إسقاط النظام أم احتواؤه؟ معضلة الغرب في التعاطي مع إيران

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع استمرار الاحتجاجات الشعبية في إيران، وتصاعد التهديدات الأميركية للسلطات الإيرانية بالتدخل في حال قمع المحتجين، برز تساؤل ملحّ حول ما إذا كان الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يتجه فعليًا نحو تبنّي خيار الإطاحة بنظام ولاية الفقيه، الذي اعتاد تجاوز أزمات مشابهة واستطاع البقاء لأكثر من أربعة عقود.

وتشهد إيران منذ 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 موجة احتجاجات متواصلة، انطلقت من سوق التجار في طهران وامتدت إلى الجامعات وعدد من المدن، على خلفية الأزمة الاقتصادية وتدهور العملة الوطنية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى اقتحام وحرق عدد من المراكز الأمنية، ورفع شعارات تنادي بإسقاط النظام.

دور أميركي

منذ اندلاع الاحتجاجات، وجّهت القيادات الإيرانية اتهامات مباشرة للولايات المتحدة بالوقوف خلف ما وصفته بـ"أعمال الشغب" التي تشهدها البلاد، في وقت كثّفت فيه خطابها الرافض لأي دور أميركي أو محاولة لإحياء نظام الشاه الذي أُطيح به عام 1979.

وقال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إن ما تشهده المدن الإيرانية هو "أعمال تخريبية وإرهابية"، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية "لن تتحمل عملاء الغرب"، بحسب ما نقلته وكالة "تسنيم" في 9 يناير/كانون الثاني 2026.

وأضاف خامنئي، متحدثًا عن الدعم الأميركي للاحتجاجات، أن "أيدي الرئيس الأميركي ملطخة بدماء أكثر من ألف إيراني من القادة والعلماء وعموم الشعب خلال حرب الاثني عشر يومًا"، في إشارة إلى العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركيًا على إيران في يونيو/حزيران 2025.

وكانت إسرائيل قد شنت في 13 يونيو/حزيران 2025، بدعم أميركي، هجومًا استمر 12 يومًا استهدف مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية، إضافة إلى اغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين، فيما ردّت طهران حينها بضربات صاروخية غير مسبوقة طالت مرافق حيوية داخل تل أبيب.

وأكد خامنئي أن "نظام الجمهورية الإسلامية جاء إلى الحكم بدماء بذلها مئات الآلاف من الشرفاء، ولن يتراجع أمام المخربين أو العملاء"، مضيفًا أن مصير ترامب لن يكون مختلفًا عن مصير "فرعون ونمرود ورضا شاه ومحمد رضا شاه"، على حد تعبيره.

من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى "زرع الفوضى والاضطراب" داخل إيران عبر التحريض على أعمال الشغب، داعيًا الإيرانيين إلى عدم الانجرار خلف من وصفهم بـ"المثيرين للفوضى والإرهابيين".

وفي السياق ذاته، صرح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بوجود "أيادٍ أميركية وصهيونية واضحة" خلف الأحداث، مقدرا أن الهدف هو تهيئة الأرضية لتدخل أجنبي مباشر.

كما حمّل السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني واشنطن مسؤولية "تحويل الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف تخريبية"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، تتدخل بشكل غير قانوني في الشأن الداخلي الإيراني عبر التحريض والتهديد.

روايات متضاربة

في المقابل، صدرت مواقف أميركية حملت إشارات دعم واضحة للمحتجين. فقد كتب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، في تغريدة على منصة "إكس" في 10 يناير، مخاطبًا الإيرانيين: "شجاعتكم وعزمكم على إنهاء الظلم الذي تتعرضون له ملهمان".

وأضاف أن شعار ترامب "لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى" يعني "انتصار المتظاهرين على آية الله خامنئي"، مؤكدًا أن "المساعدة قادمة".

وتابع: "إلى كل من يضحون في إيران، بارك الله فيكم. المساعدة قادمة".

