فرنسا تراجع اتفاق 1968 مع الجزائر.. هل تنتهي الامتيازات الخاصة بالهجرة؟

ماكرون قرر اتخاذ عدة مبادرات خلال الأسابيع المقبلة لتعديل اتفاق الهجرة
عادت فرنسا للحديث عن إلغاء أو تعديل اتفاقية الهجرة التاريخية الموقعة مع الجزائر عام 1968 والتي تنظم وجود الجزائريين في الدولة الأوروبية وتمنحهم امتيازات خاصة مقارنة بباقي الأجانب.
تنص هذه الاتفاقية على منح الجزائريين إقامة لمدة 10 سنوات بعد 3 سنوات فقط من إقامتهم بالبلاد مقابل 5 سنوات للآخرين، وحق الحصول على إقامة 10 سنوات للمتزوج من مواطن فرنسي بعد عام واحد من الزواج.
تشمل التسهيلات الحصول على إقامة لـ 5 سنوات شرط العثور على عمل خلال 9 أشهر، وتسهيل لم الشمل العائلي بعد سنة فقط من الإقامة، وأيضا تسهيل فتح الأعمال التجارية، وغيرها من الامتيازات. لكن باريس تريد تعديل كل ذلك.

ما الجديد؟
جاءت آخر التصريحات من رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو الذي قال: إن اتفاقية 1968 المنظمة للهجرة بين الجزائر وفرنسا "لم تعد تتوافق بوضوح مع مصالحنا" بلاده، مؤكدا أنهم يريدون التفاوض حولها والتوصل إلى نتيجة “بشكل عاجل”.
وأوضح لوكورنو في تصريح لصحيفة "صوت الشمال" خلال فبراير/شباط 2026، أن "الرئيس إيمانويل ماكرون قرر اتخاذ عدة مبادرات خلال الأسابيع المقبلة لتحقيق نتائج ملموسة بخصوص هذا الاتفاق"، دون أن يقدم تفاصيل حول طبيعة الإجراءات المرتقبة.
وسبق لرئيس الوزراء الفرنسي أن أوضح أنه يفضل خيار إعادة التفاوض على الاتفاق بدل إلغائه بشكل كامل، مؤكدا تمسكه بمراجعة الإطار القائم بما يستجيب لما تعتبره باريس متطلبات المرحلة الحالية.
بدوره، قال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في نفس الشهر: إن باريس ترى أن "من الضروري والعاجل إعادة التفاوض على اتفاقية 1968"، مبررا ذلك بوجود "عدد من الامتيازات" التي تمنحها خاصة في مجال الهجرة العائلية.
وبين أن فرنسا تريد إعادة التوازن وإعطاء الأولوية للهجرة الاقتصادية على حساب نظيرتها العائلية، مؤكدا أن هذا الملف سيكون محل نقاش بين الجانبين.
وفيما يخص تنفيذ قرارات ترحيل المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، أوضح نونيز أن التعاون في هذا المجال "لم يُستأنف بعد”، مضيفا أنه "كانت هناك عمليات مغادرة طوعية". ومن المقرر أن يتوجه هذا الوزير إلى الجزائر خلال فبراير 2026 "لمناقشة قضايا أمنية، لا سيما عودة الجزائريين واتفاق الهجرة.
وعاد الجدل بشأن الاتفاقية عقب هجوم في مدينة مولوز شرق فرنسا في فبراير 2025 أدى إلى مقتل شخص، نفذه جزائري كان قد صدر بحقه أمر ترحيل لكن بلاده رفضت استعادته.
نتيجة لذلك، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك فرانسوا بايرو أن حكومته ستراجع الاتفاقية خلال ستة أسابيع إذا استمرت الجزائر في رفض استقبال المرّحلين، مشيرًا إلى أن الاتفاق يمنح الجزائريين “استثناءات” عن قانون الهجرة الفرنسي.
وبعد يومين من تصريحات بايرو، نشرت وزارة الخارجية الجزائرية تحذيرًا بأن “أي تلاعب” بالاتفاق سيقابل برد فعل مشابه على الاتفاقيات الأخرى. غير أن وزير الداخلية الفرنسي قال في تصريحاته الأخيرة: إن ماكرون أعلن أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون "موافق على إعادة التفاوض".
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 تبنَّت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) بضغط من حزب “التجمع الوطني” اليميني قرارًا غير ملزم يطالب بإلغاء اتفاق 1968.
