أزمة تشكيل الحكومة في العراق.. إلى أين وصل صراع القوى السياسية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشهد العملية السياسية في العراق بعد انتخابات 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا منذ عام 2003، وذلك في ظل عجز القوى السياسية عن التوصل إلى توافق يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة ضمن الأطر الزمنية الدستورية. 

فعلى الرغم من حصول ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني على المرتبة الأولى بـ46 مقعدا، فإن هذا الفوز النسبي لم يتحوَّل إلى تفويض فعلي لتشكيل الحكومة، لا من حيث العدد الكافي من المقاعد، ولا من حيث الإجماع داخل البيت الشيعي نفسه.

ويوضح  مركز "سيتا" للدراسات في مقال للكاتب التركي "بيلجاي دومان"، أن هذه الأزمة لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل هي نتاج تداخل معقّد بين مسارات دستورية متعثرة، ونظام محاصصة متجذّر، وصراعات داخل المكونات الثلاثة الكبرى: الشيعة والسّنة والأكراد إلى جانب حسابات شخصية وتاريخية تتجاوز حدود الدورة الانتخابية الحالية.

محاصصة هادمة

واستهل الكاتب حديثه بالقول: إن الدستور العراقي الموضوع بعد الاحتلال الأميركي ينص على جدول زمني واضح لتشكيل الحكومة.

فخلال 15 يوماً من مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج يُنتخب رئيس البرلمان. وخلال 30 يوماً يُنتخب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين. 

ثمّ يُكلّف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً، على أن يُنجز تشكيلها خلال 30 يوما.

غير أن التجربة السياسية العراقية أفرغت هذه النصوص من مضمونها الزمني. فمتوسط مدة تشكيل الحكومات تجاوز 200 يوم في الدورات السابقة، وهو ما حوّل الاستحقاق الدستوري إلى عملية تفاوض مفتوحة بلا سقف زمني فعلي. 

ولا يكمن السبب في ذلك في النصوص ذاتها، بل في البنية السياسية التي تجعل من كل محطة دستورية ساحة صراع جديدة.

وقد كشفت انتخابات رئيس البرلمان في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، رغم نجاحها النسبي، منذ البداية هشاشة التوافق؛ حيث انتُخب هيبت الحلبوسي رئيسا لمجلس النواب بأغلبية 208 أصوات من أصل 329 نائبا، لكنّ هذا الاستحقاق لم يمر دون ارتدادات سياسية داخل الكيان السني. 

فقد كان مثنى السامرائي قد تقدّم للترشح للمنصب قبل أن ينسحب لمصلحة الحلبوسي، غير أنّ انسحابه لم ينهِ حالة التململ؛ إذ عبّر عن اعتراضه بصورة غير مباشرة عبر مقاطعته المؤتمر الصحفي الذي أُعلن فيه اسم المرشح التوافقي، وهو ما كشف عن شرخ محدود داخل الكتلة السنية.

ويظل "نظام المحاصصة" العامل الأكثر تأثيرا في تعطيل تشكيل الحكومات. فهذا النظام لا يكتفي بتقسيم الرئاسات الثلاث بين مكونات المجتمع (الرئاسة للأكراد، البرلمان للسنة، الحكومة للشيعة)، بل يربط كل وزارة بحصة عددية من المقاعد البرلمانية، ويقسّم الوزارات إلى سيادية وخدمية وثانوية وفق ميزان القوة البرلمانية.

هذا النظام يحوّل عملية التشكيل من مسألة برنامج حكومي إلى عملية مقايضة سياسية معقدة؛ حيث يصبح الخلاف على وزارة النفط أو المالية أو الدفاع أكثر حساسية من الخلاف على اسم رئيس الوزراء نفسه. 

كما يفرض توازنا إثنيا ومذهبيا داخل كل مؤسسة، ما يقيّد هامش المناورة أمام أي رئيس وزراء مكلّف.

ويمثل الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إحدى أعقد العقد في المشهد الحالي. 