وشارك غراهام تدوينة لترامب قال فيها إن "إيران تتطلع إلى الحرية كما لم تفعل من قبل"، وإن الولايات المتحدة "على أهبة الاستعداد للمساعدة".

لكن ترامب، وفي مقابلة مع أحد برامج البودكاست في 9 يناير، بدا أكثر حذرًا بشأن دعم أي بديل سياسي، إذ وصف رضا بهلوي بـ"الشخص اللطيف"، لكنه رأى أن لقاءه به "قد لا يكون مناسبًا" في هذه المرحلة، مضيفًا: "يجب أن نترك الأمور تسير ونرى من سيبرز في النهاية".

وبذلك، يرى متابعون أن ترامب أبدى دعمًا عامًا لفكرة التغيير في إيران، دون الالتزام بدعم شخصية بعينها لقيادة مرحلة انتقالية.

في السياق نفسه، أفاد موقع "إكسيوس" الأميركي في 9 يناير بأن واشنطن "تراقب عن كثب" مؤشرات قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، لكنها لا تزال ترى أن حجم الاحتجاجات الحالي "غير كافٍ" لإحداث تغيير جذري، مع الإشارة إلى أن هذا التقييم يخضع لإعادة المراجعة في ضوء التطورات المتسارعة.

وأشار الموقع إلى أن رفض ترامب دعم رضا بهلوي قد يعكس رغبة أميركية في الإبقاء على النظام الإيراني في الوقت الراهن، أو على الأقل عدم التسرع في إسقاطه.

وفي 9 يناير/كانون الثاني 2026، كتب رضا بهلوي على حسابه في منصة "إكس" مخاطبا ترامب: "ليلة البارحة شاهدتم ملايين الإيرانيين الشجعان في الشوارع وهم يقفون في وجه الرصاص الحي. اليوم لا يواجهون الرصاص فقط، بل قطع كامل للاتصالات. لا إنترنت ولا هواتف ثابتة".

‏وأضاف أن خامنئي "الخائف من نهاية نظامه الإجرامي على يد الشعب وبمساندة وعدكم القوي بدعم المتظاهرين"، هدّد الموجودين في الشوارع بقمع دموي.

‏وتابع بهلوي: "تهديدكم لهذا النظام الإجرامي أسهم أيضًا في كبح أدوات القمع التابعة له. لكن الوقت حاسم. سيعود الناس إلى الشوارع بعد ساعة. أطلب منكم المساعدة".

‏وفي ختام رسالته، كتب مخاطبا ترامب: "لقد أثبتم- وأنا أعلم ذلك ـ أنكم رجل سلام وتوفون بوعودكم. أرجو أن تكونوا مستعدين للتدخل من أجل مساعدة الشعب الإيراني".

إعادة صياغة

تعليقا على مدى احتمالية إسقاط النظام وإمكانية تولي بهلوي الحكم، قال الباحث والمحلل السياسي المختص في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، إن " رضا بهلوي عمليا لا يصلح لقيادة دولة بحجم إيران بسبب تناقضاتها الكبيرة، حيث لا يحمل أي مواصفات قيادة حقيقية، هو فقط ابن الشاه الذي سقط عام 1979".

وأضاف أغوان في تدوينة على "فيسوك" أن "رضا بهلوي يمكن أن يجيب على سؤال ترامب المهم الذي لم يُجب عليه أي أحد حتى الآن حينما طُرحت فكرة إسقاط النظام الإيراني من إسرائيل وهو: من هو البديل المؤقت والسريع الذي يمكن أن يقود هذا النظام لفترة محدودة ؟".

ولفت الباحث إلى أن " نتنياهو يحاول اقناع ترامب برضا بهلوي من جديد على أنه يمكن أن يكون بديلا مؤقتا لقيادة إيران، إن نجح كان بها، وإن لم ينجح وفشل فسيكون هناك بديل آخر قد نضج بعد إسقاط النظام الحالي يمكن تسليمه السلطة سواء من داخل إيران أو خارجها، المهم أن البديل موجود الآن، ونتنياهو يبحث عن مصلحة مؤقتة ولا يهمه ما سيحدث بعدها".

