من العداء إلى الوفاق.. لماذا غيرت "روسيا بوتين" سياستها تجاه الإسلام؟

أحمد يحيى | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

صاحب القوات البرية الروسية التي بدأت غزو أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، فيالق عسكرية إسلامية المظهر أدت الصلاة حاملة السلاح قبل الانطلاق نحو الحرب.

تلك القوات تتبع للرئيس الشيشاني رمضان قديروف وظهرت هذه المرة على شاكلة مجاهدي ذلك البلد في تسعينيات القرن الماضي، لكنها اليوم تقاتل بولاء مطلق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتأتمر بأمره.

جيش قديروف فتح ملف علاقة روسيا الحديثة بالإسلام من الأساس، بعد عهود من القمع والانتهاكات، وبماض مرير حملته الحقبة السوفيتية البائدة التي محقت كل ما هو ديني وإسلامي داخل أراضيها، واضطهدت المسلمين لعقود طويلة. 

فما الذي تغير؟ ولماذا حول بوتين سياسته تجاه المسلمين في بلاده؟ وما أهداف روسيا من اجتذاب العنصر المسلم في المجتمع؟ 

جيش قديروف 

في 25 فبراير 2022، نشرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، تقريرا مفصلا عن رمضان قديروف، وحشده لآلاف المقاتلين الشيشانيين للقتال في أوكرانيا. 

وقالت: "قديروف يدين بالولاء للرئيس الروسي، حتى إنه يطلق عليه -فتى بوتين المدلل-، مع العلم أن الشيشان جمهورية تتبع لروسيا الاتحادية". 

وأكدت أن "المجموعات المسلمة التي أرسلها قديروف للقتال هي من القوات الخاصة، وقوات أخرى شبه حكومية". 

وذكرت أن القوات الشيشانية تجمعت في غابة على مشارف أوكرانيا، وأدت الصلاة استعدادا للشروع في القتال.

وأشارت إلى أن قديروف ودع بنفسه الجنود المتوجهين إلى أوكرانيا، وبحسب التقديرات، يصل تعدادهم إلى نحو 10 آلاف مقاتل.

ورمضان قديروف، هو رئيس جمهورية الشيشان، الذي انخرط وهو شاب مع والده في النضال العسكري الذي خاضه الشيشانيون المسلمون للاستقلال عن روسيا، خاصة وأنه من عائلة لها مكانة دينية وسياسية كبيرة. 

التصالح مع موسكو مكن والده من حكم البلاد حتى اغتيل عام 2004، فسلمته هو السلطة خلفا له، ووطد الأمن فيها لصالح روسيا التي يوصف بأنه رجلها القوي، ومن الدوائر القريبة من بوتين.

اتهم قديروف بالولاء الكامل للرئيس الروسي، وبالفساد والاستبداد وتدبير عمليات اغتيال لمعارضين روس وشيشانيين.

ومع الغزو الروسي الأخير لأوكرانيا، أعلنت عدة مؤسسات إسلامية براءتها من قديروف ونهجه ومقاتليه، معتبرة أنهم "جنود روس بواجهة شيشانية إسلامية شكلية، لا ترتكز إلى مبادئ وأخلاق الإسلام في قراراتها وأفعالها". 

إستراتيجية بوتين

فتح باب استخدام روسيا للقوات الشيشانية الباب أمام علاقة الدولة بالمسلمين، وسبق أن أعلن مفتي روسيا راوي عين الدين، في 11 مارس/ آذار 2018، أن المسلمين الروس يعيشون بتناغم مع أطياف المجتمع الروسي، ويبلغ تعدادهم 25 مليون نسمة، وهم في تزايد مستمر. 

وأضاف: "يتركز وجودهم بشكل كبير في المناطق التي كانت فيها دول إسلامية، قبل تشكيل دولة روسيا الاتحادية، مثل تترستان وباشكورتوستان، وجمهوريات شمال القوقاز".

على الصعيد القومي، حمل بوتين للمسلمين إستراتيجية مختلفة بشكل جذري عن العهود السابقة، منذ صعوده إلى سدة الحكم عام 2000.

وبعد 3 سنوات فقط من هذا التاريخ زار بوتين مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي (منظمة المؤتمر الإسلامي آنذاك)، بعدها صدرت تصريحات متعددة حول التقارب مع العالم الإسلامي واحترام المسلمين داخل البلاد.

ثم أعقبها بعض الأحداث البارزة، أهمها انضمام روسيا بصفة مراقب إلى منظمة اليوسسكو (منظمة مماثلة لليونسكو الأممية ولكن ضمن منظمة التعاون الإسلامي)، ثم جاءت زيارة قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى موسكو عام 2006، لتعزز انفتاح الأخيرة أكثر على العالم الإسلامي بحركاته التنظيمية.

وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2013 أعلن الرئيس الروسي أن الاسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا، وأنها لن تسمح بضرب الصداقة بين قومياتها.

وعبر تاريخ الدولة الروسية كله، يعتبر فلاديمير بوتين أول سياسي من المستوى الرفيع يعترف رسميا بأن روسيا هي بلد بداخله بعد إسلامي إضافة إلى أبعادها الأخرى.

وبحسب تقرير نشره مركز الجزيرة للدراسات، تحت عنوان "السياسة الخارجية الروسية والإسلام: إعادة تشكيل الهوية الوطنية"، في 9 فبراير 2014، فإنه لم يخط هذه الخطوة نحو المسلمين الروس، قبل بوتين لا القياصرة ولا الأباطرة، ولا أي أمين عام للحزب الشيوعي.

