بيد فلسطينية.. هكذا صاغت "حماس" مشاهد اليوم التالي لحرب غزة

"الظهور القوي لمقاتلي القسام باغت الإسرائيليين"
عندما بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وعلى مدار الخمسة عشر شهرا، كان الحديث عما يسمى خطة "اليوم التالي" للحرب.
ولطالما شدد رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو، وأعضاء "كابينت الحرب" أن اليوم التالي في غزة سيكون بدون "حماس" أو على أقل تقدير لن تحكم الحركة القطاع.
لكن باغت الظهور القوي لمقاتلي "حماس"، الإسرائيليين قيادة ومستوطنين، وذلك خلال صفقة تسليم الأسرى في 19 يناير/ كانون الثاني 2025.
وظهر المقاتلون بزي عسكري كامل موحد ومرتب، يشمل اللثام والعصابات الخضراء، والساعات وأجهزة التواصل، إضافة إلى تحركهم بمركبات جديدة، من طراز "تويوتا هايلوكس"، وهي من أشهر سيارات "البيك أب" حول العالم.
وتتميز هذه المركبات بقدرتها على تحمل الظروف القاسية والعمل بكفاءة عالية، ويعادل سعر الواحدة منها في الولايات المتحدة نحو 21 ألف دولار.
مشاهد قوية
وكان مشهد كتائب القسام خلال تسليم الأسرى، كما لو كانوا في اليوم الأول من الحرب، وبدت وحدة "الظل" التي سلمت الإسرائيليين في كامل هيئتها.
ثم أقام المقاتلون عرضا عسكريا بانضباط كامل، وشعور ظاهر بالفخر والاعتزاز.
ولم يقتصر الأمر على العتاد فحسب، حيث سلم مقاتلو الحركة أكياسا من القماش بداخلها هدايا تذكارية للرهائن، الأمر الذي صدم وسائل الإعلام العبرية.
فيما علق وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو" في منشور له على منصة "إكس" بجملة واحدة: "وجه النصر المطلق".
ومع ذلك كان اليوم التالي في غزة عقب الهدنة يحمل تحركات وخططا أكثر من الاستعراض والحرب النفسية التي مارستها المقاومة ضد المحتل.
المشهد الثاني أنه مع بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفي تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي، انتشرت الآلاف من عناصر الشرطة الفلسطينية في شوارع القطاع، على أكمل هيئة، وبزيهم الكامل النظيف.
وفورا قاموا بممارسة عملهم بشكل طبيعي، من تنظيم حركة السير، وحراسة قوافل المساعدات، كما تمركزوا في الطرق وعند المفارق.
وعملوا على توفير الحماية للسكان وحل مشاكلهم، من دون خوف من الاستهدافات الإسرائيلية.
وهذا الانتشار يمثل نقطة تحول مهمة، بعد استهداف إسرائيل المنهجي لقوى الأمن الفلسطينية خلال العدوان، وكانت تستهدف تفكيك تلك المنظومة حتى يتسنى لها السيطرة على غزة.
وفي 22 يناير 2025، تم عقد مؤتمر صحفي، لمدير المكتب الإعلامي لجهاز الأمن محمد الزرقا، على أنقاض مدينة عرفات للشرطة بغزة.
وقال: إن جيش الاحتلال قتل أكثر من 1400 من قادة وضباط ومنتسبي الجهاز، وأصاب ما يزيد عن 1950 آخرين".
وتابع: "كما اعتقل الاحتلال نحو 211 عنصرا على مدار أكثر من 15 شهرا من الإبادة الجماعية قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ".
يذكر أنه في 18 مارس/ آذار 2024، تمت عملية اغتيال المدير العام للعمليات المركزية في وزارة الداخلية والأمن الوطني في القطاع، اللواء فائق المبحوح.
وعلق الإعلامي الفلسطيني تامر المسحال، مراسل قناة "الجزيرة" القطرية، على مشهد انتشار عناصر الشرطة، قائلا: "هذا الظهور العلني لقوات الأمن بزيها الرسمي يعكس تعافي المؤسسات الأمنية، مما يعد رسالة تحدّ لإسرائيل التي كانت أهدافها المعلنة تشمل القضاء على حكم حماس في غزة".

عمل البلديات
المشهد الثالث من اليوم التالي للهدنة، كان متمثلا في سرعة تشغيل وعمل بلديات غزة وموظفيها.
فمنذ بداية اليوم بدأت بلدية غزة فتح الشوارع المغلقة تمهيدا لعودة النازحين، وقد أعلن رئيس بلدية رفح أحمد الصوفي، أن مدينة رفح في جنوب غزة “منطقة منكوبة”.
وأكثر من ذلك أنه عقد مؤتمرا صحفيا أوضح فيه التقديرات الأولية لخسائر العدوان، ومما رصدته بلدية رفح وحدها، تدمير 30 مقرا للبلدية من أصل 36 دمرت بالكامل.
بما في ذلك مبنى البلدية الرئيس، وتم الكشف أن 60 بالمئة من منازل المدينة سويت بالأرض، ما يعادل 16 ألف بناية، تحوي 35 ألف وحدة سكنية تم تدميرها.
وأحصت بلدية رفح أن 15 بئر مياه من أصل 24 دمرت، و70 بالمئة من شبكات الصرف الصحي تعرضت للتخريب، و291 مترا طوليا من الشوارع والطرق دمرت وجرفت بالكامل.
وقالت إنه تم تدمير 4 مدارس بشكل كامل، إلى جانب أضرار جسيمة في بقية المؤسسات التعليمية.
وأكدت خروج 9 مراكز طبية عن الخدمة نتيجة للدمار، منها 4 مستشفيات، وهم أبو يوسف النجار الرئيس، ومستشفى الولادة، والمستشفى الإندونيسي، والمستشفى الكويتي.
كذلك شمل التدمير 81 مسجدا تم سحقها بشكل الكامل، و47 مسجدا آخر تعرض لأضرار جسيمة، مع تجريف آلاف الدونمات الزراعية.
ومما أعلنت عنه بلدية رفح، تدمير جزء من المدينة على طول الحدود مع مصر، بطول 9 آلاف متر وعرض يتراوح بين 500 إلى 900 متر، مما أدى إلى محو 90 بالمئة من التجمعات السكنية في حي السلام والبرازيل ومخيم رفح.
هذه الإحصائيات الدقيقة التي كشفت عنها البلدية، تؤكد أن الموظفين والمسؤولين كانوا يعملون خلال فترة العدوان ويجهزون أنفسهم، رغم الظروف العصيبة.

