تنظيم "إيوكا".. من الذاكرة الدامية إلى صراع سياسي متجدد في قبرص

داود علي | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

الهجوم الذي استهدف مدنيين من القبارصة الأتراك في منطقة "ييغيلتلر بورجو" في العاصمة القبرصية ليفكوشا مطلع أبريل/ نيسان 2026 لم يقرأ في أنقرة وشمال قبرص بصفته حادثا حدوديا عابرا، بل بصفته استدعاء مباشرا لذاكرة دامية مرتبطة باسم تنظيم إيوكا الإرهابي. 

وأعلن نائب الرئيس التركي جودت يلماز في 2 أبريل أن مسؤولية الهجوم "تقع على عاتق الإدارة القبرصية اليونانية" التي "مجدت القتلة والإرهابيين لعقود". وذلك بعد أن هاجمت مجموعات مرتبطة بإحياء ذكرى تأسيس تنظيم "إيوكا" اليوناني مدنيين من القبارصة الأتراك في الجانب التابع لجمهورية شمال قبرص التركية بالحجارة والعصي ومواد متفجرة بدائية. 

وفي اليوم نفسه، قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران: إن استهداف المدنيين "عمل استفزازي" يتجاهل سلامة المنطقة والقانون الدولي والقيم الإنسانية، مؤكدا أن تركيا ستواصل متابعة التطورات عن كثب.

هذه اللغة التركية الحادة لا يمكن فهمها من دون العودة إلى تاريخ التنظيم نفسه، وإلى موقعه في الذاكرة التركية والقبرصية التركية. 

فـ"إيوكا" اسم ارتبط، في الرواية التركية الرسمية وفي ذاكرة القبارصة المسلمين الأتراك، بسلسلة طويلة من أعمال العنف والتهجير والانقسام الأهلي. 

وتعرف موسوعة بريتانيكا الأسكتلندية "إيوكا" بأنه تنظيم قومي سري للقبارصة اليونانيين كان هدفه إنهاء الحكم البريطاني في قبرص وتحقيق "الإينوسيس"، أي ضم الجزيرة إلى اليونان. 

أما وزارة الخارجية التركية فتذهب أبعد من ذلك؛ إذ تقول في عرضها التاريخي للقضية القبرصية: إن التنظيم "بتوجيه من رئيس الأساقفة مكاريوس"، قتل البريطانيين والقبارصة المسلمين الأتراك وحتى بعض القبارصة اليونانيين المعارضين لفكرة "الإينوسيس".

مشروع "الإينوسيس"

بدأت القصة عمليا في الأول من أبريل/ نيسان 1955، حين أطلق التنظيم أولى عملياته المسلحة بقيادة الضابط القبرصي اليوناني جورجيوس غريفاس، المعروف باسم "ديغينيس". 

في تلك الليلة نفذت هجمات متزامنة على مواقع بريطانية في نيقوسيا ولارنكا وفاماغوستا، في افتتاح رسمي لما عرف لاحقا بـ"حالة الطوارئ في قبرص". بريتانيكا تلخص الغاية الأساسية لهذا العمل المسلح بأنها إنهاء الاستعمار البريطاني، لكن مع هدف إستراتيجي أوضح هو ضم الجزيرة إلى اليونان. 

وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل تاريخ "إيوكا" أكثر تعقيدا من مجرد سردية تحرر وطني؛ لأن مشروع "الإينوسيس" لم يكن بالنسبة إلى القبارصة الأتراك المسلمين مجرد خيار دستوري مختلف، بل تهديدا مباشرا لوضعهم السياسي والأمني داخل الجزيرة.

في السنوات الأولى من نشاط التنظيم، ركزت عملياته على الإدارة البريطانية، لكن صورة "إيوكا" بوصفه تنظيما موجها حصرا ضد الاستعمار لا تصمد طويلا أمام التطورات اللاحقة. 

فمع اقتراب نهاية الخمسينيات، وبالتوازي مع تصاعد الاستقطاب بين مشروع "الإينوسيس" الذي تبنته قطاعات واسعة من القبارصة اليونانيين، ومشروع "التقسيم" الذي تمسك به القبارصة الأتراك وتركيا، دخلت الجزيرة في طور جديد من الصدام الأهلي، فإيوكا بدأ منذ 1958 تنفيذ هجمات متزايدة ضد القبارصة الأتراك، وقتل أيضا يونانيين قبرصيين عارضوا توجهه الأيديولوجي. 

