لماذا تتمنى أوروبا "خسارة ترامب الحرب ضد إيران"؟.. صحيفة صينية تجيب

منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

بعد أن شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب على إيران نهاية فبراير/ شباط 2026، لم تكتف بعض الدول الأوروبية بإدانة الغارات الأميركية الإسرائيلية، بل رفضت أيضا السماح لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية.

وبدا واضحا أن الحلفاء الأوروبيين لم يصطفوا إلى جانب الولايات المتحدة كما كان متوقعا، بل أظهروا مواقف تميل إلى التباعد والرفض.

وفي هذا السياق، تساءل موقع "المراقب" الصيني عن أسباب هذا التحول، وكيف يمكن أن يؤثر على العلاقات عبر الأطلسي؟ ولماذا أصبحت أوروبا تتمنى هزيمة ترامب في حربه مع إيران؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، أجرى الموقع الصيني حوارا مع الباحث المقيم في فرنسا وعضو معهد الصين في جامعة فودان، سونغ لوتشنغ.

صدمة أخرى

ويرى لوتشنغ أن هناك عدة أسباب رئيسة لعدم رغبة أوروبا في مواصلة السير خلف الولايات المتحدة.

وقال: "أولا، تعرضت العلاقات الأوروبية الأميركية خلال العام الأول من حكم ترامب لضرر بالغ، ما جعل من الصعب على أوروبا تقديم الدعم كما في السابق".

وتابع: "ثانيا، ترى أوروبا أنها تواجه تهديدا مباشرا من روسيا، ولا ترغب في أن تشتت الولايات المتحدة تركيزها، إذ إن المستفيد من التصعيد الأميركي الإيراني هو روسيا نفسها؛ حيث أدى إلى تحويل الانتباه الدولي عنها، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة عزز موقعها، في حين تضررت أوروبا المعتمدة على الاستيراد".

فخلال عشرة أيام فقط من اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 50 بالمئة، والنفط بنسبة 27 بالمئة، ما كلف أوروبا نحو 3 مليارات يورو إضافية في واردات الطاقة.

من جانب آخر، أِشار لوتشنغ إلى أن “تطور أوروبا يعتمد على استقرار النظام الدولي القائم، ورغم أنها لا تؤيد إيران، فإن الحفاظ على هذا النظام يمثل أولوية أكبر”، حيث تخشى القارة العجوز من أن ينعكس ذلك على استقرار وسيادة الدول الأوروبية.

ولفت إلى أن "النظام الدولي القائم تعرض لاهتزازات قوية منذ وصول ترامب إلى السلطة". 

وأضاف: "ومع شن حرب على دولة ذات سيادة دون تفويض أممي أو داخلي، يبدو أن ذلك يضفي شرعية ضمنية على سلوكيات مماثلة، مثل الحرب الروسية على أوكرانيا، بل ويفتح الباب أمام تهديدات أخرى محتملة، مثل تلك المتعلقة بجزيرة غرينلاند".

في البعد الديمغرافي، أشار لوتشنغ إلى أن "أوروبا تحتضن أعدادا كبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط، ما يجعل استقرار المنطقة عاملا مؤثرا في استقرارها الداخلي".

إذ إن "أي تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى موجات لجوء إضافية، ويزيد الضغط على قدراتها الاستيعابية، كما قد يثير توترات اجتماعية وسياسية داخلية نتيجة ارتباط هؤلاء المهاجرين بأوطانهم الأصلية".

وبناء على ذلك، يرى الباحث الصيني أن "الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يمثل صدمة أخرى واضطرابا للعلاقات عبر الأطلسي".

وفي تقديره، "لا يقتصر الموقف الأوروبي على عدم دعم الولايات المتحدة، بل إن هناك من يتمنى سريا فشلها".

وأرجع لوتشنغ ذلك إلى أن "إيران ليست تهديدا لأوروبا، لكن أميركا في عهد ترامب هي التهديد الحقيقي". 

ويعتقد أنه "رغم معارضة أوروبا لإيران، فإن ممارسات أميركا تعد تقويضا خطيرا للنظام الدولي، وهذا هو جوهر الخلاف والصراع بين الطرفين اليوم".

بل وقدر لوتشنغ أن الأوروبيين يأملون هزيمة ترامب في الحرب الجارية، وفسر ذلك بأن "انتصار طهران قد يؤدي إلى كبح سياسات ترامب، كما أنه سينعكس على انتخابات التجديد النصفي (نوفمبر/ تشرين الثاني 2026) في الولايات المتحدة".

