“تنظيم الدولة” لا يزال قادرا على استهداف سوريا الجديدة.. ماذا عن التكتيكات؟

"من المرجح أن تنظيم الدولة دخل مرحلة إعادة صياغة لإستراتيجيته".
لا يزال تنظيم الدولة قادرا على استهداف الدولة السورية الجديدة وتهديد استقرارها عبر تحريك خلاياه وتنفيذ هجمات قاتلة على المدنيين وقوات الأمن، وذلك رغم تغير النظام.
وأصبح بسط الأمن في عموم سوريا أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات الجديدة التي تولت الحكم عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
ولذلك عززت دمشق منذ اللحظة الأولى تحالفاتها الإقليمية والدولية لمحاربة تنظيم الدولة الذي تشير كثير من الوقائع الميدانية إلى قدرته على شن هجمات داخل سوريا.

هجمات جديدة
إذ إن التقارير الاستخباراتية الدولية وعلى رأسها الأميركية، تؤكد أن تنظيم الدولة ما يزال نشطا في سوريا عبر مجموعات متفرقة وأفراد متناثرين في المحافظات السورية.
وفي أحدث تهديد لسوريا، أحبطت قوات الأمن الداخلي في مدينة الميادين بريف دير الزور محاولة “هجوم إرهابي نفذها عنصران من بقايا تنظيم الدولة على نقطة أمنية” في 22 أغسطس/آب 2025.
وأوضح قائد الأمن الداخلي في محافظة دير الزور العقيد ضرار الشملان في تصريح لوكالة الأنباء السورية "سانا" أن “أحد الإرهابيين حاول تفجير نفسه بحزام ناسف مستهدفا النقطة”.
فيما "اندفع الثاني، وهو انغماسي مسلح بسلاح فردي، لمهاجمة العناصر الذين تمكنوا من تحييد الانتحاري قبل أن يفجر نفسه، والاشتباك مع الثاني والسيطرة عليه، ما أسفر عن تحييد الإرهابيين كليهما"، كما قتل عنصر من الأمن الداخلي حينها.
وفي حادثة سابقة أقدم "انتحاري تابع لتنظيم الدولة على تفجير نفسه بحزام ناسف" في 22 يونيو/حزيران 2025 داخل كنيسة مار إلياس في دمشق، ما أسفر عن مقتل 25 شخصا. واتهمت الحكومة السورية التنظيم بتنفيذ الهجوم.
وفي مؤشر على الرصد الاستخباراتي لتحركاته بسوريا، أعلنت وزارة الداخلية، في 7 أغسطس 2025 تفكيك خلية لتنظيم الدولة في منطقة حارم بريف محافظة إدلب، مشيرة إلى أن أفرادها نفذوا عمليات اغتيال في ريف إدلب.
وأوضحت الوزارة أن وحدة المهام الخاصة ضبطت مستودع أسلحة متنوعة شملت سترات ناسفة وعبوات متفجرة وقناصات ورشاشات خفيفة وقذائف هاون إلى جانب مواد متفجرة وورشة مخصصة للتصنيع والتفخيخ.
وسبق ذلك، تنفيذ قوات أميركية وسورية في 21 أغسطس 2025 عملية استهدفت منزلا بريف إدلب أدت إلى مقتل قيادي كبير في تنظيم الدولة.
ووقتها قال مسؤول أميركي لم يكشف عن اسمه لوكالة رويترز البريطانية: إن الغارة أسفرت عن مقتل عضو في تنظيم الدولة كان يُنظر إليه على أنه مرشح لقيادة التنظيم في سوريا، بينما قال مصدر سوري آخر: إن القيادي عراقي الجنسية.
وكانت وزارة الدفاع الأميركية قالت في يوليو/تموز 2025: إنها شنت غارة في محافظة حلب أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم الدولة وابنيه البالغين.
ويرى كثير من المراقبين أن تزايد تهديد تنظيم الدولة لسوريا ينذر بإعادة تدخل دولي لمحاربته.
لا سيما أن التقارير الاستخباراتية تتحدث عن أنه يعيد لملمة صفوفه انطلاقا من البادية السورية وهي منطقة صحراوية فيها تلال وجبال نائية ومتصلة مع الحدود العراقية وتوجد فيها خلايا التنظيم منذ عام 2017.
وقد تداولت تقارير صحفية معلومات مطلع يونيو 2025 تفيد بأن التنظيم عين "أبو دجانة الجبوري"، واليا على حلب، في خطوة تشير إلى محاولته إعادة ترتيب أوراقه في مواجهة المتغيرات الجديدة في سوريا.
وأصدر تنظيم الدولة في 21 أبريل/نيسان 2025 تسجيلا مصورا باللغة العربية يتهم فيه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وحكومته بـ "الردة" ووجوب محاربتهم نظرا لمشاركتهم في "الهياكل الديمقراطية من دستور وانتخابات" وعدم "تحكيم الشريعة"، وفق التسجيل المذكور.
ويهدف تنظيم الدولة من الفيديو الدعائي إلى استغلال أعضاء سابقين في "هيئة تحرير الشام" لزعزعة عملية التحول السياسي في سوريا، وفق مراقبين.
وأعلنت "هيئة تحرير الشام" التي كان يقودها أحمد الشرع حل نفسها مطلع عام 2025. وعقب ذلك أعلنت الولايات المتحدة إلغاء تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية بموجب قانون الهجرة والجنسية، بدءا
من 8 يوليو من العام المذكور.

