أطراف نزاع الصحراء تجتمع بمدريد.. هل تفرض واشنطن حلا على الجزائر والمغرب؟

"بعد أكثر من نصف قرن من الصراع التقى الخصمان على الجبهتين العسكرية والدبلوماسية مجددا"
تسعى الولايات المتحدة نحو التوصل إلى “حل” للنزاع القائم حول إقليم الصحراء الغربية الذي يطالب بتقرير المصير، وذلك عبر تشجيع أطرافه على الجلوس إلى طاولة الحوار والانخراط في مفاوضات مباشرة.
وجمعت واشنطن، في 8 فبراير/شباط 2026، ممثلين عن الدول المعنية بالملف، وهم وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إضافة إلى رئيس الدبلوماسية في جبهة البوليساريو، وذلك في مقر السفارة الأميركية بالعاصمة الإسبانية مدريد.
وذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في منشور عبر “إكس”، أن وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة يسّرت محادثات في مدريد بإسبانيا، ضمّت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
وأوضحت الوزارة في 9 فبراير، أن هذه المحادثات ركَّزت على سبل تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025) المتعلق بالصحراء الغربية.
وذكرت في منشور آخر، أن كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، يقود هذه المحادثات، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، مدعية أن الولايات المتحدة تواصل التزامها بدعم حل عادل".
في الجانب الإسباني، اقتصرت وزارة الخارجية على الإشارة إلى أن الوزير، خوسيه مانويل ألْباريس، التقى بشكل منفصل مع نظرائه من الجزائر، أحمد عطاف، وموريتانيا، محمد سالم ولد مرزوك.
كما التقى الوزير الإسباني في مدريد بنظيره المغربي، ناصر بوريطة، وبالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، ومع ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مايكل والتز.
وفي 2007، اقترح المغرب حكما ذاتيا موسعا في الإقليم تحت سيادته، بينما تدعو جبهة "البوليساريو" إلى استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم.
خطوة استثنائية
يأتي هذا التطور في إطار مباحثات متعدد الأطراف للحوار الذي لم يشهده مثيل له منذ المسيرة الخضراء، التي نظمها المغرب عام 1975 وأدى إلى انسحاب القوات الإسبانية من الصحراء.
كما يأتي في ظل ضغط دبلوماسي متزايد من الولايات المتحدة حول النزاعات الدولية المتعثرة، ومنها ملف الصحراء الغربية في القارة الإفريقية.
ويجتمع المعنيون بالنزاع حول قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي أيد مقترح المغرب لحل النزاع القائم على "الحكم الذاتي" بوصفه الهدف "الأكثر قابلية للتحقيق".
وفي 29 يناير/كانون الأول 2026، أيد الاتحاد الأوروبي أيضا خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب كأساس لحل سياسي للصحراء "من أجل تحقيق حل عادل ودائم ومقبول للطرفين للنزاع".
وكانت آخر جولات الحوار بين الرباط وجبهة البوليساريو الانفصالية قد جرت في منهاتن بالولايات المتحدة بين 2007 و2008، وفي جنيف بين 2018 و2019، أما الصيغة الرباعية أمام واشنطن والأمم المتحدة، مع مدريد كمكان للاجتماع، فهي غير مسبوقة.
من جانبها، قالت صحيفة "ألباييس" الاسبانية: إنه "وبغضّ النظر عن الإعلانات الموجزة الرسمية عن الاجتماع، إلا أن هذه الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بشأن الصحراء تؤكد أن المغرب وجبهة البوليساريو قد قبلا خارطة الطريق الإجرائية التي قدمتها الولايات المتحدة لمحاولة توقيع اتفاقية إطار سياسي في مايو/أيار 2026 في واشنطن".
وذكرت الصحيفة في 9 فبراير، أنه، وبعد أكثر من نصف قرن من الصراع، الذي توقف في السنوات الأخيرة دون مفاوضات أو اتصالات، التقى الخصمان على الجبهتين العسكرية والدبلوماسية مجددا بحثا عن حل تفاوضي.
وأردفت، "هذه المرة، كان المكان هو السفارة الأميركية في مدريد، في ظل التزام صارم بالصمت فرضته الدولة المضيفة على الأطراف".
