"لقد خسرنا أميركا".. هل تسبب نتنياهو في تعريض إسرائيل لـ"خطر وجودي"؟

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

"يجب ألا ندع التعاون الوثيق والعلاقات الشخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تضللنا: لقد أدى سلوك بنيامين نتنياهو إلى انهيار غير مسبوق في العلاقات مع واشنطن، وهو ما قد يعرضنا قريبا لخطر وجودي".

بهذه الافتتاحية انتقدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، محذرة من أن "كل الدلائل تشير إلى أن الرئيس الأميركي القادم، أيا كان، سيواجه صعوبة بالغة في الحفاظ على التحالف التاريخي مع إسرائيل".

علاقة خاصة 

واستهلت الصحيفة تقريرها بعرض تاريخي للعلاقة الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة: "كان الرئيس الأميركي هاري ترومان الذي تولى منصبه عام 1948، هو من اتخذ القرار التاريخي بإنشاء دولة إسرائيل".

وتابعت: "أوضح ترومان، مثل كثيرين بعده، أن الدعم الأميركي للدولة اليهودية هو سياسة تهدف إلى تعزيز المصالح الأميركية".

وفي خطاب الوداع عام 1953، استخدم ترومان لغة توراتية قائلا: "يمكن لإسرائيل أن تكون أرضا تفيض لبنا وعسلا كما كانت في أيام يسوع".

وأردفت الصحيفة العبرية: "بعد عقود، روى السيناتور اليهودي جوزيف ليبرمان حديثا خاصا أجراه مع المرشح الرئاسي آنذاك بيل كلينتون، فقد أخبره كلينتون أن قسّه الذي كان يعظمه، وهو على فراش الموت، قال له: آمل أن تترشح يوما للرئاسة، وإذا انتُخبت، تذكر هذا: (لا تتخل عن إسرائيل، لأن الله لن يغفر لك أبدا)". 

وبحسب الصحيفة، "أنهى كلينتون القصة بقوله لليبرمان: إذا انتُخبت رئيسا، فلن أخيب أمل إسرائيل أبدا".

وأشادت "يديعوت أحرونوت" بحديث كلينتون مقدرة أنه "من الصعب العثور على تعبيرات أقوى من هذه لتوضيح الأسس التي تقوم عليها العلاقات العميقة بين إسرائيل والولايات المتحدة".

وترى أن "هذه الأمثلة تُظهر مدى ارتباط (العلاقات الخاصة) بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالمصالح، لكنها توضح أيضا أنها ترتكز على روابط أعمق".

وشددت على أن "هذا الارتباط مع إحدى القوى العظمى شكل منذ أواخر الستينيات من القرن العشرين أهم الأصول الإستراتيجية لإسرائيل".

وأقرت باستحالة استمرار الدولة الصهيونية بدون الدعم الأميركي، فقالت: "لولا الدعم الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري الأميركي، لكان استمرار وجود إسرائيل كديمقراطية يهودية في الشرق الأوسط أمرا صعبا للغاية، وربما مستحيلا على المدى الطويل".

"وبالنظر إلى هذا التاريخ الثري، كان يُتوقع أن يعمّق نتنياهو هذا الارتباط ويقوّيه أكثر"، تقول الصحيفة.

واستدركت: "لكن لا ينبغي أن يضللنا التعاون الوثيق والعلاقات الشخصية مع الرئيس ترامب، فسياسات نتنياهو قادت العلاقات مع أميركا إلى انهيار غير مسبوق قد يضع إسرائيل قريبا أمام خطر وجودي".

نقطة اللاعودة

أولى هذه السياسات التي انتقدتها الصحيفة، كانت علاقات نتنياهو مع الحزب الديمقراطي. 