ومن دون ذكر أين ومتى جرى هذا الحوار، أفاد أغوان، بأن "نتنياهو يقول لترامب إن رضا بهلوي سيسلم المنظومة البالستية الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني خلال ساعات للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وسيوقع اتفاقية تطبيع مباشرة خلال أسابيع".

وتابع: "يقول نتنياهو لترامب أن رضا بهلوي لن يُتعب الإدارة الأميركية وسيكون مطيعا جدا لها سواء في المرحلة الانتقالية أو إن استطاع تجاوزها، بل أن نجاحه يمكن أن يجعله يلعب نفس دور النظام الحالي فيما يخص صناعة التهديد المزمن للمنطقة عدا إسرائيل!".

وأردف: "وهذا مهم -التهديد المزمن- للإستراتيجية الأميركية لتستمر الولايات المتحدة في ابتزاز الدول ضمن صفقات لحماية الحكام والأنظمة أو صفقات سلاح وطاقة وتكنولوجيا بحجة الحماية من إيران البهلوية الجديدة" .

ولفت إلى أن "ترامب لم يقتنع لا في حرب الـ 12 ولا بعدها بضرورة إسقاط هذا النظام (الإيراني) كما يريد نتنياهو لاعتقاده أن هناك فرصة لإعادة صياغة دوره وسلوكه في المنطقة فضلا عن عدم توفر بديل يمكن أن يقود المرحلة المقبلة" .

وبيّن أغوان أن "إسقاط النظام الإيراني إن تم حسمه من ترامب، ليس من السهل أن يتم عبر التظاهرات، بل إن نسبة إسقاطه بهذه الطريقة ضعيفة جدا، إلا إذا قرر الشعب أن يفاجئ هذا النظام والعالم أجمع ويسقطه بطريقة دراماتيكية، وهذا مستبعد حاليا".

وخلص الباحث إلى أن "إسقاط النظام سيحتاج لتدخل عسكري كبير، وهذا التدخل لن يكون تدخلا بريا كما حدث عام 2003 في حالة العراق، وحينما نقول إنه لن يكون هناك تدخل بري بحجم ما حدث في العراق، هذا يعني أن عملية إسقاط النظام في إيران ستكون أصعب بكثير".

من جهته، قال المحلل السياسي الإيراني القريب من النظام، محمد صالح صدقيان: "للمرة الألف نسمع أن النظام الإيراني سوف يسقط، وهذه المرة مختلفة، والشعب مصمم على التغيير، والأمور لا تطاق، وفلان يريد الذهاب الى جزائر الواق واق، والآخر إلى دولة أكس وثالث إلى واي … وهكذا". 

وأضاف صدقيان عبر "إكس" في 8 يناير: "من يريد أن يعرف إيران والإيرانيين عليه أن يفهم ثقافتهم ووعيهم وبوصلة اهتمامهم. من الصعب أن تستطيع إقناع الإيراني.. ومن الصعب أن يقبل. ومن يراهن على تغيير النظام فهو واهم. القضية أعقد من ذلك بكثير".

وقبل ذلك خرج صدقيان في مقطع فيديو نشره على "يوتيوب" في 6 يناير، قال فيه إن "النظام الإيراني ليس هشا، وإن الشعب الإيراني لم يطالب بإسقاطه وإنما تصحيح المسار وإجراء إصلاحات اقتصادية وضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لأن الوضع لا يطاق، وحتى في السياسات الخارجية".

وجزم المحلل الإيراني أنه "من الصعب أن تجد إيرانيا يريد الفوضى أو التدخل الأجنبي أو الإسرائيلي في الوضع الإيراني، خصوصا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أراد فوضى في الحرب 12 يوما، وهذا ما رفضه الإيرانيون، وأن وعي المواطنين الإيرانيين يفسد ما يريده الأخير وحتى الصقور في الإدارة الأميركية".