ضربة تكتيكية.. ما خطورة سيطرة "الدعم السريع" على ولاية سنار بالسودان؟

داود علي | 13 days ago

12

طباعة

مشاركة

تشكل المعركة الدائرة في مدينة "سنجة" عاصمة ولاية "سنار" جنوب شرق السودان، حلقة جديدة أكثر خطورة في مسلسل الحرب الدموية المستعرة بين قوات الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع. 

إذ إن "سنار" تعد ولاية مفتاحية ونقطة وصل بين وسط السودان وشرقه، نظرا لموقعها الذي يشكل بوابة رئيسة لشرق البلاد.

وفي نهاية يونيو/ حزيران 2024، بدأ صوت المدافع يدوّي في سماء مدينة “سنجة” على بعد 360 كيلو مترا من العاصمة الخرطوم. 

احتلال سنجة 

وبدأت قصة الملحمة الأخيرة عندما كان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان يزور ولاية "سنار"، ويتفقد الخطوط الأمامية للجيش التي تواجه الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" المدعوم إماراتيا. 

وبالتزامن مع الزيارة، أعلنت مليشيات الدعم السريع المتمردة سيطرتها على كامل مدينة سنجة، عاصمة الولاية.

وذكر موقع "سودان تريبيون" المحلي في 1 يوليو/ تموز 2024، أن قوات الدعم السريع نجحت في إسقاط سنجة بعد تحريك عناصرها من مناطق جبل موية، التي تبعد نحو 40 كيلومترا جنوب مدينة سنار، عبر الطرق الترابية.

وتسلمت المليشيات قاعدة الجيش في سنجة ومقر الحكومة المحلية، وبدأت عناصرها في ارتكاب انتهاكات مروعة بينها نهب ممتلكات السكان وترويعهم.

وأدى احتدام المعارك في سنجة إلى فرار جماعي لسكان عدد من مناطق ولاية سنار نحو القضارف الواقعة في شرق السودان على تخوم إثيوبيا. 

وهو ما دعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لإصدار بيان في 3 يوليو يفيد بأن أكثر من 60 ألف شخص فروا بسبب القتال في سنجة، إضافة إلى انعدام الأمن في منطقتي أبو حجر والدالي القريبتين.

ثم ذكرت صحيفة "سودان تربيون" أيضا أن قوات الدعم السريع بسطت سيطرتها على مقر اللواء 67  (يتبع الفرقة 17 مشاة) التابعة للجيش بعد انسحاب القوات المسلحة إلى مدينة سنار للتمركز هناك. 

وكان المتحدث العسكري باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبدالله، قد أعلن في 30 يونيو أن القوات المسلحة ماتزال تقاتل مليشيات الدعم السريع في عاصمة ولاية سنار، ونوّه إلى أنها متمسكة بمواقعها في المدينة.

لكن شهود عيان أكدوا لصحيفة "الراكوبة" المحلية في 1 يوليو، أن المتمردين سيطروا بالفعل على مدخل جسر النيل الأزرق الرابط بين مدينة سنجة ومناطق شرق سنار، وسط أنباء عن تمددها شرقا نحو محلية الدندر في الحدود مع ولاية القضارف.

وهو ما عضدته المقاطع التي بثتها منصات التواصل الاجتماعي التابعة للدعم السريع، والتي أظهرت الوجود الكثيف لقواتهم في أنحاء واسعة من سنجة.

ويكمن الهدف من هذه الخطوة في عزل سنار عن النيل الأبيض وشرق السودان وموانئ البحر الأحمر.

وبالتبعية قطع طرق الإمداد عن قوات الجيش عبر تلك المناطق، وتضييق الخناق على الفرق العسكرية الرئيسة في ولايات وسط السودان وهي النيل الأزرق والنيل الأبيض.

كما تطمح مليشيا الدعم السريع عبر الاستيلاء على سنجة للوصول إلى الحدود مع كل من جنوب السودان وإثيوبيا.

وهو ما سيضمن لها تدفق الجنود المرتزقة من الدولتين، والحصول على الدعم اللوجستي عبر الجنوب.

أهمية كبيرة 

وتأتي خطورة سقوط سنجة، امتدادا من الموقع الجغرافي، حيث تقع سنار جنوب شرق السودان، في قلب ما يعرف بالحزام الطيني الذي يغطي وسط البلاد. 

وتحدها من الشمال ولاية الجزيرة (سقطت في يد الدعم السريع)، ومن الجنوب ولاية النيل الأزرق (تحت سيطرة الجيش).

