الثوابتة: غزة غيرت مفهوم الصحافة في الحروب وكسبنا معركة الرواية (خاص)

"هذه هي السنة الأسوأ في تاريخ الصحافة الفلسطينية"
قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة د. إسماعيل الثوابتة إن الإعلام الفلسطيني المدافع عن قضيته في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ربح معركة الرواية بامتياز؛ لأن الحقيقة دائما تنتصر في نهاية المطاف.
وفي حوار مع “الاستقلال”، أكد الثوابتة أن الرواية الإسرائيلية اعتمدت على الأكاذيب والتضليل ولم تكن مقنعة للعالم أجمع باستثناء من أسماهم المنافقين الذين كانوا يريدون أن يصدقوها بدون أي أدلة أو مهنية.
وأوضح أنه في ظل حرب الإبادة على غزة لم يكن الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للخبر بل كان جزءًا منه أيضا عبر استهدافه ونقل معاناة أهله والمقربين منه.
وبين الثوابتة أنه “بعد عملية طوفان الأقصى، يتعامل الاحتلال مع الصحفي على أنه هدف عسكري مشروع، فصادر معداته وسعى لقتله من أجل التخلص من الحقيقة”.
ولفت إلى أن ممارسة الإعلام في ظل حرب الإبادة هي ضرب من المخاطرة الذي استشهد على إثره العديد من الصحفيين.
كما عرج على مدى خصوصية التغطية الإعلامية للمجازر التي يرتكبها الاحتلال داخل المستشفيات أو المدارس ومراكز الإيواء لما تنطوي عليه من تفاصيل حساسة ومهمة على مستوى حصر أعداد الضحايا والمصابين وطبيعة المكان وأنواع السلاح الذي تُقصف به هذه الأماكن.
وأوضح كيف يتعمد الاحتلال تتبع الصحفيين الإلكترونيين الذين يعملون من داخل غزة وينقلون الإبادة بتفاصيلها ومن ثم إغلاق حساباتهم والتضييق عليهم.
والصحفي الفلسطيني د. إسماعيل الثوابتة هو مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الذي يعد بمثابة وزارة الإعلام بالقطاع ويصدر باستمرار تحديثات ترتبط بأعداد الشهداء والجرحى والوضع الإنساني.

على خط النار
كيف تستمر ممارسة الإعلام والتغطية بعد مرور ما يقرب من 15 شهرا على الحرب؟
الحديث في هذا الأمر ذو شجون، إذ أصبحت ممارسة الإعلام في قطاع غزة ضربًا من ضروب البطولة والفداء.
فالعمل الصحفي والإعلامي اليوم لا يقتصر فقط على التغطية الإخبارية، بل أصبح بمثابة خط دفاع أول في مواجهة محاولات طمس الحقيقة.
الصحفيون الفلسطينيون في قطاع غزة يعملون في ظروف استثنائية وبالغة الخطورة، إذ يتعرضون لخطر الاستهداف المباشر والقتل المتعمد بشكل واضح (استشهد أكثر من 195 منهم خلال طوفان الأقصى).
كما يواجهون فقدان المعدات، وتدمير المقرات الإعلامية، والانقطاع المستمر لخدمات الكهرباء والإنترنت.
ومع ذلك، يواصلون أداء واجبهم المهني والأخلاقي بشجاعة نادرة قد تكون الأولى على مستوى العالم.
والأوضاع الحالية تفرض على الصحفي أن يكون أكثر من مجرد ناقل للحدث؛ بل أصبح جزءًا من الحدث نفسه، يُعرض حياته للخطر في كل مرة يخرج فيها لتوثيق جريمة يرتكبها الاحتلال أو نقل معاناة جديدة.
وفي ظل هذه الظروف، برزت أهمية الإعلام المحلي كمصدر أساسي وموثوق للمعلومة، في الوقت الذي يحاول فيه الاحتلال فرض تعتيم إعلامي كامل.
وبالمناسبة فإنه ومنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية على شعبنا في قطاع غزة بداية أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى نهاية عام 2024 كانت السنة الأسوأ في تاريخ الصحافة الفلسطينية بل في تاريخ الصحافة حول العالم.
