الصراع الإقليمي في عصر الحروب بلا جبهات.. دور تركيا المتنامي وتأثيره

"تركيا من الدول القليلة القادرة على كبح آثار هذه الحروب الجديدة"
تحوّل جذري يشهده العالم في طبيعة الصراعات الدولية، فلم تعد الحروب تُخاض عبر الجبهات التقليدية والحدود الواضحة، بل انتقلت إلى نمط جديد يقوم على ما يمكن تسميته بـ"الحرب بلا جبهات".
في هذا النموذج، لم يعد الهدف احتلال الأراضي بقدر ما أصبح تغيير الأنظمة، وإعادة تشكيل مراكز القرار، وضرب البنى القيادية والأمنية للدول المستهدفة بوسائل دقيقة ومحددة.
![]()
تحولات الصراع
وقال الكاتب التركي فاتح تشيغيرغي، إن "ملامح هذا التحول تتضح من خلال أحداث متزامنة، فهناك تهديدات أميركية لإيران باستخدام القوة العسكرية، كما شهدنا عمليات اغتيال دقيقة استهدفت قادة عسكريين داخل إيران، وقد طالت الضربات منشآت نووية".
إلى جانب ذلك، ظهرت تجارب في إسقاط أنظمة الحكم عبر عمليات سريعة ومحدودة، كما حدث في فنزويلا، ويمكن أن نرى أيضا كيف أن حروب الطائرات المسيّرة بين روسيا وأوكرانيا ما زالت مستمرّة برا وبحرا، كما جرت عمليات احتجاز ناقلات نفط في المياه الدولية.
كل هذه الوقائع تشير إلى أننا أمام “نمط جديد من الصراع”، وهذا النمط لا يعتمد على الجيوش الكبيرة أو الحروب التقليدية، بل يقوم على التكنولوجيا المتقدمة، والعمل الاستخباراتي، والضغط السياسي والاقتصادي، وعمليات عسكرية خاصة ومحدودة، بحسب تشيغيرغي.
وتابع: لقد دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة من الصراع، يكون فيها تغيير "الأنظمة" أولوية تتقدم على تغيير "الخرائط"، فالحرب لم تعد تهدف إلى ضم الأراضي، بل إلى إعادة هندسة السلطة داخل الدول، وذلك عبر إضعاف الشرعية الداخلية وإرباك مراكز القرار وبث الفوضى السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، تبرز إيران بوصفها إحدى الساحات المركزية لهذا النوع من الصراع، حيث إن التصريحات الأميركية التي تؤكد أن "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة" تعكس استمرار سياسة الضغط الشامل التي تجمع بين التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية والتحريض السياسي واستخدام ملف حقوق الإنسان كورقة ضغط.
وأوضح تشيغيرغي أن “هذا النموذج من الصراع لا يستهدف بالضرورة الحرب الشاملة، بل يسعى إلى إنهاك الدولة من الداخل، ودفعها إلى التفكك التدريجي أو الانفجار الداخلي”.
واستدرك: العقوبات الاقتصادية على إيران تمثل أحد أبرز أدوات هذه (الحرب بلا جبهات)، فهي لم تُفرض فقط بهدف إضعاف القدرات العسكرية، بل من أجل خلق ضغط اجتماعي واقتصادي يولّد احتجاجات داخلية، ويحوّل الشارع إلى أداة ضغط سياسي".
واستطرد: “بهذا المعنى، تصبح المعاناة الاقتصادية جزءا من الإستراتيجية العسكرية غير المباشرة، حيث تتحول حياة المواطنين اليومية إلى ساحة من ساحات الصراع الدولي”.
في الوقت نفسه، يُستخدم الخطاب السياسي والتهديد العسكري كأداة ردع نفسي ومعنوي، كما ظهر في التدخلات المباشرة التي أدت إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام داخل إيران، وذلك في مؤشر واضح على أن القرار السيادي لم يعد محصورا داخل حدود الدولة، بل بات يتأثر بضغوط عابرة للقارات.
هنا تتجسد إحدى أخطر سمات "الحرب بلا جبهات"؛ وهي القدرة على التأثير في القرارات الداخلية للدول دون دخول جندي واحد إلى أراضيها.

موقع تركيا
وأردف الكاتب بأن “هذه التحولات لا تقتصر آثارها على إيران وحدها، بل تمتد إلى محيطها الإقليمي، وعلى رأسه تركيا”.
وأضاف أن “تركيا تقع في قلب جغرافيا الأزمات، وتحيط بها بؤر توتر ممتدة من سوريا إلى العراق وصولا إلى إيران، وتتحمل بالفعل أعباء أمنية هائلة نتيجة ضبط الحدود، ومواجهة الإرهاب، وإدارة موجات الهجرة، وتأمين الاستقرار الداخلي”.
وأشار الكاتب إلى أن "أي اضطراب واسع في إيران سيضيف عبئا جديدا على تركيا، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الإنساني".
فعدم الاستقرار على الحدود الشرقية يعني استنزافا إضافيا للموارد التركية، وزيادة في الضغوط الأمنية واللوجستية، فضلا عن انعكاساته السلبية على السياحة والتجارة وحركة العبور الإقليمي.
كما أن المناطق الحدودية التركية التي تعتمد جزئيا على السياحة الإيرانية ستتأثر بشكل مباشر بأي فوضى داخل إيران.
واستدرك الكاتب بأن "هذه التحولات تتداخل مع ملف العلاقات التركية الإسرائيلية، ومع مستقبل القضية الفلسطينية أيضا، فإن التوازنات الإقليمية الجديدة تجعل من أنقرة لاعبا محوريا في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة".
وتبدو مسارات التطبيع بين تركيا وإسرائيل مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسار الحل في فلسطين، حيث إن أي استقرار حقيقي في العلاقات الإقليمية يمرّ عبر تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ووقف سياسات العنف والضغط في غزة والضفة الغربية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول: إن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعدا لدور تركيا بوصفها "فاعلا إقليميا محوريا" في إدارة الأزمات، والوساطة بين القوى المتصارعة، ومحاولة منع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، وفق تشيغيرغي.
وأضاف: "تركيا تمتلك الموقع الجغرافي والقدرات السياسية والعلاقات الدولية التي تؤهلها للعب هذا الدور، وذلك في مواجهة نموذج (الحرب بلا جبهات) الذي يهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله".
وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: إن "العالم قد دخل مرحلة صراعٍ جديدة، تقوم على التفكيك من الداخل بدل الغزو من الخارج، وعلى إسقاط الأنظمة بدل احتلال الأراضي، وعلى الضغط الاقتصادي والنفسي بدل المواجهة العسكرية المباشرة".
وتابع: "في قلب هذه المعادلة، تبرز تركيا كإحدى الدول القليلة القادرة على كبح آثار هذه الحروب الجديدة وحماية استقرار الإقليم، ما يجعل أهميتها الإستراتيجية مرشحة للازدياد عام 2026 وما بعده، في ظل عالم أكثر تعقيدا وخطورة، عالم يتجه نحو مزيد من الصراعات غير التقليدية".













