إستراتيجية ترامب للأمن القومي.. كيف تمثل فرصة إستراتيجية لتركيا؟

"عقود الهيمنة الأميركية قد انتهت بالنسبة لنا في أوروبا"
أحدثت إستراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، هزة عميقة في أوروبا، إذ إنها تمثل قطيعة مع الأسس التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فالوثيقة تؤكد أن المجال الأمني الأول والأكثر أهمية لأميركا هو أرضها وشعبها، لتعلن بذلك رسميا الانتقال من دور "شرطي العالم" إلى توجه داخلي صارم وتحصين قاري.
ويرى موقع "تيليبوليس" الألماني أن هذه الرؤية الجديدة تعني بالنسبة لأوروبا "زلزالا إستراتيجيا"؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تنظر إليها بوصفها شريكا يتقاسم معها القيم والأمن.
بل كفاعل يعاني من "انحلال حضاري" ناجم عن الهجرة، والتحولات الديموغرافية، والقيود التنظيمية المفرطة، وعليه أن يتولى حل مشكلاته بنفسه مستقبلا.
في هذا السياق، تساءل الموقع الألماني عما إذا كان يؤثر هذا التحول الأميركي الجذري تجاه أوروبا على الدور المستقبلي لتركيا في القارة العجوز.

تحول هيكلي
وأشار الموقع الألماني إلى أن "الجزء الأكثر صرامة وإثارة للجدل في هذه الإستراتيجية موجه إلى أوروبا؛ إذ لا يكتفي النص بوصفها شريكا إستراتيجيا، بل يصورها أيضا كمنطقة تدخل في حالة أزمة".
وتقدر الوثيقة أن التراجع الاقتصادي في أوروبا يظل أقل خطورة من التهديد الأكبر المتمثل في "الاندثار الحضاري".
فالوثيقة تُحمّل السياسات المتعلقة بالهجرة المسؤولية عن تغيير البنية الديموغرافية للقارة وتعميق الانقسامات المجتمعية.
كما تتهم الإستراتيجية الجديدة الاتحاد الأوروبي بـ "تقويض الحرية السياسية والسيادة"، وفرض الرقابة على حرية التعبير، وقمع المعارضة السياسية.
وتعلن صراحة أن هدفها هو "تعزيز المقاومة ضد المسار الحالي لأوروبا من داخل الدول الأوروبية نفسها".
في المقابل، يقدر الموقع أن ردود الفعل الأوروبية، لا سيما من ألمانيا، أظهرت "تركيزا واضحا على الدفاع والاستقلالية".
وتابع: "المستشار الألماني فريدريش ميرتس علق في البداية على الوثيقة بأنها (غير مفاجئة)، محاولا إظهار قدر من الهدوء".
وفي تصريح تلفزيوني قال بلهجة متزنة: "بعض ما ورد فيها يمكن تفهمه، وبعضه يمكن استيعابه، لكن بعضه الآخر غير مقبول بالنسبة لنا من منظور أوروبي".
وأردف الموقع: "وبعد أيام قليلة فقط، وخلال مؤتمر حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في ميونيخ، كان ميرتس أكثر وضوحا وحزما: (عقود الهيمنة الأميركية قد انتهت بالنسبة لنا في أوروبا، وكذلك بالنسبة لنا في ألمانيا إلى حد كبير)".
وأوضح المستشار أن هدفه الآن هو "الحفاظ على حلف الناتو ما دام ذلك ممكنا". وهي عبارة يرى الموقع أنها "لا تعكس شراكة إستراتيجية بقدر ما تشبه عملية جراحية مفتوحة في قلب التحالف العسكري".
ومضى ميرتس أبعد من ذلك محذرا: "لا يظن أحد أن هذا مجرد أمر عابر. ترامب لم يأتِ بين ليلة وضحاها، وهذه السياسة الأميركية لن تزول بسهولة".
ولفت الموقع إلى أن ميرتس "توقع بلهجة قاتمة أن التحول الجاري هو تحول هيكلي وليس شخصيا، وأن الأمر قد يكون أكثر صعوبة مع خلفاء ترامب المحتملين".
ويعتقد الموقع الألماني أن ميرتس "بهذا التصريح أعلن عمليا عن (زمن تحول) جديد، بعد أن كان المستشار السابق أولاف شولتس قد أعلن عن (انعطاف تاريخي) عقب اندلاع حرب أوكرانيا".