الخطوة عدت انتصارًا رمزيًا لزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان لأنها المرة الأولى التي يمر فيها قرار مقدم من حزبها، إلا أن الحكومة رفضت الإلغاء الفوري وفضلت التفاوض.
في اليوم التالي أعلن رئيس الوزراء الجديد سيباستيان لوكورنو أن الاتفاق “ينتمي إلى عصر آخر” وأنه "يجب إعادة التفاوض عليه”، وكلف وزارتي الداخلية والخارجية بفتح محادثات مع الجزائر لإعادة صياغته بحيث يضمن “المعاملة بالمثل” ويلائم سوق العمل الحالية.
من الناحية العملية يطمح المسؤولون الفرنسيون إلى تقليص تصاريح الإقامة الطويلة وربطها بشروط مرتبطة بالراتب والمؤهلات، وتشديد شروط لمّ الشمل العائلي، واستبدال الامتيازات القائمة ببرامج هجرة اقتصادية شبيهة ببرامج “جواز المواهب” للمؤهلين.
وبالتالي ستحتاج الشركات إلى اللجوء إلى فئات تأشيرة أخرى لتوظيف جزائريين، في حين ستُحال طلبات الزواج أو لمّ الشمل إلى تدقيق أكبر.

ما الأسباب؟
أعادت حادثة مولوز النقاش حول عدم تنفيذ إبعاد الجزائريين غير النظاميين بسبب رفض الجزائر استقبال رعاياها.
تزامن ذلك مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، إذ ارتفع معدل البطالة في فرنسا إلى 7.5 بالمئة وانخفضت فرص الشباب، ما جعل الرأي العام أكثر حساسية تجاه أي نظام يفضّل جالية بعينها.
ويستند اليمين المتطرف إلى تقرير برلماني جديد أعده النائبان ماثيو لوفيفر وشارل رودويل يقدر أن اتفاق الهجرة مع الجزائر، يكلف الدولة نحو ملياري يورو سنويًا من المساعدات الاجتماعية، رغم اعتراف التقرير نفسه بأن الرقم تقريبي.
لكن هذه الأسباب قد تكون شكلية في هذه المرحلة، إذ إن صعود اليمين المتطرف واليمين التقليدي جعل الهجرة موضوعًا انتخابيًا بامتياز.
ففي أكتوبر 2025، رأى نواب حزب “التجمع الوطني” أن الاتفاق يمنح امتيازًا “استثنائيًا” للجزائريين بينما لا يحصل الفرنسيون في الجزائر على مزايا مماثلة.
ومع اقتراب الانتخابات البلدية في مارس/آذار 2026، استخدم الحزب هذا الملف لتعبئة قاعدت، فقد وصفت الصحافة تمرير القرار بأنه انتصار رمزي يعزز حظوظ اليمين المتطرف ويضغط على حكومة لوكورنو من أجل اتخاذ خطوات ملموسة.
ورأت أوساط اليسار أن غياب نواب حزب الرئيس ماكرون عن الجلسة أسهم في تمرير القرار الذي وصفوه بـ “العنصري”.
وفي ظل لعب اليمين المتطرف على هذا الوتر واتخاذ قضية الهجرة شعارا أساسيا، بدأ ماكرون سحب البساط من تحت أقدام خصومه عبر الحديث عن مبادرة جديدة لتعديل الاتفاق.
وفي إشارة إلى أنه يستعمل من قبل اليمين لأغراض انتخابية، سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن وصف اتفاق 1968 بالقوقعة الفارغة.
وتوترت العلاقات بين الجانبين عندما اعترفت فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في صيف 2024، مما دفع الجزائر لسحب سفيرها وتعليق التعاون الأمني والإنساني.
ولذلك فإن هذا السياق الدبلوماسي يجعل مراجعة الاتفاقية أداة ضغط في نزاع أوسع حول الذاكرة والشرعية بعد الاستعمار الفرنسي.
ورغم التركيز على الامتيازات المتبقية، فإن الاتفاقية خضعت لتعديلات كثيرة قلصت معظم مزاياها. التعديل الأول عام 1985 جعل مدتي الإقامة سنة أو عشر سنوات بدلًا من خمس سنوات، وحافظ على حرية إقامة الأعمال التجارية.
وفي 1986 أدخلت فرنسا شرط التأشيرة للجزائريين ما أنهى حرية التنقل. التعديل عام 1994 فرض ضرورة تقديم وثائق السكن والموارد المالية وتذكرة العودة عند زيارات العائلة، وحدد الغياب بثلاث سنوات وإلا تُسحب الإقامة.