كان عاماً حافلًا بتحدياتٍ كبيرة وجسيمة، وكان مؤلماً وقاسياً بالنسبة إلى الصحفيين الفلسطينيين، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي في استهداف الحقيقة وتقييد حرية الصحافة والإعلام، وممارسة القتل المتعمد للإعلاميين في قطاع غزة.
كيف تصف تعامل الاحتلال مع الإعلام الحكومي في غزة بعد "طوفان الأقصى"؟
الاحتلال تعامل مع الإعلام الحكومي في قطاع غزة بعد بدء جريمة الإبادة الجماعية بصفته هدفا عسكريا مشروعا.
إذ قصف جميع مقرات الإعلام الحكومي، واستهدف كوادره الصحفية واستشهد منا أربعة صحفيين، وبالتزامن يحرّض بشكل مباشر علينا.
حتى وصلت درجة التحريض إلى تهديد مبطن بالاسم ضدي شخصيا كمدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في أكثر من بيان وفيديو صدر عن جيش الاحتلال، كما حاول فرض تعتيم إعلامي ممنهج ضد قضيتنا الفلسطينية العادلة.
هذا السلوك يعكس خوف الاحتلال من الكلمة الحرة والصورة الصادقة والحقيقة الدامغة التي تفضح جرائمه أمام العالم.
بالإضافة إلى ذلك، فرض الاحتلال رقابة مشددة على وسائل الإعلام الدولية، ومنع الصحفيين الأجانب من الدخول إلى قطاع غزة، وحاول التحكم بالرواية التي تصل إلى العالم الخارجي.
كما سعى الاحتلال إلى استخدام سياسة التضليل عبر نشر أخبار كاذبة ومفبركة تستهدف تقويض مصداقية الإعلام تجاه ما يجري من فظائع في قطاع غزة.

أثر طوفان الأقصى
هل ترى أن تجربة العمل الإعلامي في غزة بعد طوفان الأقصى غيّرت من مفاهيم ممارسة المهنة بشكل عام؟ وما الذي أضافته؟
تجربة العمل الإعلامي والصحفي بعد جريمة الإبادة الجماعية أعادت تعريف مفهوم الصحافة في الحروب.
بات الصحفي في قطاع غزة يجمع بين كونه مراسلًا ميدانيًا، وإنسانًا يعايش الألم والمعاناة، وناشطًا يدافع عن الحق، وأحياناً رجلاً يمارس إنقاذ الأرواح.
وأضافت هذه التجربة بُعدًا إنسانيًا عميقًا، ورسخت دور الإعلام كأداة للمقاومة وكشف الحقيقة أمام العالم لما يجري على أرض الواقع وفي الميدان.
كما أصبح العمل الإعلامي أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، مع ظهور مبادرات توثيقية جماعية تعتمد على الشراكة بين المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية.
ولقد أصبح الصحفي الفلسطيني أكثر مرونة وإبداعًا في إيجاد طرق بديلة لنقل الحدث رغم التحديات الجسيمة التي تواجه العمل الإعلامي في قطاع غزة
قلتم إن تغطية المجازر المتعمدة في المدارس أو المستشفيات تكون مختلفة، ما المقصود؟
عندما يستهدف جيش الاحتلال مدارس أو مستشفيات أو مراكز إيواء أو غيرها من القطاعات المدنية، يكون الهدف أبعد من مجرد قصف موقع، فهذه المنشآت تُعتبر ملاذًا آمنًا للمدنيين.
توثيق هذه الجرائم يتطلب جهدًا مضاعفًا بسبب التدمير الواسع وصعوبة الوصول، فاليوم نتحدث عن أن نسبة الدمار بشكل عام وصلت في قطاع غزة 86 بالمئة، حيث دمر الاحتلال كل القطاعات الحيوية.
وبالتالي فإن الإعلام يُظهر بشكل مباشر وبالصور الحية بشاعة هذه الجرائم وعدم إنسانيتها.
في هذه الحالات، يصبح كل تفصيل صغير ذا أهمية كبرى، سواء كان شهادة ناجٍ، أو صورة مروعة، أو فيديو أو حتى لقطة يوثق وتوثق اللحظات الأولى للقصف.
كما يتم التركيز على السياق الأوسع لهذه المجازر لإبراز النمط المتكرر لاعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأعيان المدنية والقطاعات الحيوية المختلفة.