وعندما نالت قبرص استقلالها في 16 أغسطس/آب 1960 بموجب اتفاقيتي زيورخ ولندن، بدا أن ثمة فرصة لتسوية التناقضات عبر دولة مشتركة قائمة على تقاسم السلطة بين القبارصة اليونانيين والأتراك، وتحت ضمانات تركيا واليونان وبريطانيا. 

لكن هذه الصيغة كانت هشة منذ البداية؛ حيث شارك القبارصة اليونانيون والأتراك في نظام تقاسم للسلطة حتى عام 1963، قبل أن ينفجر الخلاف بشأن آلية عمل الدولة ويتحول إلى نزاع شامل ترك القبارصة اليونانيين في موقع إدارة الجمهورية المعترف بها دوليا. 

ووصل الأمر إلى أن العنف الذي اندلع في ديسمبر/ كانون الأول 1963 دفع الأمم المتحدة، بعد ستة أشهر، إلى إرسال قوة لحفظ السلام إلى الجزيرة، فيما انسحب القبارصة الأتراك إلى جيوب معزولة، وهو ما يعني أن التقسيم الفعلي بدأ قبل عام 1974 بكثير.

كانلي نويل

تلك اللحظة المفصلية دخلت الذاكرة التركية تحت اسم "كانلي نويل" أو "عيد الميلاد الدموي". 

ففي 21 ديسمبر 1963 اندلعت موجة عنف واسعة ضد القبارصة الأتراك؛ حيث قام أعضاء من "إيوكا" بتنفيذ مذبحة “عيد الميلاد الدموي” التي كانت "الخطوة الأولى من هجمات وحشية" ضد القبارصة الأتراك. 

وبحسب ما أوردته صفحة وزارة الخارجية التركية عن تاريخ تلك المذبحة، فإن دعم تركيا "الأم والضامن" ومقاومة القبارصة الأتراك حالت دون انتصار منفذي الهجمات. 

وفي التغطيات التركية المرتبطة بذكرى الحادثة، يستعاد باستمرار مشهد مقتل زوجة الطبيب العسكري نهاد إلهان وأطفاله الثلاثة في حوض الاستحمام، بوصفه إحدى الصور الأكثر رسوخا في الذاكرة الجمعية القبرصية التركية.

لكن الأثر التاريخي لـ"عيد الميلاد الدموي" لا يقتصر على رمزيته، بل يمتد إلى التحولات الديمغرافية والسياسية التي تلت. 

فبحسب تقرير للأمين العام للأمم المتحدة يعود إلى عام 1964 وتستشهد به وثائق تركية رسمية، فرَّ آلاف القبارصة الأتراك من منازلهم مع بداية الاضطرابات عام 1963 واستمرت هذه الموجة خلال الأشهر الأولى من 1964. 

وتورد وثيقة أخرى مرتبطة بالأمم المتحدة أن الخوف وانعدام الثقة بعد اختفاء 32 رهينة من القبارصة الأتراك في فاماغوستا في مايو/أيار 1964 أدى إلى توقف الحركة البرية الكبرى للقبارصة الأتراك، وأن تنقلهم بات يتم تحت مرافقة أممية. 

كما توثق تقارير أممية أشير إليها في مصادر تركية وأكاديمية أن 527 منزلا دمر و2000 منزل تعرض للنهب أو الأضرار في مناطق قبرصية تركية خلال تلك المرحلة، بينما تتحدث سرديات أخرى شائعة، نقلتها لاحقا دراسات وملفات توثيقية، عن نزوح نحو 25 ألف قبرصي تركي من 104 قرى. 

هذه الأرقام ليست تفصيلا إنسانيا فقط، بل هي جوهر القراءة التركية القائلة: إن القبارصة الأتراك تحولوا بسبب جرائم "إيوكا"، منذ 1963-1964 إلى مجتمع محاصر داخل جيوب معزولة في 3 بالمئة فقط من مساحة الجزيرة.