وأوضحت: "لا خلاف على أن نتنياهو خلال سنوات حكمه الطويلة أسهم بشكل حاسم في تحويل العلاقات بين إسرائيل والحزب الديمقراطي من رصيد إستراتيجي إلى قضية سياسية مثيرة للانقسام، فقد تمتعت إسرائيل لعقود بدعم واسع بين السياسيين والناخبين الديمقراطيين".

وتابعت: "لكن عندما اختار نتنياهو الاصطفاف الكامل مع المعسكر الجمهوري وقيادته، نشأ شرخ عميق بين إسرائيل والحزب".

وبحسبها، "كانت نقطة اللاعودة في هذه العلاقات خطابه أمام الكونغرس عام 2015 ضد الاتفاق النووي مع إيران، والذي ألقاه دون تنسيق، وبطريقة بدت تحديا لإدارة الرئيس باراك أوباما".

ورأى كثير من الديمقراطيين، حسب الصحيفة، هذه الخطوة "تقويضا لسلطة رئيس قائم، مما عمّق شعور النفور من حكومة إسرائيل لدى قطاعات متزايدة من ناخبي الحزب".

وأردفت: "زاد الاصطفاف السياسي الكامل لنتنياهو مع ترامب والمعسكر الجمهوري من الفجوة، فالدعم العلني وغير المشروط الذي قدمه نتنياهو للرئيس الجمهوري عزز لدى كثيرين الانطباع بأن إسرائيل اختارت طرفا في الصراع السياسي الداخلي الأميركي".

ونتيجة لذلك، قدرت الصحيفة أن الصورة التقليدية لإسرائيل كحليف طبيعي تآكلت تماما، خصوصا بين الجيل الشاب والجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وأضافت أن "الحزب الديمقراطي تحول، في سنوات حكم نتنياهو، من حزب داعم للمواقف الإسرائيلية بشكل تقليدي، إلى حزب يحمل في ثناياه عداء متزايدا لإسرائيل".

تحولات عميقة

على الجانب الآخر، أشارت الصحيفة إلى أن "بنية الحزب الجمهوري شهدت تحولات عميقة في السنوات الأخيرة مع صعود التيار الترامبي الانعزالي (ماغا)، الذي ينظر بريبة إلى الالتزامات الدولية".

وحسب التقرير، يرى كثيرون داخل هذا المعسكر، الذي يمثل القاعدة الشعبية للرئيس ترامب، أن "الدعم الأميركي الواسع لإسرائيل، لا سيما الحرب ضد إيران التي تتعارض مع تعهدات ترامب بعدم الانجرار إلى (حروب غير ضرورية)، يتعارض مع المصالح الأميركية".

وأشارت الصحيفة إلى أن "تصريحات نتنياهو، خاصة محاولاته العلنية لحشد القيادة الأميركية لمواجهة إيران، عدت محاولة لجرّ الولايات المتحدة إلى تورط عميق ومضر في الشرق الأوسط".

وأضافت أن "سياسيين محسوبين على هذا التيار بدؤوا في تصوير الدعم لإسرائيل كامتداد لسياسة (الحروب التي لا تنتهي)، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان".

وعقبت الصحيفة على هذا المشهد بالقول: "وهكذا نشأ وضع مفارق، فبينما حافظ نتنياهو على علاقات قوية مع أجزاء من الحزب الجمهوري التقليدي، أسهم في الوقت ذاته في بلورة جناح يميني شديد الانتقاد للعلاقة مع إسرائيل".

واستطردت: "هذه الانتقادات تمثل انعكاسا لنظيرتها في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، وتُقوّض بالفعل أحد الأعمدة الأساسية للدعم الأميركي لإسرائيل".

وأبرزت الصحيفة التحول في الحزب الجمهوري من خلال تصريحات شخصيات شعبية وذات تأثير في جناحه اليميني المتطرف "الذي يقترب من معاداة السامية"، على حد وصفها. 

