لماذا يلتزم بوتين الصمت حيال حليفه مادورو المعتقل في أميركا؟

"خيارات روسيا تبقى محدودة للغاية"
حتى وقت قريب، كانت روسيا أحد أهم الدول التي تزود فنزويلا بالمعدات العسكرية، لكن بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة مطلع يناير/ كانون الثاني 2026، يلتزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "الصمت".
وفي هذا السياق، تساءل موقع "دويتش فيله" الألماني عن دلالات "صمت الكرملين" وانعكاس ذلك على مجريات الحرب الروسية الأوكرانية. وعما إذا كان سقوط نظام مادورو يمثّل تطورا إيجابيا لكييف، أم أنه قد يفضي إلى تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا.

مجرد قلق
واستهل التقرير الألماني حديثه قائلا: "في مايو/ أيار 2025، وخلال زيارته إلى موسكو بمناسبة (يوم النصر)، أغدق مادورو المديح على بوتين. واصفا روسيا بأنها (قوة محورية للبشرية)، وفي حينه، وقع الزعيمان اتفاقا حول (الشراكة والتعاون الإستراتيجي)".
واستدرك: "غير أن المشهد تبدل جذريا في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، حين وجدت روسيا نفسها مجرد متفرج، بينما قامت الولايات المتحدة بنقل مادورو وزوجته قسرا إلى نيويورك، حيث يواجهان محاكمة بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات".
وتابعت: "بعد أسابيع من سقوط الرئيس الفنزويلي، ما زال بوتين يلتزم الصمت، وذلك رغم أن وزارة الخارجية الروسية كانت قد أعربت في وقت سابق عن القلق، وطالبت بإطلاق سراح مادورو وبدء مفاوضات بين واشنطن وكاراكاس".
أما آخر رسالة تلقاها مادورو من بوتين، وفقًا للتقارير الرسمية، فكانت تهنئة بمناسبة العام الجديد عقب مكالمة هاتفية في ديسمبر/ كانون الأول 2025.
ومن الجدير بالذكر، بحسب الموقع، أن مادورو كان من بين قلة من الزعماء الذين دعموا روسيا في فبراير/ شباط 2022، عندما اعترفت موسكو بالجمهوريتين الانفصاليتين المزعومتين في دونيتسك ولوغانسك قبيل الهجوم الواسع على أوكرانيا.
"وقبل ذلك، وتحديدا في ديسمبر/ كانون الأول 2018، أرسلت روسيا قاذفتين إستراتيجيتين من طراز (تو-160) إلى فنزويلا لإجراء مناورات، وهو ما فسّره الخبراء حينها كإشارة دعم لمادورو". وفق التقرير.
ولفت إلى أن القذيفتين "يوجدان في مطار كراكاس نفسه، وهو المطار الذي أقلعت منه الطائرة التي نقلت الزعيم الفنزويلي إلى الولايات المتحدة".
ومع ذلك، وكما سخر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، لم يتمكن الدفاع الجوي الروسي من حمايته، وهو ما دفع الموقع إلى التساؤل: “كيف أمكن حدوث ذلك؟”

لا مفاجآت
ويرى الخبير البريطاني في العلاقات الدولية نيل ميلفن أن الدعم الروسي لفنزويلا كان في جوهره "رمزيا أكثر منه عمليا". مؤكدا في حديثه إلى "دويتشه فيله" أن روسيا "لا تمتلك القدرة على التشكيك أو الطعن في تحركات القوات الأميركية في المنطقة المجاورة".
ومن جانبه، لا يبدو عالم السياسة الألماني ومؤلف كتاب حول السياسة الخارجية الروسية، فيليكس ريفر، متفاجئا هو الآخر.
فبحسب رأيه، وبعد أن أدّت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إلى تقارب نسبي بين موسكو وواشنطن، تعاملت روسيا مع "الإشارات الأميركية تجاه فنزويلا بقدر من التحفظ".
ويضيف ريفر: "روسيا كانت قد تخلّت عن مادورو فعليا قبل ذلك".
ويعتقد الخبيران أن "أحد الأسباب الرئيسة لهذا الموقف يعود إلى حرب روسيا ضد أوكرانيا، وإلى التحول في دور الولايات المتحدة من شريك غربي لكييف إلى وسيط".
فوفق ميلفين، "تتجنب موسكو توجيه انتقادات حادة إلى واشنطن لأنها (لا ترغب في تنفيرها)".
وبرأيه، "لو لم تكن هناك حرب في أوكرانيا، لكانت لهجة موسكو إزاء ما جرى في فنزويلا (أكثر حدة بكثير)، ولكن دون أن يتجاوز ذلك الإطار الخطابي".
وأضاف الموقع أن "الخبير البريطاني لا يرى في الوقت الراهن تداعيات مباشرة لهذه التطورات على الحرب في أوكرانيا".
واستدرك التقرير: "غير أن هذا التقدير قد يتغير، إذا لم يكتفِ ترامب بملف فنزويلا، بل مضى أبعد من ذلك، على سبيل المثال بمحاولة (ضم) غرينلاند، التابعة للدنمارك، وهو أمر ألمح إليه الرئيس الأميركي مجددا في الآونة الأخيرة".
ويتوقع ميلفين أن حلف شمال الأطلسي "قد لا يصمد أمام تطور من هذا النوع"، وهو رأي ذكر التقرير أن رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن "تتفق معه أيضا".

