أزمة كبيرة .. من يقف وراء استيراد ذهب بـ8 مليارات دولار سنويا في العراق؟

الإمارات حلت بالمرتبة الأولى كشريك اقتصادي للعراق بسبب الذهب
أثارت الإحصاءات الرسمية في العراق حول كميات الذهب التي يستوردها القطاع الخاص، من الذهب والأحجار الكريمة من دولة الإمارات، نحو 8 مليارات دولار سنويًا، العديد من التساؤلات حول الأسباب التي تدفع لاستيراد هذه الكميات الضخمة، ومن الجهات التي تقف وراءها.
وتأتي هذه الأرقام الصادمة بالتزامن مع تطبيق السلطات العراقية لنظام "الأسيكودا" والتعرفة الجمركية الجديدة، بدءا من مطلع يناير/كانون الثاني 2026، وهو ما أثار غضب التجار في البلاد، الذين نظموا تظاهرات في وسط بغداد، وأعلنوا عن إضراب في 8 فبراير/شباط 2026 احتجاجًا على الإجراءات الجديدة.

تجارة سرية
في 8 فبراير/شباط 2026، كشفت قناة "السومرية" الفضائية، نقلاً عن جهات رسمية لم تُسمّها، أن العراق سجل في عام 2024 خروج نحو 70 مليار دولار من البلاد، وانخفض الرقم في العام التالي إلى 69 مليار دولار، مشيرة إلى أن الشريك التجاري الأول للعراق هي دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأوضحت القناة أن العراق استورد من الإمارات نحو 25 مليار دولار، تلتها الصين بحوالي 17 مليار دولار، ثم تركيا بنحو 10 مليارات دولار. مشيرة إلى أن الجزء الأكبر من واردات الإمارات كان ذهبًا ولؤلؤًا وأحجارًا كريمة بقيمة وصلت إلى نحو 12 مليار دولار.
وفي عام 2025، تؤكد البيانات أن استيرادات العراق من الذهب بلغت نحو 8 مليارات دولار من الإمارات، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل جزءًا من "خط تجارة سرية" لأحزاب عراقية نافذة، ربما دفعت الحكومة إلى التريث في تطبيق نظام "الأسيكودا".
يُعدّ نظام "الأسيكودا" برنامجًا رائدًا لأتمتة الجمارك، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ويهدف إلى رقمنة عمليات التخليص الجمركي، والحد من مخاطر الاحتيال، وتسهيل حركة التجارة عبر الحدود.
ورغم أن السلطات العراقية أقرت البرنامج منذ عام 2010، إلا أن الحكومة الحالية قررت تطبيقه مطلع يناير/كانون الثاني 2026، لتعزيز الإيرادات المالية وتمكينها من دفع رواتب الموظفين، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط إلى نحو 61 دولارًا للبرميل.
وبحسب البرنامج الجديد، ارتفعت الرسوم الجمركية بنسب تتراوح بين 5 و30 بالمئة، موزعة على شرائح تبدأ من 5 و10 و15 بالمئة وصولًا إلى الحد الأعلى البالغ 30 بالمئة. ويشمل النظام كامل سجل التعريفة الجمركية، المؤلف من 99 فصلًا يضم نحو 16.4 ألف بند، وهي البنود المعتمدة عالميًا في التجارة الدولية.