وقالت: "فقد وصف الإعلامي تاكر كارلسون الهجمات على إيران بأنها (مروعة وشريرة)، في خطاب غذّى السرديات المعادية لليهود التي تزعم أنهم يتحكمون في دوائر صنع القرار في واشنطن ويخدمون أجندة إسرائيلية".

وتابعت: "أما نيك فوينتس، الذي يتبنى مواقف معادية للسامية بشكل معلن، فقد دعا إلى التصويت للديمقراطيين احتجاجا على الحرب".

في حين وصف جو روغن، أبرز الأصوات الجمهورية الجديدة، الحرب بأنها "جنون". 

وخلصت الصحيفة إلى أن "الاعتقاد بأن إسرائيل تجرّ أميركا إلى مغامرة دامية تتعارض مع المصلحة الأميركية يوجه ضربة قاسية للدعم المقدم لإسرائيل من الجناح اليميني".

كارثة إستراتيجية

كما لفتت الصحيفة العبرية إلى أن "انتخابات التجديد النصفي المقبلة في الولايات المتحدة، خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، تعد اختبارا مهما لترامب والحزب الجمهوري، في ظل حرب يجدون صعوبة في تبريرها للرأي العام، إلى جانب التباطؤ الاقتصادي".

وأردفت: "التوقعات حاليا تشير إلى هزيمة، لكن بصرف النظر عن النتائج، فإن الاتجاهات في الرأي العام الأميركي تحمل في طياتها كارثة إستراتيجية لإسرائيل".

وعزت ذلك إلى أن "نتائج الاستطلاعات المتعددة تظهر أن مكانة إسرائيل بين الناخبين، خاصة الشباب من كلا المعسكرين، تشهد تراجعا تاريخيا، وللمرة الأولى يفضل غالبية واسعة من المواطنين الأميركيين الفلسطينيين على إسرائيل".

وحمّلت الصحيفة نتنياهو مسؤولية هذا التراجع التاريخي، قائلة: "بعد نحو عشرين عاما من الحكم، هذا هو إرث نتنياهو: التسييس المطلق الذي يميز أسلوبه في معالجة القضايا الداخلية، والذي قاد إلى كوارث متتالية، تنعكس بوضوح أكبر في إدارته للعلاقات الحيوية مع الولايات المتحدة".

وتابعت موضحة: "فبدلا من العمل على ترسيخ قاعدة دعم واسعة وعابرة للحزبين، ووضع إستراتيجية طويلة الأمد للحفاظ على التأييد الشعبي لإسرائيل، اختار نتنياهو مرارا خطوات جعلت العلاقة مع إسرائيل قضية خلافية ومستفزة في السياسة الأميركية".

وفق هذه المعطيات، توقعت "يديعوت أحرونوت" أن "الرئيس الأميركي الذي سيخلف ترامب -أيا كان- سيجد صعوبة كبيرة، حتى لو أراد، في الحفاظ على التحالف التاريخي مع إسرائيل في ظل التحولات الواضحة في الرأي العام الأميركي".

واستطردت: "يعكس فشل نتنياهو في صون أهم الأصول الإستراتيجية لإسرائيل، أي العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، قدرا غير مسبوق من الإهمال، وقد يترك تبعات طويلة الأمد".

في المقابل، ترى أنه "كان يمكن لقيادة تمتلك رؤية بعيدة المدى أن تتصرف بشكل مختلف من خلال ترسيخ الدعم الحزبي المزدوج بعناية، وتجنب الانحياز السياسي الأحادي، وعدم تصوير إسرائيل كملحق بالحزب الجمهوري".

لكن في نهاية المطاف، فإنه بحسب تقديرها "خسرت إسرائيل بالفعل معركة كسب الرأي العام الأميركي".

وبالتالي، ترجح الصحيفة، أن الساحة السياسية في الولايات المتحدة ستضطر في المستقبل القريب إلى التفاعل مع هذه التحولات، وعندها "قد تستيقظ إسرائيل على واقع مفاده أن نتنياهو قد خسر أميركا".