ومن الشرق ولاية القضارف وجزء من الخط الحدودي الفاصل بين السودان وإثيوبيا (تحت سيطرة الجيش)، ومن الغرب ولاية النيل الأبيض، وولاية أعالي النيل التابعة لدولة جنوب السودان.

وتغطي سطح الولاية سهول شبه منبسطة تنحدر قليلا نحو الشمال، وتمتاز في غالبها بسطح مستوٍ، مع وجود تلال وجبال متفرقة مثل: جبال موية وسقدي وكردوس وأبو قرود ولوزي.

وتقدر مساحة سنار بـ40 ألفا و680 مترا مربعا، بما يعادل نحو 2.7 بالمئة من مساحة السودان.

وتنقسم إداريا  إلى 7 محليات (محافظات)، هي: "سنار" و"سنجة" و"الدندر" و"الدالي والمزموم" و"شرق سنار" و"السوكي" و"أبو حجار".

كما تضم 21 وحدة إدارية، ونحو 1000 قرية، ويبلغ عدد سكانها نحو 1.4 مليون نسمة. 

وتكمن أهميتها الجيوسياسية في كونها عبارة عن حلقة وصل مفصلية بين وسط السودان وشرقه، وتربط بين عدد من المدن الإستراتيجية بالغة الأهمية في شرق وغرب البلاد وجنوبها.

وتشكل سنار عمقا مهما لمناطق ولايات كردفان، إذ تصلها مع موانئ البحر الأحمر. وإلى جانب ذلك تضم أبرز نقطة تقاطع لخطوط السكك الحديدية في السودان.

لا يقف الأمر عند الجانب الجيوسياسي، بل هناك أهمية اقتصادية كبرى للولاية، حيث تمثل سنار منطقة اقتصادية حيوية، حاليا وعلى مر التاريخ.

فهي واحدة من أكبر المراكز التجارية ومن أغنى المناطق بالسودان حيث تضم مشاريع إنتاجية كبرى، مثل مشروع السوكي الزراعي.

وتضم كذلك خزاني الروصيرص وسنار اللذين يسهمان بنحو 52 بالمئة من الإمداد الكهربائي للبلاد، ويرتكز عليهما مشروع الجزيرة الزراعي، الذي يمتد على مساحة تبلغ 2.3 مليون فدان.

ويمثل القطاع الصناعي أحد النشاطات الحيوية في سنار، والتي تعتمد في إنتاجها إلى حد بعيد على المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.

ومن الصناعات البارزة الأكثر أهمية هناك صناعة الأغذية والنسيج، كما يرتبط النشاط الصناعي بالتجاري، من خلال تسويق المحاصيل الزراعية، والصناعات التي ترتكز عليها.

حرب ضبابية

ولطالما اشتهرت سنار بأنها ولاية في منأى عن الصراعات والحروب الأهلية التي شهدها السودان عبر تاريخه. 

غير أن الاضطرابات التي بدأت في أواخر عام 2018، والتطورات التي تلتها وانتهت باشتعال الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع أثرت على سنار.

وأسفرت المعارك القاسية في عاصمتها سنجة ومحيطها، عن حالة من الرعب الشديد أصابت سكان المنطقة، ودفعتهم للفرار من بيوتهم.

ويصف السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبدالعاطي، المعركة في سنار بأنها ضبابية، فلا منتصر حقيقيا ولا مهزوم نهائيا. 

وقال في حديثه لـ"الاستقلال"، إن إعلام الطرفين المتقاتلين في سنار سواء الجيش أو مليشيات الدعم السريع المتمردة يبالغ في إعلان الانتصارات وحسم المعركة.

والأكيد أن الأخبار وشهادات الشهود الوافدين من سنجة تؤكد وجود قوات الدعم السريع والجيش أيضا في بعض الأحياء، وأعداد كبيرة من المواطنين هربوا من القتال الطاحن، وفق قوله.

وأكد عبد العاطي أنها ليست المرة الأولى التي تتوسع فيها قوات حميدتي، حيث تمددت من الخرطوم والي مدني والنيل الأبيض والنيل الأزرق خلال هذه الحرب ثم تراجعت واندحرت.

وأردف: “الآن هي في سنجة ولا ندري أين ستكون غدا، فنحن أمام حالة عصيبة لم يشهدها السودان في تاريخه”. 

ويرى السياسي السوداني أن هذه الحرب عبثية وأنها ضد الشعب "ولو بالغنا من جهتنا فسنعلن أنها معركة نهايتها أفول السودان بشكله القديم".

ويعتقد أن الحرب قد تؤدي إلى انشطار السودان إلى ممالك وطوائف وجيوش وجماعات وأحزاب، وهذا يثبت كل يوم بالفعل، وفق تقديره.