معاشات المتقاعدين.. لماذا لم تعفها حكومة المغرب من رفع الضريبة؟

الرباط - الاستقلال | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تنص المادة 77 من الدستور المغربي على: "يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة. وللحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود (قائم بالفعل)".

مؤخرا، استند وزير الاقتصاد والمالية المغربي محمد بنشعبون إلى المادة 77 هذه لمنع مرور مقترح يستثني معاشات المتقاعدين من رفع الضريبة على الدخل، الذي مرره مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان).

بنشعبون رأى أن استثناء معاشات المتقاعدين من الضريبة على الدخل سيكون له أثر مالي على الميزانية يصل إلى مليار و600 مليون درهم (الدولار يساوي 10 دراهم). واعتبره "إجراء غير منصف" كونهم يستفيدون في الأصل من خصم يتراوح ما بين 50 و60 في المئة، بينما لا تصل النسبة التي يستفيد منها الموظفون في الدولة 20 في المئة.

القيادي في نقابة الاتحاد المغربي للشغل، وعضو أمانتها العامة محمد هاكش اعتبر الإجراء "كيل بمكيالين" قائلا: "في الوقت الذي تعرف معاشات البرلمانيين إعفاء من الضرائب، يدفعها المتقاعدون على مبالغ يتقاضونها شهريا لا تتناسب والقدرة الشرائية، كأن هؤلاء مواطنون من الدرجة الثانية وأولئك مواطنون من الدرجة الأولى". 

هاكش أضاف لـ "الاستقلال": "نسبة الإعفاءات التي تخص المتقاعدين 10 بالمئة فقط، ما جعل البرلمانيين محرجين من رفض المقترح، إلى أن رفع عنهم وزير المالية الحرج باستعمال الفصل 77 وبالتالي لم يصوتوا".

واستطرد المتخصص في ملف التقاعد قائلا: "لكن لو رغب البرلمانيون بتمرير القانون لاعترضوا على مشروع المالية كله إلى أن تمر المادة.

إشكالية التقاعد

لا يتجاوز عدد المتقاعدين في المغرب 1.4 مليون، وهو رقم صغير بحسب النقابي ويسهل على الدول إصلاح وضعية المتقاعد مشيرا إلى أنها قادرة على ذلك. وشدد على أن الأمر مرتبط بقرار سياسي كما تنص على ذلك المواثيق الدولية عن الحماية الاجتماعية. 

وأضاف هاكش بأن "مسؤولية ملف التقاعد تتقاسمها كل من السلطات التشريعية والتنفيذية، والبرلمانيين بشكل خاص لأنهم يمثلون الشعب، وهو ما لم يظهر خلال رفض رفع الضرائب عن المعاشات، إذ لم ير المتقاعدون أن البرلمانيين يخدمونهم".

وبالحديث عن التقاعد رأى النقابي أننا "نتحدث عن التوزيع العادل أو غير العادل لثروات البلد، ففي حين تعيش فئة قليلة غنى فاحشا، تعافر أخرى من أجل دراهم بعد أن قدمت خدمات للبلد". 

أظهرت تقارير أنجزتها مؤسسات حكومية للوقوف على إشكالية أنظمة التقاعد أن من أهم الاختلالات: "التشتت، أي تعدد الصناديق وتنوع أنظمتها وضعف التغطية، إضافة إلى عدم التجانس بينها وتنوع طرق التمويل ونظم التوزيع واحتساب المعاش بقواعد مختلفة في توظيف الاحتياطات، وغياب هيئة وطنية شاملة للتقاعد والحماية الاجتماعية بصفة عامة، زيادة على غياب التمثيلية النقابية وتعدد الوصاية".

في أواخر 2018، كشفت التقارير أن هناك 4.6 مليون عضو نشيط مساهم في أنظمة التقاعد فيما 1.4 مليون فقط مستفيد من معاشات التقاعد 96.5 بالمئة منهم من ذوي الحقوق (الأرامل والذين فقدوا أبناءهم) وبينهم أيضا 73.1 بالمئة من المتقاعدين بشكل مباشر.

وأفاد هاكش في حديثه مع "الاستقلال" أن نسبة تغطية الضمان الاجتماعي في المغرب تصل إلى 42 بالمئة في حين تصل في الجزائر إلى 60 بالمئة وتونس 80 بالمئة وتركيا 70 بالمئة.

وتتوزع أنظمة التقاعد في المغرب بين صندوقين في القطاع العام: الصندوق المغربي للتقاعد الذي يدبر نظام المعاشات المدنية والعسكرية، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد الذي يدبر معاشات مستخدمي المؤسسات العمومية.