وفي 2001 جرى توحيد الاتفاق مع قانون شوڤينمان الذي منح بعض الحقوق للأجانب عامة لكنه جمّد الوضع الخاص للجزائريين. هذه التعديلات جعلت وضع الجزائريين أقرب إلى القوانين العامة، لكن بقيت الميزات الأخرى.

التأثيرات المحتملة
تهدف الحكومة الفرنسية إلى الانتقال من التركيز على “الهجرة العائلية” إلى هجرة انتقائية ذات طابع اقتصادي، لكن هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل الجالية الجزائرية في فرنسا.
فقد سمحت الاتفاقية الحالية بتكوين جالية جزائرية كبيرة ومتجذرة. إذ تشير بيانات معهد الأبحاث الديموغرافية (INED) وتقرير مركز ستيمسون للدراسات إلى أن نحو 891,700 شخص ولدوا في الجزائر كانوا يقيمون في فرنسا عام 2024، ما يجعلهم أكبر مجموعة أجنبية.
وبحسب مركز ستيمسون، يسكن هؤلاء في المدن الكبرى ويعملون في قطاعات البناء والخدمات والنقل، بينما يحمل عشرات الآلاف شهادات جامعية ويدمجون في المهن المتقدمة. كما تشكل تحويلاتهم المالية نحو 0.7 بالمئة من الناتج المحلي الجزائري.
ويوضح أنه إذا أُلغيت الامتيازات أو خففت، فإن التأثير سيكون مباشرًا. يرى أن إلغاء الاتفاق سيستبدل بطاقات الإقامة لعشر سنوات ببطاقات قصيرة الأجل تتطلب تجديدًا متكررًا، ويجعل لمّ الشمل العائلي خاضعًا لإجراءات بيروقراطية معقدة، ويحد من الحصول على المساعدات الاجتماعية.
كذلك قد يفرض شروطًا أكثر صرامة على الرواتب والمؤهلات للمهاجرين الجزائريين، ويجبر الشركات على الاعتماد على تأشيرات “جواز المواهب” للموظفين المؤهلين.
وهذا يعني أن نحو 900 ألف شخص سيجدون أنفسهم أمام حالة قانونية غير واضحة، وربما يضطر بعضهم إلى الانتقال إلى برامج الهجرة العادية أو مغادرة البلاد.
التعديلات المحتملة ستقيد أيضًا حرية تأسيس المشاريع؛ إذ سيتوجب على الجزائريين إثبات الجدوى ورأس المال الأولي مثل غيرهم من الأجانب، وفق المركز ذاته. في المقابل قد يؤدي تشديد منح تصاريح الإقامة إلى زيادة حالات عدم الشرعية.
فبحسب إحصاءات الحكومة الفرنسية، ارتفع عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين عام 2025 بنسبة 51.5 بالمئة مقارنة بعام 2024، ليصل العدد إلى أكثر من 51 ألف حالة.
وفي حال جرى تقييد تصاريح العمل الطويلة، فإن هؤلاء قد يواجهون خطر الترحيل أو اللجوء إلى العمل غير الرسمي.
من زاوية أخرى، فإن إلغاء الاتفاق قد يعقّد وضع أبناء الجيل الثاني والثالث الذين يحمل كثير منهم الجنسية الفرنسية لكنهم يرتبطون بأسر ما زالت تحمل الجنسية الجزائرية، وفق موقع يورو نيوز.
ويتخوف الخبراء من أن يؤدي تشديد لمّ الشمل إلى خلق فجوات عائلية وزيادة شعور التمييز، ما قد ينعكس اجتماعيًا ويغذي خطاب اليمين المتطرف.
كما حذرت الجزائر من أن سحب الامتيازات قد يدفعها لفرض قيود مماثلة على الفرنسيين المقيمين في الجزائر، ما يزيد من تعقيد العلاقات الثقافية والتجارية.
المصادر
- باريس تعتزم تعديل اتفاقية 1968 التي تنظم الوجود الجزائري في فرنسا.. ونونيز يتحدث عن تفضيل الهجرة الاقتصادية عن العائلية
- France threatens to review Algeria migration pact in row over deportations
- Reconsidering the 1968 Franco-Algerian Accord
- Is the 1968 Franco-Algerian Agreement on borrowed time?
- France to 'reexamine' 1968 migration pact with Algeria amid diplomatic tensions