من جانبه، وصف وزير الخارجية الألماني السابق زيغمار غابرييل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذا المنعطف الجديد بأنه "قطيعة تاريخية".
أما زميله في الحزب الديمقراطي المسيحي نوربرت روتغن، فتحدث عن "تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا استمر 80 عاما".
وذهب رودريش كيزيفيتر، وهو أيضا من الحزب نفسه، إلى توصيف أكثر حدة قائلا: "يتم التعامل معنا في واشنطن اليوم إما كدولة تابعة مزعجة يُراد منها دفع الجزية، أو كمنافس اقتصادي يجب كبحه".

مشكلة وجودية
وأشار الموقع الألماني إلى أن "التشخيص كان موحدا عبر الطيف السياسي والإعلامي؛ فقد أكد كليمنس فيرغين، كبير مراسلي صحيفة (فيلت) الألمانية، أن الإستراتيجية الأمنية الوطنية الجديدة تحمل (ملامح معادية لأوروبا بشكل واضح)".
وعقّب الموقع: "الأمر لم يعد مجرد شد وجذب عبر الأطلسي، فالكلمات المتداولة في برلين وبروكسل تصف بداية نظام جيوسياسي جديد، نظام فقدت فيه أوروبا مكانتها المميزة وعليها أن تثبت نفسها من جديد".
وبحسب استطلاع "مؤشر البارومتر السياسي" الذي أجرته قناة (ZDF) الألمانية، فإن 90 بالمئة من الألمان يخشون أن يتدخل الأميركيون أكثر في الشؤون الداخلية الأوروبية، ويعدون ذلك أمرا غير مقبول.
وحذر الموقع من أن "هذا التآكل في الثقة يمثل مشكلة مباشرة لوظائف حلف الناتو، ففي حين يحذر التقرير السنوي لجهاز الاستخبارات العسكرية من تهديد (مرتفع بشكل استثنائي) من التجسس والتخريب، يبقى من غير الواضح مدى استعداد الولايات المتحدة للاستمرار كشريك أمني موثوق".
وبحسبه، يرجع ذلك إلى أن "ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو ما زالت تعتمد بشكل كبير على المعلومات القادمة من الأجهزة الأميركية".
أما المشكلة الثانية الكبرى فتكمن، وفق الموقع، في "خطر الانقسام الأيديولوجي والتدخل في السياسة الداخلية".
وتابع موضحا: "فالإشادة الأميركية بـ (الأحزاب الوطنية) ووعدها بـ (تعزيز المقاومة) يحملان إمكانية تقوية الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب "البديل من أجل ألمانيا (AfD)"، وأحزاب أخرى معادية للدستور في أوروبا".
ونوه إلى أن "هذا ليس مجرد احتمال، بل واقع قائم بالفعل، فحزب (AfD) رحب بالإستراتيجية الأميركية الجديدة".
"كما أن زيارات الوفود التي قام بها سياسيون من الحزب إلى الحزب الجمهوري إلى جانب الدعم العلني الذي يقدمه أشخاص مثل إيلون ماسك، ودونالد ترامب، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لقضايا الحزب، كلها مؤشرات لا لبس فيها على العلاقة الوثيقة بين الطرفين"، بحسب الموقع.
ورغم كل ذلك، أشار التقرير إلى أن "بعض المعلقين يرون أن هذه الأزمة تحمل فرصة ثمينة، قد تمنح أوروبا أخيرا الدفع الضروري نحو استقلالية إستراتيجية حقيقية".
في هذا السياق، أشار التقرير إلى ما كتبه بول ميدلهوف من صحيفة (دي تسايت) الألمانية تحت عنوان (التذمر لا يفيد)، داعيا أوروبا إلى "التحرك لتجدد نفسها وتصبح أكثر دهاء ومرونة وقوة".
وبرأيه، "على المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية أن يتخلوا عن الوضع القائم".
وشدد الكاتب على ضرورة اتجاه أوروبا نحو "دمج صناعاتها الدفاعية بشكل أوثق، وبناء قدرة ردع قوية ومستقلة".
واستدرك التقرير: "لكن العقبة الأكبر تكمن في الملف النووي، فهل يمكن -بل هي ينبغي- أن تتحول المظلة النووية الفرنسية-البريطانية إلى مظلة أوروبية؟".
