انخراط باكستان المتصاعد في أزمات الشرق الأوسط.. ما علاقته بالهند؟

منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

دولة كانت قبل أسابيع قليلة تتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قروض إنقاذ لتجنب الانهيار الاقتصادي، توقع صفقة أسلحة ضخمة بقيمة 4.6 مليارات دولار لتزويد قوات اللواء الليبي الانقلابي خليفة حفتر بأسلحة برية وبحرية وجوية متطورة، بما في ذلك دبابات من طراز (في تي-4) وطائرات مقاتلة من طراز (جي إف-17).

وفي الوقت نفسه، تستعد لاحتمال إرسال 3500 جندي للمشاركة في قوات حفظ السلام بغزة، ما يمهد لأن تصبح العمود الفقري لقوات الاستقرار الدولية التي أقرّها مجلس الأمن بعد وقف الإبادة الإسرائيلية.

وفي تعقيبه على هذه التطورات، قال موقع "سوهو" الصيني: "هذه الأحداث، رغم ظهورها منفصلة، إلا أنها تخفي وراءها حسابات دقيقة، فباكستان تستخدم هذه الخطوات العلنية كغطاء لإعادة تموضع إستراتيجي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط تؤثر على مستقبل أمنها القومي".

توسع جيوسياسي

وخلال مؤتمر صحفي بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد، صرَّح محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني أن "بلاده مستعدة للذهاب إلى قطاع غزة فقط للمشاركة في عمليات حفظ السلام، وليس لنزع سلاح حركة حماس".

وأضاف دار: "لن نذهب لنزع سلاح حماس، وهناك وضوح تام في موقف القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية بهذا الشأن".

مؤكدا أن باكستان لن تلعب دورا في فرض السلام، بل ستقتصر على "تعزيز السلام" في غزة. وفق تعبيره.

من جانبه، يرى الموقع أن "قرار مجلس الأمن الدولي الذي يُجيز تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، مع قبول باكستان طواعية مسؤولية إرسال 3500 جندي؛ يتجاوز بكثير مجرد المشاركة استجابة للـ (الروح الدولية)". حسب قوله.

وتابع: "فمن منظور جيوسياسي، تُعد غزة برميل بارود في الشرق الأوسط، لكن هدف باكستان الحقيقي لم يكن قط مواجهة مباشرة مع حماس أو إسرائيل".

وبحسب تحليله، فإن إسلام آباد من خلال سعيها لنشر قواتها العسكرية في القطاع، "تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف، أولها تعزيز صورتها كـ (ممثل للعالم الإسلامي) عبر المشاركة في مهام حفظ السلام، بما يوازن النفوذ الديني للهند في جنوب آسيا".

وثانيا، تسعى باكستان، بحسب الموقع إلى "إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية مفادها أنها تنخرط في (تعاون قابل للتحكم)، مما يفتح لها مجالا أكبر للمناورات الدبلوماسية وصفقات الأسلحة المستقبلية".

وثالثا، "تستخدم إسلام آباد غزة كـ (غطاء إستراتيجي) لتحويل الانتباه الدولي عن اتجاه ليبيا؛ فبينما تتركز أنظار العالم على غزة، تتوسع مخازن الأسلحة الباكستانية في بنغازي بهدوء". وفق ما ذكره التقرير.

ولفت إلى أن "هذه الأساليب التي تقوم على (الإيهام بمهمات علنية لتحقيق أهداف سرية) هي تكتيك معتاد لدى باكستان".

واستدل على ذلك بما حدث في 2017، حين "دخل الجيش الباكستاني السعودية تحت ذريعة (التعاون في مكافحة الإرهاب)، لكنه كان يهدف فعليا لتوفير حماية عسكرية هناك".

وقياسا على ذلك، يقدر التقرير أن "دخولها غزة اليوم تحت ستار (حفظ السلام) هو استمرار لنفس المنطق: استخدام الالتزامات الدولية لتغطية التوسع الجيوسياسي بغطاء قانوني".

نقطة حاسمة

وحول الأسباب التي دفعت باكستان للاتجاه نحو الشرق الأوسط بغية توسيع نفوذها، أوضح الموقع أن "معضلة باكستان الأساسية تكمن في شعورها بـ (الاختناق الجيوسياسي) نتيجة تطويقها من قبل الهند عبر عدة محاور".

وأردف: "فمن الشرق، تراقبها الهند بعين مترقبة، ومن الجنوب، تشكل قواعد الصواريخ في المحيط الهندي تهديدا دائما، أما الغرب، فيغدو منفذ الاختراق الوحيد المتاح أمامها".

"وفي هذا السياق، تبرز ليبيا كنقطة ارتكاز حاسمة على ما يمكن وصفه بـ (ممر الهلال الخصيب الجديد)". يقول الموقع.

ويتابع: "فمقاتلات (جي إف-17) التي تقلع من بنغازي يمتد مداها العملياتي ليغطي كامل الساحل الشرقي للبحر المتوسط".

وهو ما يعني -وفق الموقع- أن "النفوذ العسكري الباكستاني، وللمرة الأولى، يتجاوز حدود جنوب آسيا ليصل مباشرة إلى نقطة التماس بين أوروبا وإفريقيا".

والأكثر أهمية من ذلك، أنه يرى في "حالة الفوضى والانقسام في ليبيا بيئة مثالية لتدخل القوى الخارجية".

واستطرد: "ففي ظل المواجهة القائمة بين قوات الحكومة الليبية والفصائل المسلحة في الشرق، دخلت أطراف دولية عدة على خط الصراع، من بينها تركيا وروسيا وفرنسا، في سباق نفوذ مفتوح".

