاف شرطي ضمن إدارة فلسطينية جديدة، في إطار خطة وقف إطلاق النار الأميركية، في مؤشر على سعيها للحفاظ على دور أمني منظم ضمن أي ترتيبات قادمة.

في المقابل، ناقش الاتحاد الأوروبي إمكانية تدريب نحو ثلاثة آلاف من أفراد الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية؛ تمهيدًا لنشرهم في قطاع غزة، ضمن تصورات دولية لإعادة بناء منظومة الأمن الداخلي.

وتعكس هذه الطروحات إدراكًا دوليًا متزايدًا لضرورة وجود جهاز شرطي فعّال يمنع الانزلاق إلى الفوضى، غير أنها تصطدم بعقبات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها الرفض الإسرائيلي لمشاركة كوادر محسوبة على حماس.

كما تتحفظ إسرائيل على إسناد مهام الأمن الداخلي لعناصر من السلطة الفلسطينية، مفضّلة—بحسب تقارير—دعم مجموعات محلية مسلحة تستهدف عناصر حماس والشرطة، وهو ما يثير مخاوف من إعادة تشكيل المشهد الأمني على أسس غير رسمية.

وجاءت استهدافات ما بعد الهدنة للشرطة، رغم ما نُقل عن موافقة Donald Trump على قيام الأجهزة الأمنية التابعة لحماس بفرض النظام ومنع النهب بشكل مؤقت، في خطوة فُهمت على أنها محاولة لاحتواء الفوضى خلال المرحلة الانتقالية.

إلا أن إسرائيل رفضت منح أي شرعية لدور حماس داخل جهاز الشرطة، وبدأت—في مرحلة ما بعد التهدئة الهشة—تحويل نمط الاستهداف نحو عمليات أكثر دقة، تركز على المركبات ونقاط التفتيش، بعد أن كانت المقار الرئيسة قد دُمّرت إلى حد كبير خلال سنوات الحرب.

ولا يقتصر الأمر على الرفض أو الاستهداف المباشر؛ إذ تشير معطيات إلى دعم مجموعات محلية مسلحة لمهاجمة عناصر الشرطة، ما يعزّز فرضية السعي لإحلال بدائل غير رسمية عبر تكريس حالة من الفوضى الأمنية.

وفي هذا السياق، أفادت “القناة 12” العبرية بأن جيش الاحتلال عدّل من سياساته العملياتية، وصعّد هجماته ضد مواقع تخزين السلاح وكل من يحمله، سواء من الجناح العسكري لحماس أو من عناصر الشرطة، في إطار إستراتيجية أوسع لنزع السلاح.

وبحسب القناة، فإن هذه العمليات تندرج ضمن ما وصفه رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu بـ"نزع السلاح بالطريقة الصعبة"، وذلك بالتوازي مع مسارات دبلوماسية تُطرح ضمن خطط دولية لنزع سلاح غزة.

في المقابل، تؤكد حركة حماس أن سلاحها يمثل "حقًا وطنيًا مشروعًا" في ظل استمرار الاحتلال، وترى أنه مكفول بموجب القانون الدولي، ولا يمكن التخلي عنه إلا بتحقيق الحقوق الوطنية كاملة، وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ورغم هذا الخطاب، تترك الحركة هامشًا للمناورة؛ إذ ألمحت قيادات فيها، عقب اتفاق التهدئة، إلى إمكانية "تجميد" السلاح بدل تفكيكه، أي إبقائه مخزنًا دون استخدام، مقابل ضمانات تحول دون استئناف العمليات العسكرية.

في الأثناء، يحذر محللون فلسطينيون من أن استمرار استهداف الشرطة قد يدفع السكان إلى الاعتماد المتزايد على جماعات مسلحة وعشائرية لحماية الممتلكات، ما يفتح الباب أمام توسع الاقتصاد الموازي، ويقوّض فرص قيام سلطة رسمية مستقرة.

وتتزايد مخاوف السكان من انهيار أمني شامل في حال استمرار اغتيال رجال الشرطة، خاصة أن وجودهم كان يشكل عامل ردع للسرقات، وضمانة أساسية لوصول الخبز والمساعدات الإنسانية.

في المقابل، تحاول حماس الحفاظ على حد أدنى من بنية أمنية قادرة على حماية السكان وممتلكاتهم، وفرض النظام، وتسهيل تقديم الخدمات؛ تفاديًا لانزلاق القطاع إلى فراغ أمني كامل قد تستغله أطراف مختلفة.

وفي هذا الإطار، تواصل الأجهزة الشرطية تنفيذ مهامها وفق الإمكانات المتاحة، مع اعتماد إجراءات احترازية تشمل إعادة تنظيم الانتشار وتغيير أنماط الحركة، لضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

كما تؤكد مصادر ميدانية أن الانتهاكات الإسرائيلية تُوثّق بشكل يومي ومنهجي، ويتم رفعها إلى الوسطاء عبر تقارير مفصلة، في إطار متابعة الخروقات والسعي لمساءلة إسرائيل عبر القنوات الدولية المعنية.