وشدد على أن "أوروبا ضاقت ذرعا بترامب، وتأمل أن يظهر توازن داخلي يحد من اندفاعه، وأملها الوحيد حاليا هو الانتخابات النصفية".

"أما إذا حقق ترامب نصرا في الحرب وفاز بالانتخابات النصفية، فلا أحد يعرف ما الذي قد يفعله في السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يمثل تهديدا على أوروبا والعالم، خصوصا إذا وجه أنظاره مجددا نحو غرينلاند، وهو ما سيخلق معضلات جيوسياسية أكثر تعقيدا"، وفق قوله.

واستطرد: "في الواقع، فإن انتصار إيران -من هذا المنظور- قد يسهم، إلى جانب مواقف أخرى كتصدي الصين للضغوط التجارية الأميركية ودفاع أوروبا عن غرينلاند، في الحفاظ على قدر من التوازن في النظام الدولي".

انقسام أوروبي

وتناول الموقع الصيني ما وصفه بـ"الانقسام داخل القارة الأوروبية نفسها"، فقد رضخت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في نهاية المطاف لضغوط ترامب، بينما رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح باستخدام قواعدها.

وتساءل: "لماذا اتخذت لندن ومدريد موقفين متباينين رغم استنادهما إلى مخاوف مرتبطة بالقانون الدولي؟ وما الذي يكشفه هذا التباين عن التحديات العميقة التي تواجه أوروبا في سعيها نحو الاستقلال الإستراتيجي؟ وهل تتعرض أسس السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاهتزاز؟

وأجاب لوتشنغ بأن "إسبانيا وبريطانيا يمثلان طرفي نقيض داخل أوروبا".

وتابع: "فمنذ عودة ترامب للبيت الأبيض، اتخذت مدريد موقفا معارضا بوضوح، ليس فقط ضد ضغوطه لزيادة الإنفاق الدفاعي، بل أيضا ضد سياساته الجمركية، وهو ما يختلف عن نهج دول أوروبية أخرى فضلت التهدئة أو تجنب المواجهة المباشرة، وينطبق ذلك أيضا على موقفها من الهجمات على إيران".

وبحسبه، "تعود أسباب الموقف الإسباني إلى عدة عوامل، أولا، ينتمي رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى التيار اليساري، ويشدد على رفض الحروب غير المشروعة والدفاع عن النظام الدولي، كما يسعى إلى لعب دور قيادي داخل اليسار الأوروبي".

وأضاف: "ثانيا، لا تزال تجربة حرب العراق عام 2003 حاضرة في الذاكرة الإسبانية؛ حيث لم يجلب دعم الحرب أي مكاسب أمنية، بل أدى إلى هجمات إرهابية داخل البلاد، ما عزز المزاج الشعبي المناهض للحروب".

على المستوى الشعبي، أشار إلى أن "الرأي العام الإسباني يعارض ترامب بشدة، إذ تصل نسبة المواقف السلبية تجاهه إلى 77 بالمئة، ما يجعل تبني موقف مناهض له مفيدا سياسيا داخليا".

وعلى الصعيد الاقتصادي، لفت إلى أن "إسبانيا لا تعتمد اقتصاديا على الولايات المتحدة بدرجة كبيرة، إذ لا تتجاوز تجارتها معها 4.4 بالمئة من الناتج المحلي، ما يمنحها هامش استقلالية أوسع، خاصة مع دعم الاتحاد الأوروبي لها في مواجهة الضغوط الأميركية".

أما بريطانيا، فذكر الباحث أن "(العلاقة الخاصة) مع أميركا تشكل عبئا ثقيلا، رغم وجود حكومة يسارية، فبريطانيا تعتمد على واشنطن عسكريا وأمنيا واقتصاديا، بل وحتى في مكانتها الدولية، ما دفع حكومة ستارمر، بعد تردد أولي، إلى الاصطفاف في النهاية إلى جانب الولايات المتحدة".

وقدر الموقع أن "هذا التباين يعكس أزمة أعمق داخل الاتحاد الأوروبي، فهو من جهة لا يتفق مع السياسات الأميركية، لكنه من جهة أخرى يفتقر إلى القدرة على معارضتها بشكل حاسم، وهنا تتجلى صعوبة تحقيق (الاستقلال الإستراتيجي)".

وكما أقر الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في خطاب أمام البرلمان الأوروبي عام 2026: "إذا كان هناك من يعتقد أن أوروبا يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، فهو واهم". 

