من الجدار إلى "غرين كارد".. هكذا يواصل ترامب حربه على المهاجرين

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإلزام غالبية المتقدمين للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة "غرين كارد" بمغادرة الولايات المتحدة والتقديم من بلدانهم الأصلية مجرد تعديل إداري في ملف الهجرة، بل بدا لمنتقديه حلقة جديدة ضمن مسار طويل من التشدد تجاه المهاجرين بدأ منذ حملته الرئاسية الأولى، وامتد لاحقا ليشمل الحدود واللجوء والإقامة وبرامج الحماية الإنسانية ولمّ شمل الأسر.

وأعلنت الإدارة الأميركية في 22 مايو/أيار 2026 أن الأجانب الموجودين داخل الولايات المتحدة بصورة مؤقتة والراغبين في الحصول على الإقامة الدائمة، سيتعين عليهم العودة إلى بلدانهم الأصلية لتقديم الطلبات، باستثناء حالات محدودة وصفت بأنها "استثنائية".

وبررت الإدارة القرار بأن التأشيرات المؤقتة، مثل تأشيرات الدراسة والعمل والسياحة، لا يفترض أن تتحول تلقائيا إلى مسار دائم للإقامة، بينما رأى منتقدون أن الإجراء قد يدفع آلاف العائلات إلى خيارات صعبة، ويؤدي إلى تعطيل الوظائف ومسارات الاستقرار القانوني.

لكن الجدل لا يتعلق فقط بالقرار الجديد، بل بالسياق الذي جاء فيه، إذ أعاد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض إحياء خطابه التقليدي حول الهجرة، مقدما نفسه باعتباره الرئيس الذي سيعيد "السيطرة على الحدود" ويطلق أكبر حملة ترحيل في تاريخ الولايات المتحدة.

تاريخ من التشدد

شكّل ملف الهجرة أحد أعمدة المشروع السياسي لترامب منذ حملته الأولى عام 2016، حين جعل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك رمزا سياسيا لرؤيته بشأن الأمن والسيادة والهجرة غير النظامية.

ورفع شعار بناء الجدار باعتباره الوسيلة الرئيسية لمنع تدفق المهاجرين والمخدرات والجريمة عبر الحدود الجنوبية، غير أن المشروع واجه عقبات مالية وسياسية وقضائية واسعة، وأثار انقساما حادا داخل الولايات المتحدة.

ورأى منتقدو المشروع أن الجدار يحمل بعدا رمزيا أكثر من كونه حلا عمليا، وأنه يعكس سياسة تقوم على الردع والعزل بدلا من معالجة الأسباب الاقتصادية والإنسانية للهجرة.

ووصل الخلاف حول تمويل الجدار إلى حد الإغلاق الجزئي للحكومة الأميركية بعد النزاع بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن تخصيص الأموال اللازمة للمشروع.

وخلال حملاته الانتخابية المتعاقبة، استخدم ترامب تعبيرات مثل "الغزو" لوصف تدفقات المهاجرين عبر الحدود الجنوبية، وهي لغة اعتبرها خصومه مؤدية إلى وصم جماعي للمهاجرين وربطهم بالجريمة بصورة ممنهجة.

كما أعاد مرارا التذكير بخطته لتنفيذ "أكبر عملية ترحيل في تاريخ أميركا"، مستهدفا في البداية المهاجرين المدانين بجرائم، قبل توسيع الطرح ليشمل ملايين المقيمين بصورة غير قانونية.

حظر السفر وملف المسلمين

في بداية ولايته الأولى، أثار ترامب موجة واسعة من الجدل بإصداره قرارا عرف إعلاميا باسم "حظر السفر"، استهدف مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

وبررت الإدارة الأميركية القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي والتدقيق الأمني، لكن منظمات حقوقية وسياسيين معارضين وصفوه بأنه تمييزي ويحمل طابعا إقصائيا.

وأثارت الخطوة احتجاجات واسعة داخل المطارات الأميركية، ودخلت في معارك قضائية استمرت أشهرا قبل إدخال تعديلات عليها.

ورغم التعديلات اللاحقة، ظل القرار أحد أكثر السياسات ارتباطا بصورة ترامب في ملف الهجرة والهويات الدينية.

"الحالمون" تحت التهديد

من أكثر الملفات حساسية خلال عهد ترامب قضية المهاجرين الذين دخلوا الولايات المتحدة وهم أطفال، المعروفين باسم "الحالمين" (Dreamers).

وكان هؤلاء يستفيدون من برنامج DACA الذي وفر لهم حماية مؤقتة من الترحيل ومنحهم حق العمل.

لكن إدارة ترامب سعت إلى إنهاء البرنامج معتبرة أن إنشائه تجاوز للصلاحيات التنفيذية، ما أدى إلى موجة من القضايا القضائية والاحتجاجات.

