لها أسبابها.. لماذا تعمل أميركا على إيقاف الحرب في السودان بين البرهان وحميدتي؟

سلط معهد إيطالي الضوء على ما عدها "الأدوات المتاحة" للولايات المتحدة من أجل إنهاء الصراع السوداني المهدد لمصالحها وإضعاف الوجود الروسي العسكري بالمنطقة المهدد لأمن أوروبا.
ورأى معهد "تحليل العلاقات الدولية" أن اندلاع حرب جديدة في قلب القارة الإفريقية الممزقة يعد تشتيتًا مزعجًا للولايات المتحدة، الملتزمة باحتواء طموحات روسيا والصين في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إخماد الحريق
وذكر المعهد أن واشنطن تدخلت على المستوى العملياتي في الصراع بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" المندلع منذ 15 أبريل/ نيسان 2023، من جيبوتي لإجلاء المواطنين والموظفين الدبلوماسيين.
وعملت على المستوى الديبلوماسي، للتوسط مع السعوديين والإماراتيين والبريطانيين في وقف إطلاق النار الذي انتُهك مرارًا وتكرارًا من قبل الطرفين المتحاربين.
فالسودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة والغني بالموارد الطبيعية، ويسكنه 46 مليون شخص بمتوسط عمر 18.3 عامًا فقط، يشكل مفترق طرق جيوستراتيجي بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل.
وحذر المعهد من أنه "إذا لم يتم إخماد النيران السودانية بسرعة، فإنها تخاطر بالتحول من مواجهة سياسية عسكرية إلى حرب أهلية وعرقية وإلى صراع آخر بالوكالة بين القوى المتوسطة والكبيرة ".
وهو ما قد يؤدي إلى تفكك "بلد فقير للغاية، يعاني انقسامات عرقية وطائفية وقبلية عميقة ويشكو ارتفاع تضخم ونقص السلع الأساسية مثل الخبز والأدوية والوقود، إلى جانب النزعات الانفصالية".
ويضيف بأن أزمة اللاجئين ستتحول إلى قنبلة إنسانية ويمكن أن تمتد الأزمة إلى واحدة أو أكثر من الدول السبع المجاورة الهشة، التي تشكو تقريبًا جميعها صراعات أهلية على غرار ليبيا، إثيوبيا.
أو تواجه تمردات بدعم من المرتزقة الروس من مجموعة فاغنر مثل ما يحدث في جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد.
وضع مرير
وعاش السودان جزءًا كبيرًا من تجربة دولة مستقلة تحت سيطرة المجالس العسكرية، مسجلاً من عام 1956 إلى اليوم 17 محاولة انقلابية نجحت منها خمسة فقط.
يذكر المعهد بأنه في سنوات حكم عمر البشير 1989 -2019، أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب بسبب تورط مواطنين سودانيين في هجوم عام 1993 على مركز التجارة العالمي في نيويورك.
وكذلك لاستضافة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على أراضيه بين عامي 1992 و 1996 ودوره كمحور للعمليات الإيرانية في تمويل وتسليح شبكة الوكلاء.
في عام 2011، انفصلت دولة جنوب السودان ذات الأغلبية غير العربية عنه وفي عام 2016، قطعت الخرطوم العلاقات الدبلوماسية مع طهران وبدأت في إرسال وحدات من قوات الدعم السريع لدعم القوات السعودية والإماراتية التي تقاتل الحوثيين الموالين لإيران في اليمن.
وكذلك شاركت في الحرب الأهلية الليبية إلى جانب قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي رد الجميل لقوات الدعم السريع بإرسال طائرة إمداد عسكرية أخيرا، وفق قول المعهد الإيطالي.
تفاقمت عزلة السودانية في عام 2003 مع إندلاع حرب دارفور والإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام، كما أن جذور الحرب الحالية تعود إلى سنوات تلك الحرب التي ارتكبت خلالها المليشيات المعروفة باسم الجنجويد عمليات تطهير عرقي.
في أبريل 2019، وضع البرهان وحميدتي، بدعم خارجي من السعوديين والإماراتيين، حدا لحكم البشير الذي استمر 30 عامًا وتوليا قيادة البلاد من خلال مجلس السيادة الانتقالي.
داخل العالم السني، تسبب الانقلاب على البشير في تحول الخرطوم نحو الكتلة المضادة للثورات بقيادة الرياض وأبو ظبي، والتي استثمرت منذ ذلك الحين موارد كبيرة في قطاعات الزراعة والموانئ والطيران، مما أدى إلى توسيع نفوذها في البلاد على حساب المحور الثوري التركي القطري، وفق تحليل المعهد.