فبعدما كان الاتحاد الوطني الكردستاني يفوز باستمرار في منصب رئاسة الجمهورية، دخل هذا التقليد السياسي حيّز التشكيك بعد انتخابات 2021، ليعود الانقسام ويتكرّس من جديد في انتخابات 2025.

إذ تقدّم أكثر من 80 مرشحا لمنصب الرئاسة، بينهم أكثر من 30 مرشحا كرديا، وهذا لا يدل إلّا على تفكك الإجماع الكردي. 

ومع أن 15 مرشحا فقط استوفوا الشروط القانونية، فإن تعدد المرشحين الكرد أضعف القدرة على تأمين أغلبية الثلثين المطلوبة، وفتح الباب أمام تدخلات وتحالفات عابرة للمكونات.

ويزداد هذا التعقيد في ظلّ أزمة مستمرة داخل إقليم كردستان نفسه، حيث لم تُشكَّل أيّ حكومة للإقليم منذ أكثر من عام. وهو ما يجعل الصراع على رئاسة الجمهورية امتداداً لصراع داخلي أعمق بين الحزبين الرئيسين.

أزمة نظام

ولفت الكاتب التركي إلى أن العامل الحاسم في تشكيل الحكومة يبقى هو موقف القوى الشيعية داخل "الإطار التنسيقي". 

فعلى الرغم من أن الإطار ما زال يشكل الكتلة الأكبر، فإنه يعاني انقسامات حادة حول مرشح رئاسة الوزراء.

ويتداول المشهد السياسي ما بين 9 إلى 10 أسماء، يتقدمهم محمد شياع السوداني ونوري المالكي. 

ورغم ما أُشيع عن انسحاب السوداني لصالح المالكي، إلا أن الواقع يشير إلى غياب إجماع حقيقي على الأخير.

وهنا تتدخل الذاكرة السياسية بقوة. ففترتا حكم المالكي ارتبطتا في الوعي العراقي بمرحلة شديدة الاضطراب. 

كان أولها تصاعد العنف الطائفي، بالإضافة إلى صعود القاعدة ثم داعش، وتفكك الثقة بين الدولة والمجتمع، وانتشار الفساد، وتدهور الخدمات العامة، إضافة إلى سياسة خارجية وُصفت بأنها غير متوازنة ومفرطة القرب من طهران.

هذه الخلفية تجعل من ترشيح المالكي خيارا إشكاليا داخليا وخارجيا، وتفسّر سعي السوداني – حتى لو لم يطمح لولاية ثانية – إلى منع عودته، والعمل على دعم مرشح يمكن التأثير عليه وضبط إيقاعه السياسي.

في مقابل هذا الانسداد السياسي، تبدو تطلعات الشارع العراقي أكثر بساطة ووضوحا؛ حيث تتمثل باستمرار الاستقرار النسبي، والحفاظ على التوازنات الداخلية والخارجية، وتحسين الخدمات، بالإضافة إلى منع العودة إلى الاستقطاب الحاد. 

وهذه التطلعات تجعل من خيار "المرشح التوافقي" الخيار الوحيد القابل للتنفيذ، لا مرشح الغلبة ولا مرشح الانتقام السياسي. غير أن الوصول إلى هذا الخيار يتطلب توافقا متزامنا بين المكونات الثلاثة، وهو ما لم تنضج شروطه بعد.

وختم الكاتب مقاله قائلا: تكشف أزمة تشكيل الحكومة في العراق أن المشكلة ليست في نتائج الانتخابات بقدر ما هي في بنية النظام السياسي ذاته. 

فالدستور المقيّد بالمحاصصة، والنخب المنقسمة على أسس هوياتية وشخصية، والتوازنات الإقليمية الحاضرة في كل قرار تجعل من كل دورة انتخابية إعادة إنتاج للأزمة نفسها بصيغة جديدة.

ويبدو أن تشكيل حكومة جديدة لن يكون مسألة أسابيع أو حتى أشهر، بل اختبارا جديدا لقدرة النظام السياسي العراقي على تجاوز تناقضاته البنيوية، أو السقوط مجدداً في دوامة التعطيل والانتظار.