ورأى المدافعون عن البرنامج أن المستفيدين نشؤوا داخل المجتمع الأميركي، ودرسوا وعملوا فيه، ولا يعرف كثير منهم وطنا آخر غير الولايات المتحدة.

وأصبحت قضية "الحالمين" نموذجا للصدام بين المقاربة الأمنية التي تتبناها الإدارة ومفهوم الاندماج الاجتماعي الذي يدافع عنه المعارضون.

وشهدت سياسات اللجوء بدورها تحولات واسعة خلال سنوات ترامب، فقد جرى تشديد معايير قبول طالبي اللجوء وتقليص بعض برامج الحماية الإنسانية وربط الملف بصورة أكبر باعتبارات الأمن والهجرة غير النظامية.

كما حاولت الإدارة تقليص استقبال بعض الفئات القادمة من مناطق النزاعات والأزمات الإنسانية.

ويرى منتقدون أن هذه الإجراءات أضعفت تقاليد أميركية قديمة تقوم على استقبال الفارين من الحروب والاضطهاد، بينما يعتبر مؤيدوها أن النظام السابق كان عرضة للاستغلال ويحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة.

الاحتجاز والترحيل الجماعي

ظل وعد ترامب بإطلاق "أكبر عملية ترحيل في تاريخ أميركا" من أكثر شعاراته إثارة للجدل، ودعا مرارا إلى توسيع عمليات الإبعاد وزيادة قدرات الاحتجاز وتسريع الإجراءات التنفيذية.

كما أعاد بعض المراقبين التذكير بعملية "Operation Wetback" التي نفذت في خمسينيات القرن الماضي لترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين المكسيكيين، وهي العملية التي تعرضت لاحقا لانتقادات حادة بسبب اتهامات بالتمييز وانتهاكات حقوق الإنسان.

وأثارت مراكز الاحتجاز الحدودية انتقادات متكررة، خاصة بعد نشر صور وتقارير أظهرت أطفالا منفصلين عن عائلاتهم داخل مراكز التوقيف.

وتحولت مشاهد فصل الأطفال عن ذويهم إلى إحدى أكثر اللحظات إحراجا لإدارة ترامب الأولى، بعدما واجهت انتقادات من منظمات حقوقية وكنائس وشخصيات سياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

قرار "غرين كارد"

وسط هذا الإرث المثير للجدل، جاء القرار الجديد المتعلق ببطاقة الإقامة الدائمة، حيث تعد "غرين كارد" واحدة من أهم أدوات الاندماج داخل المجتمع الأميركي، إذ تمنح حق الإقامة والعمل وتفتح لاحقا الباب أمام الحصول على الجنسية.

وتمنح الولايات المتحدة أكثر من مليون بطاقة إقامة سنويا، فيما كان جزء كبير من المتقدمين يستكملون الإجراءات أثناء وجودهم داخل البلاد.

غير أن القرار الجديد يغير هذا المسار بالنسبة لشرائح واسعة، إذ يفرض على المتقدمين العودة إلى بلدانهم الأصلية ومتابعة الطلبات عبر القنصليات الأميركية.

ويرى معارضون أن الإجراء قد يؤدي إلى تعطيل خطط الاستقرار العائلي وزيادة تكاليف السفر والإجراءات، فضلا عن إطالة فترات الانتظار وتعقيد ملفات لمّ الشمل.

كما قد يواجه بعض المتقدمين خطر فقدان وظائفهم أو تعطيل مساراتهم المهنية والقانونية.

في المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية أن الهدف هو منع استخدام الإقامة المؤقتة باعتبارها "بوابة خلفية" للحصول على الإقامة الدائمة.

الاقتصاد والهجرة

لا يقتصر الجدل على البعد الإنساني، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضا، فأنصار سياسات ترامب يرون أن تشديد الهجرة يخفف الضغط على الخدمات العامة ويحمي فرص العمل للمواطنين الأميركيين.

لكن اقتصاديين ومنظمات أعمال يجادلون بأن قطاعات كاملة تعتمد على العمالة المهاجرة، مثل الزراعة والبناء والضيافة والرعاية الصحية والتكنولوجيا.

ويحذر هؤلاء من أن تضييق مسارات الإقامة أو التوسع في سياسات الإبعاد قد يؤدي إلى نقص العمالة وارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الضغوط التضخمية.

كما تشير تقديرات إلى أن تنفيذ حملات ترحيل واسعة قد يتطلب ميزانيات ضخمة تمتد لسنوات.

في المقابل، يصر مؤيدو التشدد على أن تقليص الهجرة يمنح العمال الأميركيين فرصا أكبر ويرفع الأجور.

وهكذا يبقى النقاش منقسما بين من يرى المهاجرين عبئا على الاقتصاد والخدمات، ومن يعتبرهم جزءا أساسيا من النمو الأميركي.

