عملية اغتيال المقدم أحمد زمزم في غزة.. كيف نفذت؟ وما مصير شبكة العملاء؟

محمد عيد | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

شكَّلت عملية اغتيال المقدم أحمد زمزم، (49) عاما، المسؤول في جهاز الأمن الداخلي بغزة، صدمة واسعة في الشارع الفلسطيني، وطرحت أسئلة حول الأساليب والمهام الجديدة لمليشيات العملاء التي تمثل أداة قذرة في يد الاحتلال.

كما أن موقع تنفيذ الهجوم في عمق القطاع، وشكله الوحشي، وتوقيته في وضح النهار، كان بمثابة جرس إنذار للقوى الأمنية حول تزايد خطر المليشيات.

من أخطر العمليات

وجرت الجريمة صباح 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة اغتيال المقدم أحمد زمزم، إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من قبل مسلحين في مخيم المغازي وسط القطاع.

وأكدت الوزارة في بيان أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض فور وقوع الجريمة على أحد المشتبه بهم، وشرعت في فتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات العملية ودوافعها.

وتوجهت الأجهزة الأمنية إلى موقع الاغتيال في مخيم المغازي للتحقيق في الجريمة التي وُصفت بأنها إحدى أخطر العمليات التي نُفذت أخيرا داخل القطاع.

ثم نشرت وزارة الداخلية نتائج التحقيقات الأولية التي أظهرت أن عملية الاغتيال نُفذت على يد ثلاثة عملاء تابعين للاحتلال الإسرائيلي، وبتوجيه مباشر من أجهزته الاستخبارية.

وانخرطت المقاومة في جهود التحقيق في الاغتيال؛ حيث كشف قيادي في أمن المقاومة، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، أن أحد العملاء الثلاثة المتورطين في جريمة الاغتيال أدلى باعترافات تفصيلية عقب اعتقاله.

وقال القيادي، في تصريحات لمنصة "الحارس" التابعة لأمن المقاومة: إن العميل اعترف بأن ضابطا تابعا لمخابرات الاحتلال اجتمع مع العملاء الثلاثة وكلفهم بتنفيذ عملية اغتيال المقدم زمزم، بحجة أنه يدير ملفا أمنيا حساسا قد يقود إلى كشفهم وعدد آخر من العملاء المتعاونين مع الاحتلال.

وأقر المعتقل بتسلمهم ثلاثة مسدسات مزودة بكواتم صوت، وثلاث دراجات كهربائية عالية السرعة، وملابس تحتوي على كاميرات صغيرة الحجم، إضافة إلى هواتف مرتبطة بسماعات لاسلكية، فضلا عن إحداثيات دقيقة لمسار تحركات المقدم الشهيد.

الاستقلال تستقصي

زارت "الاستقلال" موقع الاغتيال في مخيم المغازي، وحاورت سكان الحي، وسجلت شهادات الأشخاص الذين عايشوا أحداث عملية الاغتيال، ووقفت على تفاصيل ما حصل صباح 14 ديسمبر/كانون الأول 2025.

وحسب شهادات السكان، فإن عملية الاغتيال وقعت غرب مخيم المغازي، وتحديدا في حي بركة الوز، داخل شارع فرعي يصل ما بين شارع السكة وعمق المخيم، وهو شارع يشهد وجودا كثيفا للسكان والنازحين.

وحاورت "الاستقلال" الشاب أحمد غسان، وهو نازح يقيم مع عائلته قرب موقع الاغتيال، وكان شاهدا على مجريات الأحداث التي نفذها ثلاثة من المرتزقة والعملاء التابعين للاحتلال.

وقال أحمد غسان: إن عملية الاغتيال وقعت ما بين الساعة الثامنة والتاسعة داخل شارع فرعي في الجزء الشرقي من الطريق؛ حيث كان يقطن المقدم زمزم.

وأضاف أنه شاهد، أثناء جلوسه أمام خيمته، ثلاثة شبان يقودون دراجات هوائية كهربائية، وهو ما أثار انتباهه نظرا لكون هذا النوع من الدراجات باهظ الثمن ونادر الوجود في قطاع غزة.