خطة أكريتاس

وفي الخطاب التركي الرسمي، يرتبط "إيوكا" أيضا بخطة "أكريتاس"، وهي الخطة التي تقول أنقرة: إن القبارصة اليونانيين استخدموها لتصفية الشراكة الثنائية في جمهورية قبرص بالقوة. 

إذ قامت عصابات إيوكا" بداية من ليلة 20 ديسمبر 1963 بتنفيذ "خطة أكريتاس" الهادفة إلى إقصاء الأتراك من الجمهورية المؤسسة على الشراكة. 

هذه الخطة بني عليها جزء أساسي من التفسير التاريخي لانقسام قبرص، فالمسألة لم تكن انفجارا أهليا عفويا، بل انتقالا من مشروع "الإينوسيس" إلى محاولات تغيير ميزان القوة الدستوري والديمغرافي بالقوة المسلحة لإيوكا الذراع المسلح للمسيحيين اليونانيين.

ثم جاءت السبعينيات لتضيف طبقة جديدة إلى هذا الإرث الدموي، ففي عام 1971 أسس غريفاس تنظيما جديدا هو "إيوكا 2" ، وهو تنظيم يميني متطرف تبنى الهدف نفسه، أي "الإينوسيس"، لكن في سياق جديد اتسم بالصدام مع الرئيس القبرصي مكاريوس نفسه. 

وتوضح "بريتانيكا" أن الانقلاب الذي وقع في يوليو/تموز 1974 كان مخططا له من المجلس العسكري الحاكم في أثينا، ونفذته وحدات من الحرس الوطني القبرصي يقودها ضباط يونانيون مدعومون بعناصر من "إيوكا". 

أما رويترز فتشير بوضوح إلى أن التدخل التركي العسكري في 20 يوليو 1974 جاء بعد "انقلاب قصير مدعوم من اليونان". 

هذا الحدث هو نقطة الانقسام الكبرى في الذاكرة القبرصية المعاصرة، ففي الشمال القبرصي وفي تركيا هذا التدخل استند إلى حق الضمان لأمن المسلمين القبارصة بعد انقلاب استهدف النظام الدستوري يقوده متطرفون مسيحيون يونانيون. 

ومن هنا يمكن فهم التصريحات التركية المعاصرة بشأن التنظيم، ففي 19 مارس 2026، هاجم رئيس وزراء جمهورية شمال قبرص التركية أونال أوستل رسالة لرئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا نشرت بمناسبة ذكرى تأسيس "إيوكا". 

ووصفها بأنها "فضيحة واضحة" و"تشويه للحقائق التاريخية"؛ لأنها تحدثت عن أعمال التنظيم بلغة "البطولة" و"الشجاعة". 

ووفق وكالة "الأناضول" التركية، قال أوستل: إن أي مقاربة "تمجد الإرهاب" أو تتجاهل ما عاشه القبارصة الأتراك من آلام لا قيمة لها بالنسبة لشمال قبرص. وبعد أقل من أسبوعين، عاد أوستل نفسه لينتقد الزعيم القبرصي اليوناني نيكوس خريستودوليدس بسبب تصريحات عُدت في نيقوسيا الشمالية مديحا لـ"إيوكا". قائلا: إن ذلك "يتجاهل الاضطهاد الذي تعرض له القبارصة الأتراك". 

هذه التصريحات تعني أن التنظيم لم يعد مجرد مادة للأرشيف، بل قضية سياسية حية في السجال الإقليمي والأوروبي.

الموقف التركي الرسمي يذهب في الاتجاه ذاته، ففي ديسمبر 2025، أحيت وزارة الخارجية التركية ذكرى "عيد الميلاد الدموي" ببيان شديد اللهجة استعمل تعبير "الهجمات الهمجية" ورأى أن القبارصة الأتراك هزموا "إرهابيي إيوكا" بمساندة تركيا. 

يذكر أن الكاتب والمؤرخ التركي الشهير قدير مصر أوغلو "رحل عام 2019"، كتب عن الجرائم التي ارتكبها تنظيم "إيوكا"، ومما قاله “قبرص لم تكن مسألة سياسية فقط، بل كانت مسألة بقاء للأتراك هناك، فقد تعرضوا لاعتداءات ومجازر”.