كيف ترون القوانين التي بدأ الكنيست الإسرائيلي سنّها أخيرا بخصوص عمل وسائل الإعلام الأجنبية من داخل فلسطين المحتلة عموما؟
هذه القوانين تعكس محاولة فجة لفرض رقابة مشددة على التغطية الإعلامية، واحتكاراً واضحاً لرواية الاحتلال للأحداث.
وهذا يُعدُّ انتهاكا صارخا لحرية الصحافة، وتهديدا مباشرا للعمل الصحفي المهني.
إذ تفرض هذه القوانين قيودًا على الحركة ورقابة على المواد الإعلامية قبل نشرها، وتمنع الصحفيين من الوصول إلى مواقع معينة.
كما تهدد هذه القوانين الإعلاميين الأجانب بإلغاء تراخيص عملهم وحرمانهم من دخول قطاع غزة.
الأوضاع الحالية للصحفيين في قطاع غزة تعكس واقعًا مريرًا ومأساويًا لم يمر عليهم، بل لم يحلموا مجرد حلم أن يمروا بمثل هذه المخاطر والجرائم التي مروا بها على مدار عام وخمسة شهور متواصلة.
الصحفيون والإعلاميون الفلسطينيون في قطاع غزة يعملون تحت ظروف غاية في الصعوبة والخطورة، تشمل انعدام الأمان الميداني، ونقص المعدات التقنية، وزيادة الضغوط النفسية الناتجة عن فقدان زملائهم بسبب قصف الاحتلال الإسرائيلي الوحشي والمتعمد.
وأبرز التهديدات التي يواجهونها تشمل القصف المباشر في أثناء التغطية والقتل المتعمد، وكذلك المراقبة الإلكترونية والتهديدات الأمنية.
وذلك فضلاً عن الحصار المستمر الذي يعيق تطوير أدواتهم ومهاراتهم، وزيادة العبء عليهم في ظل منع الاحتلال السماح بإدخال الصحفيين والإعلاميين الأجانب.
وعلى الرغم من كل ذلك، يواصل الصحفيون الفلسطينيون العمل بروح عالية من المسؤولية لنقل الصورة الحقيقية إلى العالم من أقصى الشرق والشمال إلى أقصى الغرب والجنوب.

مستقبل الإعلام بغزة
ما رؤيتكم لمستقبل الإعلام في غزة في حال انتهت الحرب؟
الإعلام في قطاع غزة سيخرج أكثر قوة وصلابة بعد هذه الحرب وسيظل صوتًا صادقًا لنقل معاناة شعبنا الفلسطيني العظيم.
ومن المتوقع أن تتطور البنية التحتية الإعلامية وتزداد الخبرات المهنية للكوادر الصحفية، بالتزامن مع التجربة التي مرً بها الصحفيون الفلسطينيون في قطاع غزة.
كما يُتوقع أن تشهد المؤسسات الإعلامية في غزة دعمًا أكبر على المستوى المحلي والدولي، خاصة في مجالات التدريب والتجهيزات التقنية.
وستكون هناك حاجة مُلحة لبناء شبكات إعلامية قوية تمتلك القدرة على التأثير عالميًا في ضوء ما يجري من تطورات قد تحدث لأول مرة في العالم.
تحاول إسرائيل محاصرة المنشورات الداعمة لفلسطين.. ما خطوة الصحافة الإلكترونية بالنسبة للاحتلال؟
الإعلاميون الفلسطينيون نجحوا في استثمار "السوشيال ميديا" وهي وسيلة مهمة في هذا السياق.
والاحتلال يدرك تماماً مدى خطورة الصحافة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي وقدرتها على كسر الحصار الإعلامي الذي يحاول فرضه على شعبنا وصحافتنا.
لذلك، لا نستغرب سعي الاحتلال جاهدًا وبالتنسيق والتأثير على إدارات وسائل التواصل الاجتماعي لإغلاق الحسابات المؤثرة، وتقييد المحتوى الداعم للقضية الفلسطينية. لكن رغم هذه المحاولات، تظل "السوشيال ميديا" منصات فعّالة لنقل الحقيقة.
ويأتي ذلك رغم وجود زيادة ملحوظة في الانتهاكات التي يفرضها الاحتلال ضد الصحفيين الفلسطينيين، من استهداف مباشر أثناء تغطيتهم للأحداث إلى التضييق على حرية التعبير عبر وسائل الإعلام المختلفة، واستهداف وتدمير المؤسسات الصحفية.