وعقّب الباحث قائلا: “إذا كان الأمن غير مضمون ذاتيا، فأين الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي؟”

ولفت إلى أن "دول أوروبا الشرقية والبلطيق والشمال، بحكم قربها من روسيا، تعتمد على المظلة الأمنية الأميركية، وبالتالي تعارض أي سياسات قد تضر بالعلاقة مع واشنطن".

وتكمن المعضلة، حسب رأيه، في أنه "بحكم آليات عمل الاتحاد الأوروبي، تبقى قضايا السياسة الخارجية والأمن بيد الدول ذات السيادة، ما يجعل من الصعب بلورة موقف موحد، حتى في ظل دعوات متكررة من دول كفرنسا لتعزيز الاستقلال الإستراتيجي".

نهج مزدوج

وبالنسبة لفرنسا، أشار الموقع إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حذر نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن أي دعم لواشنطن وتل أبيب سيُعد "مشاركة مباشرة في الحرب". 

وفي الوقت الذي يحاول فيه ماكرون لعب دور الوسيط ويعبّر عن قلقه من الخسائر المدنية، أرسل في المقابل قطعا بحرية قرب قبرص، وأعاد التأكيد على مخاوفه من البرنامج النووي الإيراني. 

وقد دفع هذا "النهج الفرنسي المزدوج" الموقع إلى التساؤل عما “إذا كان يعكس مأزق الدور الأوروبي في الشرق الأوسط؟”

وأجاب لوتشنغ: "أولا، تسعى فرنسا، بصفتها ها قوة محورية في الاتحاد الأوروبي إلى إثبات حضورها في هذه الأزمة". 

وبحسبه، "ظهر ذلك جليا في الاتصال الذي أجراه ماكرون مع الرئيس الإيراني، ما يعكس نشاطا دبلوماسيا واضحا، وجعله في موقع فريد بين القادة الغربيين القادرين على التواصل المباشر مع طهران".

واستطرد: "وفي العمل الدبلوماسي، تمثل التصريحات بحد ذاتها أداة تأثير".

أما إرسال حاملة طائرات إلى البحر المتوسط، فيرى لوتشنغ أنه "يعكس الحضور العسكري الفرنسي، ويرسل رسالة أن باريس ليست غائبة عن الشرق الأوسط وتمتلك قدرات فعلية".

واستدرك: "غير أن ذلك لا يعني أنها تنوي الانخراط في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة".

إضافة إلى ذلك، "فإن قدرة فرنسا، كدولة متوسطة الحجم، على لعب دور عالمي ترتكز على قدرتها على تحقيق توازن بين القوى الكبرى".

ووفق تقديره، "يتجلى هذا النهج أيضا في تعاملها مع الصراع الأميركي الإيراني، فهي تنتقد واشنطن لانتهاكها القانون الدولي، وتتواصل في الوقت نفسه مع القيادة الإيرانية، وتبدي قلقها من الملف النووي".

وأردف: "هذا الأسلوب يعكس تقليدا فرنسيا في تأكيد مكانتها الدولية، حيث تسعى إلى الحفاظ على قنوات تواصل مع جميع الأطراف، بما يمنحها هامش تأثير نسبي".

بشكل عام، خلص لوتشنغ إلى استنتاج مفاده أن "الاتحاد الأوروبي فقد إلى حد كبير نفوذه في الشرق الأوسط، غير أن فرنسا لا تزال تحتفظ بموطئ قدم، لعدة أسباب، منها امتلاكها قواعد عسكرية، واستمرارها في تصدير السلاح إلى دول المنطقة".

فضلا عن "تمتعها بقدر من الاستقلال في مجال الطاقة، إذ يعتمد نحو 70 بالمئة من استهلاكها على الطاقة النووية".

ومع ذلك، فإنه يعتقد أن"ميزان القوى يشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على تجاهل فرنسا والاتحاد الأوروبي، والمضي في تدخلات عسكرية أحادية دون اعتبار يُذكر لمواقفهما".

وفي هذا الإطار، يرى الباحث المقيم في فرنسا أن "تحركات باريس تهدف أساسا إلى الحفاظ على حضور سياسي ودبلوماسي، أكثر من كونها عاملا مؤثرا فعليا في مسار الصراع".

"في المقابل، تنظر إيران إلى فرنسا كقناة دبلوماسية تساعدها على تفادي العزلة، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تجنب انضمام باريس إلى معسكر معارض بشكل صريح"، وفق تحليل لوتشنغ.