ويشير إلى أن "القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت إلى اندلاع القتال الحالي هي المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات من أجل دمج قوات الدعم السريع في الجيش في إطار عملية الانتقال نحو حكومة مدنية".

إقليم مضطرب
وأشار المعهد إلى أن الموقع الإستراتيجي للسودان جذب القوى الإقليمية والعالمية للتعامل مع دينامياتها الداخلية مشيرا إلى دعم الإمارات لحميدتي ووقوف مصر إلى جانب البرهان، فيما يتوسط السعوديون بينما تنشغل تركيا بانتخاباتها.
وقال إن القاهرة على وجه الخصوص كانت دائمًا ضد تشكيل حكومة مدنية سودانية لأنها تخشى "العدوى في الداخل".
ويشرح أن "نظام عبد الفتاح السيسي العسكري يرى في القوات المسلحة السودانية ضمانا لاستقرار الدولة المجاورة وحليفا مهما ضد المشروع الجيوإستراتيجي لسد النهضة الإثيوبي الكبير".
ويضيف بأنه "تهديد إستراتيجي حيوي للقاهرة التي تعتمد على نهر النيل في أكثر من 90 بالمئة من احتياجاتها المائية".
لهذا، بحسب قول المعهد، أرسلت طائرات حربية وطيارين لدعم الجيش السوداني ضد الفصائل شبه العسكرية و" قبلت بخطر تفاقم الحرب التي تشكل تهديدًا كبيرًا للاستقرار الداخلي لمصر (تدفقات اللاجئين) وإسقاط قوتها في البحر الأحمر."
عالم منقسم
وذكر المعهد الإيطالي أن الصين "تفتخر بمصالح جيو-اقتصادية وأخرى في مجال الطاقة في سياق طريق الحرير الجديد والتي ستتضرر في حالة استمر الصراع المسلح".
قامت بكين بتمويل مشاريع بناء في العاصمة الخرطوم وإنشاء أبراج حفر نفطية في منطقة النوبة (الخام السوداني يلبي أكثر من 10 بالمئة من احتياجات النفط الصينية).
من ناحية أخرى، أشار إلى أن روسيا " تلعب لعبة مربحة للجانبين وقد يكون لها مصلحة في تأجيج الصراع لخلق جبهة أزمة أخرى وإلهاء الغرب عن أوكرانيا".
رسميًا، يقف الكرملين إلى جانب الجيش النظامي (السودان واحد من 18 دولة إفريقية أبرمت معها شركة روساتوم اتفاقيات تعاون نووي وتستورد أكثر من 35 بالمئة من أسلحتها من موسكو).
بينما قوات الدعم السريع مدربة ومسلحة من قبل مرتزقة من مجموعة فاغنر الروس الذين قاموا بالمقابل بنهب ذهب السودان.
من جانبها، تولي للولايات المتحدة اهتماما بالديناميكيات الداخلية السودانية لأنها قد تضر باستقرار دولة رئيسة للولايات المتحدة مثل مصر وتهدد المصالح الثالاسوقراطية للقوة الأمريكية.
ويشرح المعهد بأنه على الصعيد العسكري الإستراتيجي، يدور الصراع الروسي الأميركي حول إنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان على البحر الأحمر.
وهي قاعدة "ستسمح لروسيا بالتقدم نحو البحر المتوسط والمحيط الهندي، والتحكم في أحد الطرق البحرية والتجارية والرقمية والعسكرية الهامة والأكثر نشاطا ومراقبتها وهو الذي يربط بين المحيط الهادئ والأطلسي عبر الهندي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط".
من خلال التموقع بين برقة والسودان، يهدف الروس إلى اكتساب نفوذ جيوسياسي في مواجهة أوروبا (من خلال تنظيم تدفقات الطاقة والمهاجرين من الخليج العربي وإفريقيا) وواشنطن من خلال تهديد أمن الناتو من الجبهة الجنوبية الهشة و تهديد إسقاط القوة البحرية الأمريكية، يشرح المعهد الإيطالي.
ويرجح أن تحاول الولايات المتحدة تفعيل أدوات الحرب الاقتصادية والحرب القانونية للتأثير على سلوك اللاعبين السودانيين المحليين، الذين يعتمدون على المساعدات المالية والإنسانية من المؤسسات المتعددة الأطراف التي تقودها واشنطن مثل (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، حتى يوقفوا الأعمال العدائية ويبتعدوا عسكريا عن الروس.
ويفترض أنه باستطاعة واشنطن في الأيام المقبلة، تنفيذ عقوبات اقتصادية وتجميد مئات الملايين من الدولارات من المساعدات المالية والإبقاء على القيود المتعلقة بتصنيف البلد كراع للإرهاب.

