وفي القطاع الخاص الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهناك صندوق تكميلي وهو الصندوق المهني المغربي للتقاعد، يعتبر المتحدث للصحيفة "هذا التعدد من بين المشاكل بسبب تعدد الوصاية، إذ يخضع الصندوق الوطني للنظام الاجتماعي لوزارة التشغيل، فيما يخضع الصندوق المغربي للتقاعد لوزارة المالية، ويخضع صندوق منح رواتب التقاعد لصندوق الإيداع والتدبير".

يستنسخ المغرب نموذج فرنسا التي تعيش الآن أزمة بسبب هذا النظام، ولا يرى النقابي "أي ضرورة من وجود صندوقين لشغيلة (موظفي) القطاع العمومي غير تشتيت المسؤوليات وصرف مصاريف إضافية في التدبير والتسيير".

اختلاسات بالمليارات

كان رفع سن التقاعد  إلى 63 سنة من أجرأ القرارات التي اتخذتها الحكومة التي قادها حزب "العدالة والتنمية" في ولايتها الأولى عام 2016، والذي أثار موجة غضب اجتماعي واسعة. 

ولجأت الحكومة إلى هذا الحل بسبب وصول الدين على الصندوق المغربي للتقاعد إلى 629 مليار درهم (56 مليار يورو)، وتهديد بنفاد احتياطاته مطلع عام 2021.

ومن بين قضايا الفساد المدوية التي خرجت إلى العلن قضية نهب صندوق الضمان الاجتماعي، الذي يقتطع المغاربة من رواتبهم شهريا لتمويله طمعا في تقاعد يضمن لهم حياة كريمة. 

لجنة لتقصي الحقائق أعدت تقريرا مفصلا حول الاختلاسات المالية وسوء التدبير، والتجاوزات بخصوص الصندوق كشف أن الأموال التي تم نهبها من الصندوق أكثر من 115 مليار درهم على مدى 30 سنة، منها 47.7 مليار درهم مجموع الأموال التي صرفها الصندوق من دون حق، من خلال اختلاسات وصفقات مشبوهة.

وحملت اللجنة المسؤولية لقيادات تعاقبوا على إدارة المؤسسة الحكومية، ولم يتم إلى الآن محاسبة أي من المتورطين في الملف. وأفاد القيادي في نقابة الاتحاد المغربي للشغل، بأن "الدولة لا زالت تستعمل هذه الصناديق كصناديق سيادية، مع غياب الشفافية في التداول بها في البورصة".

ويخوّل القانون لصندوق الإيداع والتدبير - كجهة وحيدة - التصرف في أموال صناديق التقاعد، وأخذها بفائدة لا تتجاوز 4 بالمئة منذ سنوات والتداول بها بقيمة 14 بالمئة وهو ما اعتبره هاكش "ريعا". موضحا أن "المشاريع التي يستثمر فيها الصندوق، وتغيب عنها الشفافية، هي مشاريع موجهة للطبقة البرجوازية في حين أن الاستثمار يجب أن يكون لصالح العمال فهذه أموالهم". 

انفجار وشيك

رئيس الحكومة سعد الدين العثماني اعتبر في تصريح سابق أمام البرلمان، أن الحكومة عملت على تحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين الحكوميين عبر رفع الحد الأدنى للمعاش من 100 إلى 150 دولارا.

في حين قال هاكش: إنه يمكن وصف الأوضاع الاجتماعية للمتقاعدين بـ"المزرية" وخاصة في القطاع الخاص إذ تحصل الأغلبية منهم على معاشات لا تكفيهم حتى لتسديد واجبات الماء والكهرباء.

ويصل معدل المعاشات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في أقصى الحالات 1000 درهم (100 دولار)، مع تسجيل اللا مساواة في الحد الأدنى (1500 درهم) الذي حرم منه إلى حد الساعة القطاع الخاص.

ولفت النقابي إلى أن التضامن العائلي يلعب دورا مهما في خلق نوع من التوازن، قائلا: "لولاه كان سيكون الوضع كارثيا وربما يؤدي إلى انفجار". ورصد المتحدث تراجعا فيه (التضامن العائلي) ما يجعل المتقاعدين يفكرون في الاحتجاج على هذا الوضع.

احتجاج المتقاعدين المنتظر، وفق متابعين، سيكون من أجل إقرار مساعدة اجتماعية خاصة في التأهيل الصحي والنقل المجاني (أو تخفيضات) والزيادة في المعاش وفق ارتفاع الأسعار، وإقرار حد أدنى للمعاش يستجيب للعيش الكريم للمتقاعد.