"ذئاب منفردة"
ويظل احتمال استغلال تنظيم الدولة سقوط نظام الأسد للظهور في سوريا مجددا، أمرا واردا.
إذ يرى أكثر من 20 مصدرا من بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون من سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا ودبلوماسيون في المنطقة، أن هذا هو تحديدا ما يسعى تنظيم الدولة إلى تحقيقه، وفق ما نقلت وكالة رويترز عنهم في 12 يونيو 2025.
وتقول المصادر: إن التنظيم بدأ في إعادة تنشيط مقاتليه بسوريا والعراق وفي تحديد أهداف محتملة وتوزيع أسلحة وتكثيف جهود التجنيد والدعاية.
وضمن هذا السياق، قال رئيس مركز "رصد" السوري للدراسات الإستراتيجية العميد المتقاعد عبدالله الأسعد: إن "تنظيم الدولة في سوريا قادر على تنفيذ مهام في أي توقيت كونه عبارة عن خلايا نائمة وتعمل على شكل جماعات وذئاب منفردة تتحرك في مناطق متباعدة في البلاد".
وأضاف الأسعد لـ "الاستقلال" أن "الأخطر هو أن فكر تنظيم الدولة الظلامي ما يزال موجودا داخل بقاياه من العناصر الذين شردتهم المعارك السابقة ضدهم خلال السنوات الماضية على الأراضي السورية".
وأشار إلى أن "هجمات التنظيم على الدولة السورية الجديدة تندرج ضمن قدرته على إشعال جذوة هذا الفكر لصالح من يجندهم لضرب استقرار سوريا وتهديد أمن المدنيين والأجهزة الأمنية الجديدة".
ورأى الأسعد أن “تنظيم الدولة يشعر الآن أن الدولة السورية الجديدة أصبحت شريكة مع دول العالم في الحرب على الإرهاب الذي يستهدفه”.
ونوه إلى "أن خلايا تنظيم الدولة في سوريا خامدة ويتم تحريكها لشن هجمات جديدة عبر أوامر تبدأ من قيادة التنظيم إلى ضباط العمليات فيه ثم إلى الشرعيين ثم إلى المنفذين وهم من العناصر المحلية أو الأجنبية الذين قدموا إلى سوريا من مختلف الدول".

"صياغة إستراتيجية"
يؤكد الأسعد أن "خلايا تنظيم الدولة تتحرك لتنفيذ الأهداف المرسومة لهم والمحددة بمساعدة من قاعدة مخابراتية تجمع لهم المعلومات وتسهل لهم التحرك لتحقيق الهدف".
ورأى أنه "على الدولة السورية الجديدة أن تتصدى لتنظيم الدولة بالوعي المجتمعي وقطع الطريق على المظاهر التي تؤجج فكره، وكذلك تدعيم خبرات قوى الأمن والاستخبارات السورية".
ويقول معهد دراسة الحرب، ومقره واشنطن العاصمة: إن تنظيم الدولة ربما احتفظ بخلايا في جنوب سوريا على الرغم من عدم تنفيذه أي هجمات هناك لمدة عامين على الأقل.
وحثّت الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى الحكومة السورية الجديدة على منع عودة ظهور تنظيم الدولة.
ووفقا لبيانات مجموعة "سايت إنتيليجنس"، المعنية بمراقبة نشاط المتشددين عبر الإنترنت، فقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن 38 هجوما في سوريا خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025.
وسبق أن كشف المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في مايو/أيار 2025 أن نشاط التنظيم "تزايد بعد سقوط النظام البائد؛ لأنه حصل على بعض الأسلحة من مخلفاته".
وأشار البابا في حديث لـ "تلفزيون سوريا"، إلى أن خلايا تنظيم الدولة حاولت التسلل إلى مواقع تابعة لوزارة الدفاع السورية، مضيفا أن "التنظيم حاول ضم عناصر من فلول النظام المخلوع إلى صفوفه".
وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية أن هناك تنسيقا مع دول الجوار السوري لمكافحة خطر تنظيم الدولة “العابر للحدود”.
ولفت البابا إلى أنه أخيرا جرى عقد اجتماع للأجهزة الأمنية بين سوريا ودول الجوار بشأن مواجهة التنظيم.
وفي هذا الإطار، حذرت ريتا كاتز، مديرة موقع "سايت"، من مغبة رؤية تراجع هجمات التنظيم في سوريا على أنها علامة ضعف.
وقالت كاتز لوكالة رويترز في 12 يونيو 2025 "المرجح أن التنظيم دخل مرحلة إعادة صياغة لإستراتيجيته".
كما قال 3 مصادر أمنيين و3 مسؤولين سياسيين في سوريا لوكالة رويترز: إن التنظيم يعمل منذ سقوط الأسد على تنشيط خلايا نائمة، ومراقبة أهداف محتملة، وتوزيع أسلحة وكواتم صوت ومتفجرات.
المصادر
- الأمن الداخلي بدير الزور يحبط هجوماً إرهابياً لتنظيم “داعش” في الميادين
- «داعش» يرتب أوراقه في سوريا... ويعين والياً جديداً لحلب
- تفاصيل عملية أطمة: استهداف قيادي في "داعش"عراقي الجنسية
- Islamic State reactivating fighters, eying comeback in Syria and Iraq
- من بينهم خمسة عراقيين.. الأمن الداخلي يفكك خلية تابعة لـ"داعش" في ريف إدلب