عمليات الاستيراد
علق الخبير الاقتصادي العراقي، عبد الرحمن المشهداني، في حديثه مع "الاستقلال"، على كميات الذهب المستوردة من العراق قائلاً: "عمليات الاستيراد مثيرة للشك والريبة، خصوصًا أن الطبقة الوسطى ليست لديها القدرة على شراء الذهب بوزن غرامين أو ثلاثة".
وأضاف المشهداني أن “القطاع الخاص استورد 24 طنًا من الذهب في عام 2024، وفي أول عشرة أشهر من عام 2025 تم استيراد نحو 50 طنًا، فهل كلها تُستهلك محليًا أم أن هناك تحولًا نحو غسيل الأموال؟”
وأوضح أن "عمليات شراء العقارات التي فرضتها الحكومة أخيرا قد دفعت أصحاب رؤوس الأموال إلى تحويل أموالهم عبر الذهب، ثم إعادة تهريبه إلى إيران ودول أخرى".
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي صفوان قصي ما طرحه المشهداني، مشيرًا إلى أن "استيراد العراق 22 مليون طن من الذهب يُعاد تصديره فعليًا"، متسائلًا: “هل العراقيون بحاجة إلى هذه الكميات؟ من هو المستهلك النهائي للذهب؟”
ولفت قصي إلى أن "بعض التجار المعروفين في السوق منذ 20 عامًا يمتلكون ملايين الدولارات، وهو بمثابة 'غلاف' لشخصيات نافذة، لذلك من الضروري التحقيق معهم ومع شركائهم. نظام الأسيكودا الذي تم تطبيقه أخيرا يساعد على التحقق مما إذا كان هذا التاجر حقيقيًا أم مجرد غطاء".
وأكد الخبير الاقتصادي أن “الأموال الخارجة من العراق للتجارة الخارجية تبلغ نحو 70 مليار دولار سنويًا، وكان من المفترض أن تحقق الحكومة ضريبة جمركة تصل إلى 7 مليارات دولار على الأقل، لكنها تحصل فعليًا على أقل من 2 مليار دولار فقط، ما يترك فجوة مالية ضخمة بقيمة 5 مليارات دولار، فأين تذهب هذه الأموال؟”

"36 ثريا"
في تعليق له على كميات الذهب المستوردة، رأى الخبير الاقتصادي والسياسي، منقذ داغر، أن الاستيراد الكبير من الذهب والأحجار الكريمة يعود إلى "فرض القيود الدولية على غسيل الأموال وتهريبها، ما جعل الذهب مخزن قيمة بديلًا، إلى جانب العقارات".
وأضاف داغر، في حديث له على منصة "أكس" بتاريخ 11 فبراير، أن "القيود على الدولار، خاصة في دول الجوار، دفعت التجار إلى استخدام الذهب كبديل، وأن جزءًا من الذهب يُعاد تصديره للاستفادة من فرق الأسعار مقارنة بالدول المجاورة".
وأشار إلى أن "زيادة عدد المليونيرات والمليارديرات في العراق ترفع الطلب على الذهب، إذ يوجد نحو 36 مليارديرًا في البلاد، وهو عدد يفوق جميع دول الشرق الأوسط، ومع ذلك، فإن الإيرادات الجمركية والضريبية من هذه الكميات تكاد لا تذكر بسبب سهولة التهريب والفساد في المنافذ الحدودية".
في المقابل، أوضح تاجر الذهب العراقي علي العكيلي، في مقابلة مع قناة "النهرين" العراقية بتاريخ 15 يناير، أن "استيراد الذهب توقف منذ تطبيق نظام الأسيكودا في مطلع يناير، وانتقد الإجراءات الحكومية، قائلًا: الجهات التي شرعت هذا القانون ربما لا تدرك أثره، فالذهب عملة وليس سلعة استهلاكية قابلة للاندثار".
وأضاف العكيلي: "الذهب عالميا سعره تجاوز أربعة آلاف دولار للأونصة، ونحن نشتريه على شكل سبائك ثم نحوّله إلى الشركات، للحصول على سلع مصاغة مع دفع أجور الصناعة المصنعية".
ويستقبل العراق نحو 2000 حاوية يوميًا عبر الموانئ، لكن مع تطبيق نظام الأسيكودا وارتفاع الرسوم الجمركية، تكدست نحو 76 ألف حاوية نتيجة رفض التجار تسلمها.
وفي محاولة لتجاوز الأزمة، لجأ بعض التجار إلى تحويل وصول بضائعهم إلى إقليم كردستان، الذي لم يشمله النظام، لكن السلطات هناك نصبت نقاطًا جمركية على الحدود، ما اضطر التجار إلى دفع الرسوم مرتين.
ورغم الاحتجاجات والإضرابات، أكدت هيئة الجمارك العراقية، في بيان بتاريخ 9 يناير، استمرار تطبيق هذه الإجراءات، وترى أنها "ضرورية لتعزيز الشفافية وتنظيم العمل الجمركي وحماية المال العام، ودعم بيئة تجارية مستقرة، بما يتوافق مع توجهات الحكومة للإصلاح المالي والاقتصادي".