واستطرد: "هذا النقاش الشائك، كما يصفه معلقو صحيفة (فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ)، بات اليوم أمرا لا مفر منه".
وفي المجال الاقتصادي، يرى التقرير أنه "يتعين على أوروبا، في ظل تزايد حالات الإفلاس وعمليات الاستحواذ الأجنبية، أن تتخذ إجراءات سياسية عاجلة لضمان سيادتها الصناعية والتكنولوجية".
"وكما حذرت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، فإن (المعركة الكبرى) مع الولايات المتحدة حول تنظيم التقنيات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي، تُرغم أوروبا على تطوير القدرة لحماية قيمها ومصالحها الخاصة".

آفاق جديدة
"في مقابل تلك التداعيات السلبية على أوروبا، تفتح التغيرات الجيوسياسية الراهنة آفاقا جديدة أمام أنقرة، التي تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي مميز على أطراف النظام اليورو-أطلسي". يقول الموقع.
ويكمل: "وكما تحلل ماريون سيندكر في صحيفة (فيلت) الألمانية، فإن موقف ألمانيا من تركيا (يشهد تغيرا جذريا مع تراجع الدور الأميركي)".
وفي تأكيد على صحة هذا التحليل، أشار الموقع إلى تصريح وزير الخارجية الألماني يوهان واديبول خلال زيارته لأنقرة، حيث شدد على "أن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة في العلاقات".
وعقّب التقرير: "لم يكن هذا التصريح عشوائيا، ففي ظل التهديد الروسي وتراجع الانخراط الأميركي، تكتشف أوروبا -وإن بشكل متأخر- القيمة الاستراتيجية لتركيا، وهو ما يمنح أنقرة قوة تفاوضية غير مسبوقة".
وأبرز التقرير تلك القيمة الإستراتيجية لأنقرة قائلا: "بوصفها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تستطيع تركيا سد فجوة الردع في أوروبا الشرقية والقوقاز".
"كما أن قدرتها على الوساطة في حرب أوكرانيا، ونفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا والقوقاز والبلقان، فضلا عن دورها المحوري في ملف الهجرة، كلها عوامل تزيد من أهميتها في نظر بروكسل وبرلين". وفق قوله.
ويبدو أن تركيا تستغل هذه اللحظة بالفعل، إذا أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مقابلة مع كارولينا دروتن في صحيفة (دي فيلت)، أن أنقرة ترى هذه اللحظة فرصة لـ "بناء مركز ثقل خاص بها في النظام العالمي الجديد".
في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "خطوات تقدم ملموسة في العلاقات بين أنقرة وبروكسل، مثل تحديث الاتحاد الجمركي، وتحرير نظام التأشيرات، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية؛ تبدو قريبة المنال".
في المحصلة، يرى الموقع أن "إستراتيجية الأمن الأميركية الجديدة تمثل بالتأكيد نقطة تحول؛ إذ تشير إلى نهاية النظام الدولي الذي أُسس بعد عام 1945".
وتابع: "وفي أعقاب نقطة التحول التاريخية الثانية هذه، فإن اتخاذ أوروبا خطوات حاسمة نحو الاستقلال العسكري والاقتصادي والتكنولوجي أمر لا مفر منه".
فوفقا له، "يتعين على القارة العجوز في خضم هذه التحولات الإستراتيجية الكبرى إعادة التفكير جذريا في بنيتها الأمنية، وهنا تبرز تركيا بفضل موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وفاعليتها الدبلوماسية كفاعل رئيس تتزايد أهميته بشكل هائل".
مع ذلك، لفت إلى أن "هذه المكانة لا تخلو من المخاطر، فنجاح العلاقات مع تركيا لن يتوقف على مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد فحسب، بل على انتهاج سياسة خارجية متوازنة تضمن استقرارها على المدى الطويل".
واختتم حديثه قائلا: "المؤكد أن حالة الاغتراب التاريخية بين ضفتي الأطلسي تعلن بداية حقبة جديدة تتسم بعدم اليقين لجميع الفاعلين الإقليميين، وفي هذه الحقبة، ومع تفكك البنى التحالفية القديمة، ستتشكل توازنات قوى جديدة وشبكات تعاون ترسم خريطة إستراتيجية جديدة لأوروبا، وتركيا، والعالم".