تداعيات متوقعة
ولشأن تداعيات التطورات في فنزويلا على أوكرانيا، ذكر الموقع أن "السلطات الرسمية في كييف علقت بحذر على أحداث فنزويلا".
وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي: "إذا كان بالإمكان التعامل مع الدكتاتوريين بهذه الطريقة، فإن الولايات المتحدة تعرف ما يجب أن تفعله لاحقا". فيما ذكّرت وزارة الخارجية الأوكرانية بأنها لا تعترف بمادورو رئيسا لفنزويلا.
ويرى خبراء في كييف أن هناك مجالا لتفاؤل حذر؛ إذ "يتوقع السوق أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا في المستقبل القريب نوعا من التطبيع، ما سيتيح لفنزويلا زيادة إنتاج النفط، وهو ما ستكون له انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة".
ويقول عالم السياسة بيترو أوليشوك من الجامعة الوطنية في كييف: "كل ما يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط يصب في مصلحة أوكرانيا، وقد ينعكس إيجابا على المفاوضات".
وتابع موضحا: "فكلما كان النفط أرخص، قلت الموارد المالية المتاحة لروسيا، وبالتالي تصبح فكرة استعدادها لخوض حرب بلا نهاية أقل إقناعا".
من زاوية أخرى، أشار التقرير إلى أن "أحد الجوانب التي تناولتها وسائل الإعلام هو احتمال أن تؤدي عملية اعتقال مادورو إلى إضعاف صورة الولايات المتحدة كطرف ديمقراطي في المفاوضات".
لكن الخبراء الذين تحدثت إليهم "دويتشه فيله" أبدوا شكوكا في ذلك، فقد أوضح أوليشوك أن "هذه الخطوات تنسجم مع عقيدة الولايات المتحدة التي تعد نصف الكرة الغربي مجالا لمصالحها".
وأضاف أنه من المستحيل عقد مقارنة بين اعتقال مادورو والعدوان الروسي على أوكرانيا، وقال: "في حالة فنزويلا، الولايات المتحدة لا تضم أراضي، ولا تدعي أن فنزويلا دولة وهمية".
ويتقاطع هذا الرأي مع ما يطرحه عالم السياسة الألماني فيليكس ريفر الذي يرى أن روسيا "قد تحاول استغلال ملف فنزويلا لتبرير عدوانها على أوكرانيا مرة أخرى"، لكنه يرى أن "المقارنة المباشرة غير دقيقة".
ويؤكد ريفر أن مكانة موسكو الدولية تراجعت، فقال: "من يراهن على روسيا لا ينبغي أن يتوقع منها حماية".
ومن جانبه، يشدد نيل ميلفين على أن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، وقال: "روسيا خسرت أرمينيا وسوريا، والآن فنزويلا أيضا".
وبرأيه، فإن "الموقع الدولي لروسيا يضعف بشكل ملحوظ مع تصعيدها الحرب ضد أوكرانيا، في وقت لم تعد تمتلك فيه الموارد الكافية للحفاظ على مثل هذه الشراكات".
وحتى في حالة كوبا يرجح ميلفين أن "تكون احتجاجات موسكو أعلى نبرة، غير أن خياراتها تبقى (محدودة للغاية)".
وكوبا هي الشريك الأكثر أهمية لروسيا في أميركا اللاتينية وأحد أقرب حلفاء فنزويلا، والتي كثف الرئيس دونالد ترامب في الآونة الأخيرة ضغوطه اللفظية عليها. بحسب الموقع.