وأوردت الصحيفة أن "المغرب صاغ وثيقة قانونية جديدة حول مقترح الحكم الذاتي من أربعين صفحة خلال الأشهر الأخيرة، وهو تحسن ملحوظ مقارنة بالصفحات الثلاث فقط لخطة الحكم الذاتي التي قدمها في البداية عام 2007".
وأبرزت أن "هذه الوثيقة الجديدة تفصّل نموذجا مؤسسيا للحكم الذاتي، بالإضافة إلى نظام ضريبي، ونظام قضائي مستقل، وقوات أمنية خاصة بها". مشيرا إلى أن "المغرب يعد هذه الوثيقة وثيقة فنية تمهيدًا لمرحلة المفاوضات السياسية".

موقف جزائري ثابت
تزامنا مع هذه التطورات، ما تزال الجزائر تعيد التأكيد على موقفها الداعم لجبهة البوليساريو، ومن ذلك ما صدر عن رئيس البرلمان إبراهيم بوغالي خلال استقباله سفير الجبهة لدى الجزائر، خطري أدوه.
ونشر البرلمان الجزائري في حسابه على فيسبوك في 10 فبراير، أن بوغالي “جدّد التأكيد على الموقف الثابت للجزائر الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وفق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة”.
وتحظى البوليساريو بدعم مالي وعسكري ودبلوماسي جزائري، كما تقيم على أرضها مخيمات للاجئين الصحراويين بمنطقة تندوف جنوب البلاد.
من جانب آخر، ورغم مشاركة وزير الخارجية أحمد عطاف في المحادثات مدريد، بناء على مخرجات قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، إلا أن الخارجية لم تتطرق لهذا الجانب في بيان أصدرته بالمناسبة.
واكتفت الخارجية بذكر أن عطاف عقد لقاء مع نظيره الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس بوينو، والذي يأتي "في إطار زيارة عمل يقوم بها الوزير إلى إسبانيا".
وأوضحت الخارجية أنه تم التطرق لواقع علاقات التعاون والشراكة بين البلدين وآفاق إضفاء المزيد من الحركية عليها، لا سيما في الميادين المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستثمار والنقل، فضلا عن التعاون القضائي والقنصلي.
كما تبادل الوزيران وجهات النظر حول عديد القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في منطقة الساحل الصحراوي والتحديات المشتركة في الفضاء الأورو-متوسطي.
في المقابل، يرى المحلل السياسي الجزائري وليد كبير، أن "الجزائر بمشاركتها في لقاء مدريد تؤكد أنها تقبل الجلوس للتفاوض حول ملف الصحراء بناء على أرضية واحدة وهي مقترح الحكم الذاتي".
وذكر كبير لـ"الاستقلال" أن "المحادثات وفق البيانات الأميركية تبين أنه تم استدعاء الجزائر لهذه المحادثات بوصفها طرفا في النزاع". مشددا أن "الولايات المتحدة استطاعت أن تفرض صيغتها للتفاوض لحل النزاع".
ورأى أن لا أحد في الجانب الجزائري عبر عن رفض علني لقرار مجلس الأمن، سواء تعلق الأمر بالرئيس عبد المجيد تبون أو وزير خارجيته أحمد عطاف.
وعليه، يرى كبير أن "ما وقع على مستوى بدء هذه المفاوضات، هو بمثابة نصر دبلوماسي كبير للجانب المغربي، وأيضا هو نجاح لإدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد بدفع الجزائر إلى الجلوس للتفاوض".
وقال: إن "التسريبات المتعلقة بجولة مدريد تبين أنها تمهد للوصول إلى اتفاق سياسي سيتم توقيعه في العاصمة الأميركية واشنطن، في الأشهر القليلة المقبلة".
وأردف، "مفهوم تقرير المصير الذي يتم اعتماده أو ترديده في الجزائر والبوليساريو لن يتم تكراره في المرحلة المقبلة؛ لأن التوجه العام هو حسم أي جدل بشأن سيادة المغرب على الصحراء".
وأكد الناشط السياسي أن "سلطات الجزائرية وفق مصادر متعددة وموثوقة طلبت بمهلة لتمهيد الرأي العام المحلي بخصوص تطورات الملف".