ويطالب خبراء بضرورة وضع إستراتيجية وطنية لفائدة المتقاعدين وذوي حقوقهم في السياسات العمومية للدولة وتغيير العقل الجمعي الثقافي بمجتمعنا حول المتقاعد باعتباره منتهي الصلاحية وعديم العطاء والخلق والإبداع.

الغضب الذي أثاره رفض البرلمان لمقترح القانون جعل العثماني يخرج عن صمته ويقول: إن "نقاش رفض الحكومة إعفاء معاشات المتقاعدين من الضريبة على الدخل، عرف الكثير من المغالطات"، ووصفها بـ "الأخبار الزائفة والمفبركة".

وقال رئيس فريق العدالة والتنمية في مجلس المستشارين، نبيل الشيخي، في تصريح صحفي: إن "المعاشات التي لا تتجاوز 3000 درهم لا تخضع للضريبة أصلا، أما فوق هذا المبلغ، فهو خاضع للضريبة، مع الاستفادة من خصم 55 في المائة من هذه الضريبة". 

وخلال مناقشة مشروع قانون المالية جرى نقاش في مجلس المستشارين حول دعم المتقاعدين، على غرار الزيادات في أجور الموظفين، فتقدمت الأغلبية بتعديل يرمي إلى رفع نسبة الخصم من 55 في المائة إلى 60 في المائة، وهو ما قبلته الحكومة، ما يعني استفادة المتقاعدين من خصم جديد بقيمة 5 في المائة، شريطة أن يساوي الدخل السنوي  للمعاش أو لا يقل عن 168 ألف درهم. 

كما قبلت الحكومة تعديلا آخر يعفي معاشات العجز الممنوحة للأشخاص أو لخلفهم، وفي حين رفضت الحكومة إعفاء المعاشات من الضريبة بسبب "كلفته المالية العالية"، تم الاحتفاظ بالتعديلين المتعلقين برفع الخصم من الضريبة من 55 إلى 60 في المائة، على أساس سقف من المعاش لا يتعدى 14 ألف درهم شهريا، أي 168 ألف درهم سنويا، كما سيتم الاحتفاظ بإعفاء معاشات العجز من الضريبة.

ضد المواطن

تساءل محمد هاكش، كيف يمكن لقانون مالية 2020 أن يشمل إعفاءات من الضرائب للشركات الكبرى ويقف عند نسبة 10 أو 5 بالمئة من معاشات المتقاعدين.

الأمر ذاته لفت إليه عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان المسؤول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الكبير الميلودي، معتبرا أن "استعمال الفصل 77، فيه نوع من التناقض، إذ تم استعماله فيما يخص معاشات المتقاعدين في حين أعفيت معاشات البرلمانيين".

وفي تقرير أصدرته وزارة المالية بلغت قيمة الإنفاق الضريبي، أي الامتيازات والإعفاءات التي منحها قانون المالية 2019، 4 آلاف و590 مليون درهم، وهذا حرمان لميزانية الدولة من المداخيل.

وقال الميلودي في حديث مع صحيفة "الاستقلال": إن بنودا من قانون المالية جاءت بها الحكومة نفسها تمس بمداخيل الدولة وتخفضها، الحكومة التي ترفض مقترح المؤسسة التشريعية الذي يهم المتقاعدين الذين قدموا خدمات للبلد لعشرات السنين ودفعوا الضرائب طوال حياتهم فيما تأتي بمقترحات تخفض من مداخيل الدولة.

واستعرض المتحدث أمثلة على ذلك، قائلا: "قانون المالية 2020 ينص على تخفيض سعر الضريبة على الشركات الصناعية التي لا يتجاوز رقم معاملاتها 100 مليون درهم من 31 إلى 28 بالمئة، وأيضا تخفيض الحد الأدنى للضريبة على الشركات من 0.75 بالمئة إلى 0.55 بالمئة، هذه تخفيضات في مداخيل الدولة لكن لصالح الشركات".

القانون الجديد جاء بما يسمى بـ"المصالحة الضريبية" التي رأى فيها الحقوقي "تفعيلا لمبدأ الإفلات من العقاب، الذي يعفي أصحاب الأموال من الضرائب مقابل الإفصاح عن ثرواتهم وإخراجها من خزائنهم إلى الأبناك، وحددها في 5 بالمئة".

مضيفا "بينما كان من المفترض أن تكون خاضعة للضريبة على الدخل ونسبتها 38 بالمئة، ما يؤكد أن الحكومة اتخذت إجراءات في اتجاه تخفيض ميزانية الدولة لكن ضد المتقاعدين والموظفين، لصالح الشركات أصحاب رؤوس الأموال، ما يعني أن الاقتصاد المغربي موجه للخارج ولا يهتم بالمواطنين"، حسب قوله.