بل ذهب بوتين أبعد من ذلك عندما قال: "إن المسلمين في روسيا لديهم كل الحق للشعور بأنهم جزء من الأمة الإسلامية العالمية، وإن موسكو كانت ولا تزال حليفا جيوسياسيا للإسلام".

 

أخطاء الماضي 

ولا ينفصل تقارب روسيا البوتينية مع المسلمين عن إستراتيجية التمدد الجيوسياسي، واستعادة أمجاد الإمبراطورية القديمة في مناطق نفوذها في البلقان وغيرها من البقاع التي تحوي وجودا إسلاميا. 

فتملك روسيا نفوذا في البلقان معتمدة على الصلات الثقافية والدينية التي تربطها ببعض دول المنطقة، كما أنها تمدها بالطاقة وتسهم في إرساء الاستقرار فيها خاصة في البوسنة والهرسك، في محاولة للتصدي للزحف والتوسع من قبل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

تحاول روسيا تجاوز أخطاء الماضي باستعداء ملايين المسلمين، والتعلم من درس غريمتها التقليدية الولايات المتحدة، التي استغلت ذلك العنصر الفعال في الحرب الباردة، واستطاعت الانتصار، ومن ثم تفكيك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك. 

فبالعودة إلى عام 1977، كان "زبيغنيو بريجنسكي"، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، مهندس الجهاد الأفغاني على الطريقة الأميركية، وأحد أهم مخططي السياسات الأميركية الإستراتيجية على الإطلاق.

وهو صاحب فكرة استغلال المسلمين في الحرب ضد روسيا، حتى إنه أطلق صيحته الشهيرة وخاطبهم قائلا: "لدينا فكرة عن إيمانكم العظيم بالله.. ونحن على ثقة بأنكم ستنتصرون"، وبعد الدعم المالي والسياسي استمرت حربا طويلة مع السوفييت انتهت بهزيمتهم بعد استعداء العالم الإسلامي بأسره. 

واليوم يتجاوز بوتين ونظامه ذلك الزمن، ويسعى إلى دعم ركائز تجتذب العناصر الإسلامية، حتى إنه تعهد في 25 يناير/كانون الثاني 2018، بدعم حكومته سبل إحياء التعليم الديني الإسلامي في البلاد.

وأضاف بوتين خلال اجتماع مع عدد من رموز الدين الإسلامي الروس في مدينة قازان (جنوب غرب) بالقول "الإسلام التقليدي جزء لا يتجزأ من النظام الثقافي الروسي، فهو مكون مهم للغاية لعناصر الشعب الروسي متعدد العرقيات".

روسيا الجامعة 

محمد صالح، طبيب روسي مسلم، من أصول شرقية، تحدث لـ"الاستقلال" عن طبيعة تعامل الدولة الروسية مع الإسلام والمجتمعات المسلمة الكبيرة في البلاد.

يقول إن "الإسلام هو ثاني أكبر الديانات في روسيا، ويتشكلون من أعراق مختلفة مثل التتار والقازان والترك والشركس والروس الأصليين، وجميعهم ينصهرون داخل الدولة وفي المجتمع، ولهم مناطق كاملة وموجودون بكثافة في العاصمة موسكو، وتنتشر المساجد والمراكز الإسلامية في المدن حاليا بشكل ملحوظ". 

وأضاف: "منذ تسعينيات القرن الماضي وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأ المجتمع الإسلامي الذي كان مدمرا ومشتتا استعادة توازنه، وروسيا الحديثة عملت على استيعاب المكونات المضطهدة ومنهم المسلمون".

وأردف أنه "يوجد جامعة إسلامية تدرس الشريعة في قازان، ويتوافد إليها الطلبة المسلمون من مختلف أنحاء روسيا، فضلا عن المؤسسات التعليمية والتوعوية الإسلامية في كثير من المدن مترامية الأطراف". 

وذكر: "السبب الرئيس الذي غير سياسة روسيا الحديثة تحت مظلة الرئيس بوتين تجاه المسلمين، هو حجم الخسارة التي مني بها الاتحاد السوفيتي نتيجة فقدان واستعداء هذا العنصر الرئيس للدولة".

وذكر أن المآسي والانتهاكات التي وقعت بحث المسلمين خلال العهد السوفييتي لا تنسى، وما زالت آثارها باقية في نفوس المسلمين، خاصة الأجيال الكبيرة، الذين يتحدثون عن ذكريات سوداوية عاشوها في الحقبة الماضية، حتى لم يكن يحق لهم امتلاك مصحف داخل البيت، فضلا عن الصلاة والشعائر الإسلامية.

وبالتالي كانوا يحملون عداء شديدا للنظام، ومنهم من انخرط في القتال ضده خلال حرب الشيشان، كما قال.

واستطرد صالح: "اليوم بعض العناصر من مسلمي روسيا يقاتلون ضمن القوات النظامية للجيش الروسي، لكن لا نغفل أبدا أن إرث الدولة القائمة مازال حاضرا، وأن الإسلام الظاهر في روسيا محكوم بقواعد كثيرة حسب إطار المحدد من الحكومة وجهاز الاستخبارات".

وبين أنه "لا يوجد حرية مطلقة للدين عموما في روسيا، والإسلام خاصة، فنحن أمام حالة متطورة لكنها ليست مثالية، ولا تقارن بأوضاع المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة على سبيل المثال"، وفق تعبيره.