معركة هوية

ويرى باحثون أن الهجرة بالنسبة لترامب لم تعد مجرد ملف أمني أو إداري، بل تحولت إلى جزء من معركة أوسع تتعلق بالهوية والثقافة والسيادة الوطنية.

ولهذا غالبا ما يرتبط خطاب الهجرة لديه بمفاهيم حماية الحدود والأمن القومي وشعار "أميركا أولا".

أما خصومه فيعتبرون أن هذا النهج يخلق مناخا من الاستقطاب، ويحول المهاجرين من قضية اجتماعية واقتصادية معقدة إلى خصم سياسي دائم.

ويبقى السؤال مطروحا: هل يمثل قرار "غرين كارد" مجرد تعديل إجرائي أم خطوة إضافية ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل منظومة الهجرة الأميركية؟

المؤشرات الحالية توحي بأن الإدارة تميل إلى تضييق مسارات الإقامة وتشديد الرقابة وربط الهجرة بصورة متزايدة بمفاهيم الأمن والسيادة.

لكن منتقدي هذه السياسات يرون أن الولايات المتحدة، التي بُني جزء كبير من تاريخها الحديث على الهجرة، قد تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا: كيف يمكن حماية الحدود من دون تقويض صورة البلاد بوصفها وجهة للفرص والاستقرار؟

إيضاحات وتفسيرات

وأثار قرار الإدارة الأميركية الأخير موجة غضب واستياء واسع بين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، وانتشرت قصص شخصية عن أطباء ومهندسين وآباء سيضطرون لترك أبنائهم الأميركيين، وسط تأكيدات أن القرار "وحشياً" و"مدمراً للعائلات".

وتداول محامون وناشطون عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الهجرة_الأمريكية #الغرين_كارد، #الإدارة_الأميركية، مقاطع فيديو تشرح القرار الأميركي وتوضح تبعاته وتحذر المهاجرين، مؤكدين أن الخطوة تعقّد أوضاع مئات آلاف المقيمين بشكل قانوني.

تمييز وعنصرية

واتهم ناشطون الإدارة الأميركية بالعنصرية والتمييز ضد دول معينة (غالباً ما يُشار إليها بدول "العالم الثالث" أو الدول العربية والإسلامية) بسبب التعديل الجديد الذي يلزم طالبي الغرين كارد بالتقديم من بلدانهم الأصلية بدلاً من داخل الولايات المتحدة، مؤكدين أن هذا الإجراء يعكس تشدداً أكبر في عملية الهجرة القانونية. 

ووصفوا القرار بأنه "خطوة معادية للمهاجرين" تهدف إلى تعقيد الإجراءات وإجبار المتقدمين (خاصة الطلاب والعمال والحاصلين على تأشيرات مؤقتة) على مغادرة أميركا، مما يُفسر كمحاولة لتقليل الهجرة من مناطق "غير مرغوب فيها" وتعزيز سياسات "أميركا أولاً" التي يرونها عنصرية. 

طرد ناعم 

وعبّر ناشطون ومهاجرون من حسابات شخصية عن صدمة وقلق شديدين من القرار الأميركي، واصفين القرار بـ"الطرد الناعم" أو "الضغط النفسي" الذي يدفع المهاجرين للمغادرة طوعاً خوفاً من عدم العودة بسبب بطء البيروقراطية، تغيرات السياسات، والقيود الأمنية المحتملة. 

وحذروا من تبعات كارثية على العمال المهرة، أزواج المواطنين الأميركيين، والعائلات، مثل انقطاع الروابط الأسرية، فقدان الوظائف، تعطيل المسارات القانونية، وتوسيع الحظر على بعض الجنسيات، مما يحول أميركا — التي كانت رمزاً للهجرة — إلى بيئة معادية. 

ذريعة سخيفة

وسخر ناشطون من مبررات الإدارة الأميركية لقرارها 2026 الذي يطالب معظم طالبي البطاقة الخضراء بمغادرة الولايات المتحدة وتقديم الطلب من بلدانهم الأصلية، بحجة "سد ثغرة في نظام الهجرة"، عادين ذلك  "ذريعة سخيفة" أو "كوميديا سوداء".

وأكدوا أن القرار يجعل الحياة أصعب على المهاجرين القانونيين بدلاً من التركيز على "الهجرة غير الشرعية"، متوقعين أن يواجه القرار تحديات ودعاوى قانونية قريباً لعرقلته.

نصائح وتوجيهات

وقدم ناشطون نصائح عملية لطالبي الهجرة بعد القرارات الأخيرة منها عدم السفر داخل أميركا مراجعة الأوراق جيدا والتفكير في بدائل، مؤكدين أن أميركا أصبحت بلد منفر  حتى للسياحة وللاستثمار بسبب سلوكيات الحكومة الأميركية في عهد ترامب التي اصبحت طاردة للسكان وليست جاذبة للهجرة.