وخلص إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، وموقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، تؤكد جميعا أن النزاع في مراحله النهائية قبل إقرار الوصول إلى تسوية على أساس المقترح المغربي.

نزاع مفتعل
على الجانب المغربي، أكد أستاذ العلاقات الدولية، خالد شيات، أن "السياق الذي تأتي فيه هذه المحادثات هو تفعيل مخرجات القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم 97-27 بشأن قضية الصحراء المغربية".
وشدد شيات لـ "الاستقلال" على أن "هذا السياق يحدد الإطار العام والأساسي والنهائي للحل الخاص بهذا النزاع المفتعل".
وأردف: "بالتوازي مع هذا الإطار العام للشرعية، هناك إجراءات ومواقف أخرى صدرت عن مجموعة من الهيئات مثل الاتحاد الأوروبي كمجموعة واحدة تؤكد على جدية وأولوية المشروع المقترح لحكم الذاتي المغربي، ما يعزز المسار الذي ستذهب فيه المباحثات ضمن إطار الأمم المتحدة".
ونبَّه إلى أن "أطراف النزاع الآن أصبحت محددة وتشارك مائدة المفاوضات ضمن الإطار الأحادي الذي حدده مقترح الحكم الذاتي المفصل والمحين تحت السيادة المغربية الكاملة، وأن الأطراف الأخرى ستدخل في هذه المشاورات في إطار هذا السياق القانوني".
وشدد شيات أن "هذا السقف تدعمه الولايات المتحدة بتدخلها في إطار الشرعية الدولية؛ لأنها راعية لهذه المفاوضات، وفق الإطار القانوني والشرعي في إطار الأمم المتحدة".
ورأى أن "فرص التسريع بالحل قائمة على ضبط الساعة على المخالفين للتوجه الأممي أو المناوئين له والساعين لتجميده، كما يجب الضغط أكثر على الأطراف التي تحاول أن تتجاوز هذه اللحظة التاريخية لاعتماد حل سياسي ونهائي لقضية الصحراء المغربية".
مدريد ليست عشوائية
بدوره، يرى وزير خارجية بيرو السابق، خبير في العلاقات الدولي، ميغيل أنخيل رودريغيز ماكاي، أن الاجتماع الذي اتسم بالسرية بشأن قضية الصحراء الغربية، عقد على أساس مخرجات مجلس الأمن الدولي، مشددا أن اختيار مدريد لاحتضان المفاوضات لم يكن عشوائيا.
وذكر رودريغيز ماكاي في مقال رأي نشره موقع "إكسبريسو" الإسباني في 10 فبراير، أن إسبانيا لا تتدخل في هذه المفاوضات، على الرغم من أنها كانت القوة المحتلة للصحراء الغربية حتى عام 1975، حين انسحبت من الإقليم.
وأردف، "ورغم أن إسبانيا تتخذ موقفا رسميا واضحا وحازما مؤيدا للاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها المطلق لمقترح الحكم الذاتي، إلا أن مدريد لا مصلحة لها في هذه المسألة".
ومع ذلك، يضيف الوزير السابق، "أعتقد أنه من المناسب جدا أن تبدأ هذه المفاوضات في مدريد، إذ يُهيئ ذلك بيئة واعدة لحل واقعي وجاد ودائم، كما قيل دائما، نظرا لمشاركة إسبانيا، التي كانت القوة المحتلة للصحراء المغربية".
وذكر رودريغيز ماكاي أن الولايات المتحدة تقود المفاوضات في هذه المرحلة الجديدة من المشكلة، في إطار الأمم المتحدة، نظرا لقوته الهائلة في العلاقات الدولية.
واسترسل، "فلا شك لدي في أن واشنطن ستسهم في تهيئة الظروف الأولية وتيسيرها بشكل ديناميكي، وتجنب الوصول إلى طريق مسدود، وبالنظر إلى دلالة القرار 2797؛ لأنها ستضمن صراحة عدم انسحاب أي طرف من طاولة المفاوضات، تحت طائلة اللوم الدولي وحتى العقوبات لتجاوزه السلام الدولي وحسن النية".
وأوضح، "حيث إن أعظم ميزة لنصه هي أن الأطراف جلست طواعية، ولأول مرة، على طاولة المفاوضات، دون البدء من الصفر أو دون أي شيء في متناول اليد، ودون فرض أي قيود".
