إيران والسودان يتبادلان فتح السفارات.. ماذا تغير بعد سنوات القطيعة؟

منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

أعلنت الحكومة السودانية في 21 يوليو/ تموز 2024 تسلّم قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان، أوراق اعتماد السفير الإيراني الجديد حسن شاه حسيني لدى استقباله في بورتسودان.

بينما افتتح وزير الخارجية السوداني حسن عوض علي في 30 من نفس الشهر، مقر سفارة السودان في العاصمة الإيرانية طهران.

وقال بيان صادر عن وزارة الخارجية السودانية إن "الخطوة تمثل إيذانا ببدء عمل السفارة السودانية في إيران، بعد انقطاع 8 سنوات".

وفي تعقيبه، أكد معهد بحثي إيطالي في تقرير استعرض فيه تاريخ العلاقات بين البلدين والمصالح الإيرانية من العملية، أن تبادل السفراء والتقارب بين البلدين يشكل تغييرا إستراتيجيا في العلاقات بينهما بعد قطيعة دبلوماسية دامت ثماني سنوات.

وقال "معهد تحليل العلاقات الدولية" إن "تاريخ العلاقات بين إيران والسودان اتسم بتقلبات مختلفة بحسب الظروف السياسية."

تاريخ العلاقات

ذكر المعهد أن السودان دعم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، حرب الخليج الأولى في الفترة 1980-1988، ولكنه غيّر نهجه مع انقلاب عام 1989 الذي صعد على إثره الرئيس الأسبق عمر البشير إلى السلطة.

كما قدم السودان الدعم للعراق في غزوه للكويت وقطع العلاقات مع دول الخليج، بينما قام الجيش السوداني خلال نفس الفترة بتعزيز العلاقات العسكرية مع الحرس الثوري الإيراني.

وفي التسعينيات تدهورت العلاقات بين البلدين بسبب طرد زعيم القاعدة، أسامة بن لادن من السودان والعقوبات الأميركية.

وفي عام 2012، بدأت إيران استخدام الموانئ السودانية لسفنها مستفيدة من موقع السودان الإستراتيجي على البحر الأحمر والقارة الإفريقية.

إلا أن علاقات البلدين شهدت توترات جديدة في عام 2014 على إثر قرار السودان غلق المراكز الثقافية الإيرانية بتهمة "التبشير بالمذهب الشيعي". 

وكان الدافع وراء هذه الخطوة، بحسب مراقبين، رغبة السودان في الحصول على دعم دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة العقوبات الأميركية واستجابة لضغوط داخلية وخارجية في تلك الفترة.

وفي عام 2015، انضم السودان إلى التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد مليشيا الحوثي اليمنية وأرسل قوات للمشاركة في عملية "عاصفة الحزم" لإعادة الشرعية في اليمن.

وفي عام 2016، قطعت الحكومة السودانية علاقاتها مع إيران بعد الهجوم على السفارة السعودية في طهران، وطلبت آنذاك من السفير الإيراني في الخرطوم وكامل البعثة الدبلوماسية الإيرانية لديها مغادرة البلاد، وقامت باستدعاء السفير السوداني في طهران.

لكن التقارب بين طهران والرياض من خلال التوصل إلى اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما في مارس 2023، بوساطة الصين، أحدث تغييرا جديدا في نهج السياسة السودانية، على حد تعبير المعهد الإيطالي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، قرر السودان وإيران استئناف العلاقات الدبلوماسية في سياق كانت فيه الحكومة السودانية، بدعم من الجيش، تبحث عن حلفاء في نزاعها المسلح ضد قوات الدعم السريع.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، التقى عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش، الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية التي استضافتها السعودية.

الدعم الإيراني بالصراع

تدخلت إيران أيضا في الصراع السوداني وقدمت الدعم العسكري والمالي للقوات المسلحة السودانية في حربها ضد قوات الدعم السريع، بحسب المعهد الإيطالي.

ونقل عن مصادر إعلامية، أن إيران زودت الجيش السوداني في يناير الماضي بطائرات دون طيار من نوع "مهاجر 6" مؤهلة لمهام الرصد ونقل المتفجرات.

وذكرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية أن "أقمارا اصطناعية التقطت صورا لطائرة دون طيار من نوع مهاجر 6 الإيرانية، في قاعدة وادي سيدنا، شمالي أمدرمان، خاضعة لسيطرة الجيش".

وقال ثلاثة مسؤولين غربيين، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم للوكالة الأميركية إن "السودان تلقى شحنات من طائرة مهاجر 6، وهي مسيرة ذات محرك واحد تم تصنيعها في إيران، وتحمل ذخائر موجهة".

وبحسب المعهد الإيطالي، رفض عبدالفتاح البرهان في البداية العرض الإيراني في محاولة لتجنب التوترات مع الولايات المتحدة، لكن الوضع على الأرض تطور بسرعة. 

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2023، حقق محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، قائد مليشيا الدعم السريع، انتصارات كبيرة ونجح قواته في السيطرة على منطقة الجزيرة الإستراتيجية ومناطق من العاصمة الخرطوم.

ومع تقدم مليشيا الدعم السريع، اضطرت القوات المسلحة السودانية إلى التراجع إلى موقع دفاعي وقررت الاستعانة بطائرات إيرانية بدون طيار في محاولة لاحتواء تقدم قوات حميدتي.

مصالح إيران بالسودان

ويشير المعهد البحثي الإيطالي إلى أن الاهتمام الإيراني بالسودان يرتكز "بشكل أساسي على رغبة طهران في امتلاك حليف إستراتيجي مهم على البحر الأحمر".

ونوه إلى أن هذه المنطقة اكتسبت "أهمية متزايدة بالنسبة لإيران في أعقاب الحرب الإسرائيلية الفلسطينية وما نتج عنها من هجمات الحوثيين ضد حركة الشحن البحرية في البحر الأحمر بهدف عرقلة التجارة الدولية وإمدادات حلفاء إسرائيل".

وأكد أن "السيطرة على ميناء إضافي في هذه المنطقة يعني تعزيز إيران ومحور المقاومة لوجودهما وقوتهما وتنفيذ هجمات أكثر فعالية ضد إسرائيل ومؤيديها".

ويضيف المعهد الإيطالي أن الاهتمام الإيراني بالسودان يندرج أيضا ضمن الإستراتيجية البلاد الأوسع للتوسع في إفريقيا، والتي انطلقت تحت رئاسة إبراهيم رئيسي.

وفي صيف 2023، قام رئيسي بجولة في إفريقيا أبرم خلالها اتفاقيات تعاون مع أوغندا وكينيا وزيمبابوي.

 وبحسب المعهد الإيطالي، تنطوي هذه الاتفاقيات على ثلاثة أهداف رئيسة، أولها الخروج من العزلة الدولية الناجمة عن العقوبات المفروضة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018.

 فيما يتمثل الهدف الثاني في استغلال الموارد الطبيعية للقارة، هذا إلى جانب توسيع النفوذ الإيراني إلى خارج الحدود.

ولذلك، يستنتج أن التقارب مع السودان من شأنه أن يسهل دخول إيران إلى القارة الإفريقية وتوسيع نطاق نفوذها وتعزيز موقعها الجيوسياسي في منطقة ذات أهمية إستراتيجية.