انقسام حاد بين قياداته.. أين يتجه الصراع داخل حزب الشعب الجمهوري؟

الأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا تحولت اليوم إلى صراع علني ومفتوح
نشرت صحيفة "مِلِّيِّيت" التركية مقالاً للكاتب التركي "تونجا بينجين" والذي تحدّث فيه عمّا يشهده حزب الشعب الجمهوري التركي بصفته حزب المعارضة الرئيس والطامح للوصول إلى السلطة؛ حيث يمرّ اليوم بأزمة داخلية عميقة، لم يتمكن إلى الآن من احتوائها أو إيجاد آلية فعالة لمعالجتها.
فنجد اليوم أنّ التوترات التي ظلت لسنواتٍ تتمحور حول ما يشبه "الحرب الباردة" بين أجنحة الحزب المختلفة، قد تحولت اليوم إلى صراع علني ومفتوح، وذلك بعد قرار "البطلان المطلق" المرتبط بالمؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب، وهو تطور كشف حجم الانقسام الداخلي وأظهر هشاشة التوازنات التنظيمية داخله.
من "التغيير" إلى الانقسام
واستدرك الكاتب التركي أنّ حزب الشعب الجمهوري سابقاً، كان يُعرف بأنّه حزب يستطيع احتواء خلافاته الداخلية بعد كل مؤتمر حزبي.
فمهما كانت المنافسة حادة بين القيادات، كانت الأمور تهدأ بعد انتهاء المؤتمر، ويجتمع الجميع تحت هدف واحد، وهو الحفاظ على وحدة الحزب والعمل السياسي المشترك. كما كان الفائزون يسعون عادة إلى احتواء الخاسرين وعدم تهميشهم، وذلك من أجل الحفاظ على تماسك الحزب.
لكنّ الوضع تغيّر بعد المؤتمر العام الثامن والثلاثين، والذي أصبح فيه أوزغور أوزيل رئيسا للحزب بدعم من أكرم إمام أوغلو.
ففي البداية، بدا أن الحزب يدخل مرحلة جديدة تحت شعار "التغيير"، وأنّ هذه المرحلة قد تمنح الحزب زخماً جديداً وتوحد صفوفه. غير أن ما حدث كان عكس ذلك، إذ تحوّل هذا التغيير إلى سبب لِانقسام واضح بين القيادة الجديدة وأنصار الزعيم السابق كمال كليتشدار أوغلو.
وبدلاً من محاولة استيعاب أنصار كمال كليتشدار أوغلو وإعادة بناء الحزب بصورة جماعية، اتجهت القيادة الجديدة نحو تكريس هيمنة تيار واحد على مفاصل الحزب، الأمر الذي عمّق الانقسام وأدخل المؤسسة الحزبية في حالة استقطاب غير مسبوقة.
وقد ظهرت أولى مؤشرات هذه الأزمة خلال مرحلة اختيار المرشحين للانتخابات المحلية في 31 مارس، حيث شهدت إسطنبول وإزمير وعدد من البلديات الكبرى تغييرات واسعة، شملت معظم رؤساء البلديات الحاليين.
ورغم أن الخلافات حول الترشيحات تُعد أمراً معتاداً في الحياة السياسية، إلّا أنّ الطريقة التي أُديرت بها العملية هذه المرة أثارت استياءً واسعاً داخل القواعد التنظيمية للحزب. فقد شعر كثير من أعضاء الحزب والمرشحين المحتملين بأن معايير الاختيار لم تكن عادلة أو شفافة، وأن القيادة الجديدة تجاهلت الوعود التي قطعتها خلال المؤتمر الحزبي، بل وحتى المعايير التي وضعتها بنفسها.
كما أدى التأخر في إعلان الترشيحات إلى فتح باب الجدل في مختلف الولايات والأقضية، وهو ما تسبب في حالة من التوتر والغليان داخل القواعد الشعبية والتنظيمية للحزب.
وأضاف: لم تتوقف الأزمة عند حدود الترشيحات، بل امتدت إلى ما عده كثيرون سياسة إقصاء وتهميشا، تمّت ممارستها بحق المعارضين داخل الحزب. فبدلاً من السعي إلى إعادة دمج الأصوات المختلفة، تم التعامل مع المنتقدين بصفتهم عبئاً يجب التخلص منه.
وهكذا، لم يعد الحزب يواجه فقط مشكلة تراجع الحماس لدى الناخبين، بل أصبح يواجه أيضاً أزمة داخلية تتمثل في اتساع دائرة الغاضبين والمستبعدين داخل تنظيمه نفسه.