الصحة والمدنيين
لم تتوقف وزارة الصحة بغزة عن عملها خلال العدوان، وبطبيعة الحال استمرت بعد "اتفاق وقف إطلاق النار".
وفي أول يوم للهدنة، كان الأطباء الفلسطينيون وبقية أعضاء المهن الطبية يؤدون دورهم بشكل كامل.
وقدم المكتب الإعلامي الحكومي بغزة عقب الهدنة مباشرة إحصائية عن الدمار الذي لحق بالقطاع الصحي.
وكشف أن العدوان دمر 34 مستشفى من أصل 38 منها حكومية وأهلية، تاركا 4 مستشفيات فقط تعمل بقدرة محدودة، وسط نقص حاد بالأدوية والمعدات الطبية.
وأعلن أن الغارات الإسرائيلية، أخرجت 80 مركزا صحيا عن الخدمة بشكل كامل، إلى جانب تدمير 162 مؤسسة طبية أخرى.
ولم تسلم سيارات الإسعاف من الاستهداف الإسرائيلي، فدمرت 136 سيارة، ما أدى إلى شلل كبير بقدرة الطواقم الطبية على الاستجابة لحالات الطوارئ.
وكشفت عن استشهاد 331 من العاملين في القطاع الصحي، بينهم ثلاثة أعدموا داخل السجون الإسرائيلية.
وعلى نفس النسق بدأ موظفو القطاع في العودة إلى أعمالهم في مختلف المؤسسات العامة والخاصة قدر المستطاع.
كما انضم عدد كبير من المواطنين إلى قوافل الإغاثة والأعمال التطوعية للمساعدة، وقد رصدت الفيديوهات والصور اصطفافهم بجوار الوحدات العسكرية وعناصر الشرطة.
وبعضهم بدأ يسهم في رفع الأنقاض وإزالة آثار العدوان، ليثبتوا أن الشعب الفلسطيني في غزة بدا حريصا على ممارسة حياته بشكل طبيعي.

ستغادرون ونبقى
تلك المشاهد نقلها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في 20 يناير 2025، وعلق عليها عبر تقرير ورد فيه: "وسط هتافات مدوية من آلاف الأشخاص في ساحة غزة الرئيسة، تم تسليم ثلاث أسيرات إسرائيليات للصليب الأحمر، في لحظة تجاوزت التوقعات وأعادت كتابة قصة الحرب".
وأكمل: "وقف مقاتلون من الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب عز الدين القسام، بالزي العسكري الكامل، إلى جانب الأسيرات، وكان وجودهم إعلانا جريئا للتحدي".
وأضاف: "بعد 15 شهرا من القصف المتواصل، والتهجير القسري الجماعي، والتدمير شبه الكامل، خرجت المقاومة الفلسطينية بمظهر المنتصر، مستنهضة معاني البقاء والصمود، بينما سادت في إسرائيل حالة من عدم التصديق والشعور بالإهانة".
واستطرد: "لا يُقيّم النصر في الحروب غير المتكافئة بقوة النيران، وإنما بالقدرة على سحق روح المقاومة لدى الطرف الأضعف.. حسب هذا المعيار، فشلت حملة نتنياهو فشلا كارثيا".
وأشار الموقع إلى "انهيار معيار قياس النصر الذي لهث وراءه نتنياهو، أي كسر روح المقاومة في غزة، وبدلا من ذلك، فرضت حماس شروطها: سيتم إطلاق سراح الأسرى فقط عندما يتوقف إطلاق النار، مع انسحاب الجيش الإسرائيلي". وعلق: "هذا الواقع كشف عبثية حرب نتنياهو، وترك الإسرائيليين والعالم يعيدون تقييم الحسابات الخاطئة".
ثم أضاف: "تحول ما تصور نتنياهو أنه سيكون نكبة ثانية إلى مسيرة عودة، فالفلسطينيون المهجرون والجرحى يعودون إلى منازلهم المدمرة، وأصبح صمودهم الأيقونة المميزة لهذه الحرب، وشهادة على قوة شعب يرفض أن يمحى".
واختتم الموقع بالقول إن "هذه المعركة تستدعي مقارنة تاريخية مؤلمة مع حرب فيتنام، كما صاغها تامير باردو، مدير الموساد السابق".
ويتذكر باردو كلمات ضابط أميركي وهو يخاطب نظيره الفيتنامي الشمالي: "لم نخسر معركة واحدة".
وكان رد الضابط الفيتنامي الشمالي عميقا: "قد يكون ذلك صحيحا، لكن في صباح الغد، ستغادرون، وسنبقى نحن".


