وتابع: "في الواقع، كانت الأطراف الأربعة على دراية تامة، حتى قبل الانخراط بحرية في المفاوضات، بأن الأساس المذكور للمناقشات المعمقة هو الحكم الذاتي الذي اقترحته المملكة المغربية، والذي حظي بتأييد كامل من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نفسه بأغلبية ساحقة من أعضائه الخمسة عشر".
وشدد على أن اجتماع مدريد فيه اعتراف من الأطراف ببعضها البعض كأطراف في المشكلة، وأن الجلوس للتفاوض بشأنها على أساس الحكم الذاتي الصحراوي أو الحكم الذاتي الإداري.
وخلص إلى أنه من المؤكد أن المقترح المغربي سيتم توسيعه بشكل معقول من قبل المملكة، ولكن بالطبع، مع الحفاظ على السلامة الإقليمية للمغرب وفي حدود الأمم المتحدة.

من جهتها، نشرت صحيفة "أتالايار" الإسبانية في 12 فبراير، نص الوثيقة التي يُفترض أن المغرب قدّمها خلال المشاورات في مقر السفارة الأميركية في مدريد.
وحملت الوثيقة مستجدات تُراجع بعض مقتضيات المقترح الأول الذي قدّمه المغرب سنة 2007، حيث نقل المقترح الجديد موقع رئيس الحكومة المحلية لجهة الصحراء من “الانتخاب” عبر البرلمان المحلي ثم التنصيب من طرف الملك، إلى التعيين الملكي أولا ثم التنصيب من طرف البرلمان، كما هو الحال مع رئيس الحكومة المغربية حاليا.
وكان المقترح المغربي السابق قد ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية تشكيل برلمان جهوي من غرفتين، ونص على أن أعضاءه يتوزّعون بين فئة تنتحب بالاقتراع العام المباشر وآخرين تنتخبهم القبائل الصحراوية.
فيما جاءت الوثيقة المحيّنة لتحسم شكل هذا البرلمان في غرفة واحدة، لكنها ذات شرعية “مزدوجة”، بحيث تجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نمط اقتراع نسبي جهوي، وأعضاء تُعيّنهم القبائل الصحراوية المعترف بها.
وتحدّد الوثيقة الاختصاصات الحصرية للدولة في كل من الدفاع الوطني، والأمن الإستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة، والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز السيادة، والنظام القضائي الأعلى.
فيما تشمل اختصاصات الحكومة الجهوية في قطاعات إعداد التراب، والتعمير، والتخطيط الاقتصادي الجهوي، والتنمية الصناعية والسياحية، وتدبير الموارد البحرية، والسياسات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والبيئة، وتدبير البنيات التحتية المائية والطاقية، وكذا النهوض الثقافي، مع تمكين الجهة من سنّ قواعد مُلزمة التنفيذ في هذه المجالات.
وتقترح الوثيقة عرض نظام الحكم الذاتي على استفتاء وطني يشمل مجموع الهيئة الناخبة المغربية، مع إدماجه في الدستور المغربي في شكل باب خاص، مع إخضاع كل مراجعة لاحقة لهذا النظام لمساطر مُشددة تتطلب أغلبية مطلقة داخل البرلمانين الجهوي والوطني.
وتربط الوثيقة تفعيل أحكام نظام الحكم الذاتي في الصحراء، بمسار الجهوية المتقدمة وطنيا، وذلك تفاديا لأي مساس بمبدأ المساواة الترابية.
كما تتضمّن الوثيقة مقتضيات تجيز للدولة، أن تُعلّق بصفة استثنائية ومؤقتة، في حال وقوع مساس جسيم بالنظام الدستوري أو بالوحدة الترابية أو بالسير العادي للمؤسسات، بعض الاختصاصات الجهوية، وفق مسطرة مضبوطة وخاضعة لمراقبة قانونية.
وتمنح الوثيقة لرئيس الحكومة المحلية، المعيّن من طرف الملك والمنصّب من طرف البرلمان الجهوي، صفة ممثل الدولة، بما يكرس وحدة واستمرارية الدولة المغربية.