مستقبل المعارضة التركية
وأردف الكاتب التركي أنه مع انتقال الخلافات إلى أروقة القضاء، لم تتراجع حدة التوتر، بل ازدادت اشتعالاً. فبينما كان رئيس الحزب أوزغور أوزيل يوجه في خطاباته دعوات مفتوحة إلى مختلف فئات المجتمع، لِلانضمام إلى حزب الشعب الجمهوري بصفتها "بيت الجميع"، بدا أن هذه الروح التصالحية لا تنطبق على المعارضين داخل الحزب نفسه.
فالأصوات المخالفة التي لطالما عدها الحزب جزءاً من ثقافته الديمقراطية والتعددية السياسية، أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة، وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإقصاء أو الفصل. كما جرى التعامل مع أي انتقاد داخلي باعتباره نوعاً من "الخيانة"، خاصة الانتقادات المرتبطة بملفات الفساد أو المطالبة بتنقية الحزب من الشبهات السياسية والتنظيمية.
فخلال العام الأخير، تم فصل عدد من الشخصيات الحزبية، بينهم نواب سابقون وحاليون وأعضاء في المجلس الحزبي، بل وحتى أسماء تاريخية ارتبطت طويلاً بصورة الحزب.
وما زاد من حدة الانتقادات هو أن بعض هذه الإجراءات تمت من دون منح أصحابها فرصة كافية للدفاع عن أنفسهم، الأمر الذي عزّز الانطباع بأن الحزب بات يعيش حالة من التصفيات الداخلية المنظمة.
هذه التطورات أفرزت واقعاً جديداً داخل حزب الشعب الجمهوري، والذي يتمثل في انقسام واضح بين الجيل القديم والقيادة الجديدة، وفي تصاعد حالة عدم الثقة بين مختلف التيارات.
بالإضافة إلى ذلك، لم يعد الخلاف مجرد تباين في الرؤى السياسية، بل تحول إلى صراع على النفوذ والشرعية والقدرة على التحكم بمستقبل الحزب.
وفي ظل هذا المشهد، يرى كثير من المراقبين أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في هوية الطرف المحق أو المخطئ، بل في غياب الإرادة الجماعية للاعتراف بالأخطاء والبحث عن حلول مشتركة. فبدلاً من طرح أسئلة جوهرية مثل: "أين أخطأنا؟ وكيف ابتعدنا عن الشارع التركي؟"، لا يزال الصراع يتمحور حول من يمتلك "الحق في الكرسي".
واستدرك الكاتب التركي بأنّ الأزمة الحالية تكشف عن مفارقة لافتة؛ فَالحزب الذي يسعى لإقناع الشارع التركي بقدرته على إدارة الدولة، يجد نفسه عاجزاً عن إدارة خلافاته الداخلية بصورة مؤسساتية.
فبدلاً من التركيز على القضايا الكبرى التي تشغل الناخب التركي، مثل الاقتصاد والتضخم والحريات، أصبحت المعارك الداخلية هي العنوان الأبرز داخل الحزب. كما أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي للقيادات المختلفة بات موجهاً ضد الخصوم داخل الحزب أكثر من توجيهه نحو الحكومة.
وممّا يبدو، يمكن القول بأنّ الصراع لم يعد مرتبطاً فقط بمستقبل الحزب، بل بمستقبل القيادات نفسها ومواقعها السياسية. فكل جناح يسعى إلى تثبيت نفوذه داخل الحزب، بينما يعمل المحيطون بالقيادات على تأجيج الخلافات لحماية مصالحهم ومواقعهم التنظيمية.
وختم الكاتب مقاله قائلاً: تمثل أزمة حزب الشعب الجمهوري تحدياً حقيقياً لمستقبل المعارضة التركية بأكملها، لأن الحزب يشكل العمود الفقري لأي تحالف معارض قادر على منافسة السلطة.
فاستمرار الانقسامات الداخلية قد يؤدي إلى إضعاف الثقة الشعبية بالحزب، خصوصاً لدى الناخبين الذين كانوا يبحثون عن بديل سياسي مستقر وقادر على إدارة الدولة. كما أن الانشغال بالصراعات الداخلية قد يمنح الحكومة فرصة لتعزيز موقعها السياسي، في مواجهة معارضة تبدو منشغلة بذاتها أكثر من انشغالها بقضايا المجتمع.
