وأشار إلى أنه "في هذا المشهد، تأتي باكستان لتضخ السلاح تحت شعار (دعم وحدة الجيش الليبي)، لكنها في الواقع تربط مستقبل ليبيا بمصالحها عبر صفقات السلاح".

واسترسل: "فصفقة بقيمة 4.6 مليارات دولار ليست رقما عابرا، بل إنه رقم كاف لصناعة (شبه حليف) على ضفاف المتوسط".

"إلا أن هذه الجرأة الباكستانية لم تكن لتتحقق دون دعم لاعبين اثنين يمكن وصفهما بـ (المدربين الخارقين)"، وفق وصفه.

ويقصد الموقع "المملكة العربية السعودية، وجمهورية الصين الشعبية، فالأولى وبصفتها الممول الرئيس في الشرق الأوسط، عملت خلال السنوات الأخيرة على تعميق تعاونها مع إسلام آباد".

وذكر أن من مظاهر هذا التعاون "منح الرياض تسهيلات مالية لإسلام آباد".

وللسعودية حسابات واضحة في ذلك، كما يقول الموقع، فهي "بدلا من اعتمادها الكامل على المظلة الأميركية، ترى أنه من الأجدى امتلاك (حارس شخصي موال لها بشدة)".

وهذا الحليف "تتمثل ميزته في الكفاءة العسكرية العالية، لا سيما خبرته الواسعة في حروب مكافحة التمرد، إضافة إلى موقعه الجيوسياسي الذي يلبي احتياجات الرياض الأمنية"، وفقا له.

أما الصين، فأفاد التقرير أنها "تمثل بالنسبة لباكستان (المرساة الإستراتيجية) التي تثبت موقعها في بحر الصراعات الدولية".

وتابع موضحا: "فمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني إلى ميناء جوادر، ومن المناورات الجوية المشتركة (نسر) إلى توسيع خطوط إنتاج (جي إف-17)؛ وفرت القاعدة الصناعية الصينية لإسلام آباد القدرة على موازنة التفوق الهندي".

ولفت إلى أن "بكين تتعامل مع التمدد الجيوسياسي الباكستاني بنوع من (القبول الإستراتيجي الضمني)، فهي لا تعلن دعما صريحا لمغامراتها العسكرية، لكنها في الوقت ذاته لا تعرقل توسع النفوذ". 

وأردف التقرير: "هذا الشكل من الدعم المحدود والهادئ يمنح باكستان هامش حركة كافيا لتحقيق صعودها التدريجي، دون استفزاز مباشر للقوى الكبرى".

ممر إستراتيجي

من منظور تحليلي أوسع، يقدر الموقع الصيني أن "طموح باكستان لا يتوقف عند بيع بضع مقاتلات أو إرسال بضعة آلاف من جنود حفظ السلام".

ووفقا له، "الهدف النهائي لإسلام آباد هو بناء قاعدة عسكرية على الضفة الشرقية للمتوسط، لتشكيل (ممر استراتيجي) يمتد من جنوب آسيا وصولا إلى إفريقيا".

وأشار إلى أن "فتح هذا الممر سيمنح باكستان ثلاثة مكاسب إستراتيجية كبرى، أولا: تفتيت الضغط العسكري الهندي، فعندما تضطر الهند إلى تحويل جزء من قواتها نحو المتوسط، ستخف حدة التوتر على حدود منطقة كشمير".

وثانيا، يرى التقرير أن هذا الممر يعني عمليا "توسيع مسارات الطاقة؛ فمن خلال الموانئ الليبية وخطوط الأنابيب، يمكن لباكستان تجاوز المحيط الهندي، والحصول على مصادر الطاقة مباشرة من شرق المتوسط، بما يقلص اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة للمراقبة الهندية".

وأخيرا، يسهم هذا الممر في "تعزيز النفوذ الدولي لباكستان، فدولة متوسطة القوة تمتد شبكتها الجيوسياسية عبر جنوب آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، ستكون في موقع أكثر تأثيرا داخل العالم الإسلامي، كما في معادلات التوازن العالمي".

ومع ذلك، ينوه إلى أن "هذه المقامرة لا تخلو من مخاطر جسيمة، فاحتمالات تغير السلطة في ليبيا قد تجعل استثمارات الأسلحة بلا قيمة، كما أن الانخراط في حفظ السلام في غزة قد يثير توترات داخل العالم الإسلامي نفسه".

يضاف إلى ذلك أن "أي إجراءات مضادة من جانب الهند قد تدفع بجنوب آسيا إلى مستوى أعلى من التصعيد".

واستدرك التقرير: "غير أن الحسابات الباكستانية تبدو واضحة: فالبقاء محاصرا داخل جنوب آسيا يعني استنزافا بطيئا، أما المبادرة والهجوم الاستباقي فهما، رغم مخاطرهما، السبيل الوحيد للنجاة".

وشدد على أن "باكستان لا تقوم بمجرد صفقة سلاح أو مهمة حفظ سلام؛ بل تكتب بدماء جنودها وصلابة صناعتها فصلا جديدا في ملحمة الجغرافيا السياسية".

واختتم قائلا: "أموال السعودية، وتقنيات الصين، وجرأة باكستان، حين تتقاطع هذه العناصر الثلاثة، قد لا تكون النتيجة مجرد تغيير في موازين القوى، بل شرخا حقيقيا في بنية نظام دولي آخذ في التآكل".