ومع كل تلك التحديات؛ فإن الصحفيين الفلسطينيين أثبتوا قدرتهم على الصمود الأسطوري ونقل معاناة شعبنا إلى كل أنحاء العالم رغم المخاطر المستمرة.
وبالأمس القريب كانت "إسرائيل" هي الضحية، وكان شعبنا الفلسطيني هو الجلاد، من وجهة نظر العالم، خاصة في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن بفضل الإعلاميين والصحفيين الفلسطينيين ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح العالم يُدرك الحقيقة الدامغة بأن الضحية هو شعبنا، وأن القاتل والمجرم والجلاد هي "إسرائيل" وجيشها.
كل العالم شاهد الانتفاضة التي خرج بها كل شعوب العالم، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، وكيف أن مئات الملايين باتوا يهتفون "الحرية لفلسطين" ويطالبون بزوال الاحتلال.
من الذي قلب الرأي العام العالمي؟ ومن الذي أوصل هذه الحقيقة إلى العالم؟ إنه الإعلام والصحافة الفلسطينية المجيدة.
وبناء على ذلك يجب تعزيز الجهود المشتركة بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لمواجهة قيود الاحتلال وتطوير أساليب مبتكرة للوصول إلى الجمهور.

الحقيقة تنتصر
يسعى الاحتلال لترويج أكاذيبه حول المجازر التي يرتكبها في القطاع.. كيف تواجهون هذا الأمر في ظل الوسائل المتاحة؟
نحن نبذل جهوداً كبيرة واستثنائية، ونعمل على مدار الساعة بلا توقف، في سبيل مواجهة أكاذيب الاحتلال من خلال العمل الإعلامي الممنهج القائم على التوثيق والشفافية.
ونستثمر كل وسيلة متاحة لنقل الصورة الحقيقية، ونعمل مع الشركاء الدوليين والصحفيين المستقلين لكشف تلاعب الاحتلال وزيفه وغدره وجرائمه المستمرة.
نعتمد على شهادات الناجين والأدلة المادية لدحض الروايات المزيفة للاحتلال، ونجحنا إلى حد كبير في التأثير على الرأي العام العالمي وعلى شعوب كل العالم في إطار دعم صمود شعبنا والدفاع باستبسال عن قضيتنا العادلة.
ما تقديركم لتفاعل العالم مع الرواية الإسرائيلية عموما بشأن الحرب؟
رغم تفوق الاحتلال في السيطرة على بعض وسائل الإعلام العالمية، استطاعت الرواية الفلسطينية كسر هذا الاحتكار عبر التغطيات الميدانية المستمرة، والتفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي.
فالتوثيق المستمر والانفتاح على الإعلاميين المستقلين أسهم في إحداث فرق كبير في إيصال صوت الحق.
وبكل صراحة نحن استطعنا تهشيم رواية الاحتلال وألقينا بها في سلة المهملات بالنسبة إلى العالم الحر.
أما العالم المنافق الذي يقف إلى جانب الاحتلال ظالماً، فإن روايته جاهزة ومقولبة ومستعد دائما لتكذيب الرواية الفلسطينية بدون دلائل.
ولكن هذا الواقع بدأ بالانحسار بشكل واضح، فالكلمة النهائية والرواية الأقوى هي للرواية الفلسطينية، بينما رواية الاحتلال إلى زوال واندثار.
كيف رأيتم التعاطي الإعلامي مع تنفيذ صفقات تبادل الأسرى التي أبرمت في بداية الحرب (نوفمبر/تشرين الثاني 2023)؟
أظهرت تغطية صفقات تبادل الأسرى الفوارق الجوهرية بين تعامل المقاومة الفلسطينية وتعامل الاحتلال مع الأسرى.
فالمقاومة التزمت بأعلى درجات وأخلاقيات التعامل الإنساني، بينما استمر الاحتلال المجرم في انتهاكاته اللاإنسانية ضد الأسرى الفلسطينيين في سجونه الظالمة.
وهذا التباين كان له صدى عالمي كبير، حيث أظهرت الصور والشهادات الحية حجم الفوارق بين الطرفين، وهذه الجولة في الحرب الإعلامية قد ربحناها بتفوق.