وأضاف في حديثه لـ"الاستقلال": "لفتت انتباهي الدراجات الكهربائية الحديثة، وكنت أتحدث مع صديقي الذي كان يجلس بجواري، ونقول كم أن سعر الدراجة الواحدة منها يفوق سعر سيارة حديثة".

وتابع: "تبعناهم بأنظارنا حتى وصلوا إلى نهاية الشارع، وفجأة تظاهروا بتعطل إحدى الدراجات، وبدأوا يتظاهرون بمساعدة صاحب الدراجة المعطلة".

وأضاف: "ظلوا هناك ما بين 15 و20 دقيقة، حتى صعد المقدم إلى السيارة، وفجأة بدأ إطلاق النار. لم نكن قادرين على رؤيتهم في تلك اللحظة، لكن أصوات الصراخ العالية نبّهتنا لوقوع عملية الاغتيال".

وقال أحمد: "عندما اقتربنا من المكان، رأينا اثنين من المرتزقة يتقدمون نحو السيارة، وأجهزوا على المقدم بعد إطلاق النار عليه، ثم تأكدوا من مقتله. وكان ثالثهم يقف على مفترق طرق بالقرب منهم، على بعد أمتار، يحمل مسدسا ويؤمن الطريق لهم".

وأضاف الشهود: "شهدناهم وهم يأخذون ممتلكات المقدم، وبالأخص هاتفه المحمول، إذ كان واضحا أنهم مصممون على أخذ الهاتف. وبعد لحظات، بدأ سكان الحي بمهاجمة هؤلاء المرتزقة، وعلت أصوات تقول إن هناك قوات خاصة في الحي".

وأوضح أحمد أن مهاجمين اثنين من العملاء الذين نفذوا عملية الإعدام فرا فور سماع أصوات الصراخ، متجهين شرق المخيم على الدراجات الكهربائية.

وأضاف أنه أثناء محاولة هرب العميل الثالث وقع اشتباك جسدي مع أحد شبان الحي يُدعى (م. ق)، بعدما تعطل مسدس العميل بعد إطلاقه الكثير من الرصاص تجاه كل من اقترب منه.

"وحاول العميل صد الشاب وسعى لخنقه، قبل أن يصل شخص مسلح آخر من أهالي الحي إلى المكان ويطلق النار في الهواء".

وفي تلك اللحظة، حاول العميل الثالث الهرب بأي وسيلة، حتى إنه ترك دراجته الهوائية وراءه، وركض باتجاه الغرب نحو شارع السكة، حسب أحمد غسان.

وتابع أحمد: "فور محاولة العميل الهرب، ركض خلفه عدد كبير من سكان الحي، كما وصل عناصر من المقاومة واستنفروا وبدأوا بمطاردته".

وأضاف أنه لم يبتعد عن مكان الحادث سوى مسافة أقل من كيلومتر واحد، حيث تم القبض عليه قرب صالة سلسبيل على شارع صلاح الدين، ليقع حينها في قبضة المقاومة ووزارة الداخلية.

أسبوع من الرصد

وحاورت "الاستقلال" مصدرا أمنيا مطلعا على تفاصيل عملية الاغتيال والتحقيقات التي جرت مع العميل الذي ألقي القبض عليه أثناء محاولته الفرار.

وكشف المصدر الأمني لـ"الاستقلال" أن التحقيقات مع العميل المعتقل أكدت تورط الاحتلال بشكل مباشر في الجريمة.

وأوضح أن العملاء مكثوا نحو أسبوع في المنطقة قبل تنفيذ الاغتيال؛ حيث نصبوا خيمة قرب مصنع شومر غرب مخيم المغازي، على مسار الطريق الذي اعتاد المقدم زمزم سلوكه.

وأكد المصدر أنه خلال تلك الفترة راقب العملاء تحركات الشهيد بدقة، ودونوا مواعيد ذهابه وإيابه، والأشخاص الذين كانوا يرافقونه، بهدف اختيار التوقيت الأنسب لتنفيذ العملية.

وأضاف المصدر أن العملاء الثلاثة تابعون لمليشيا أبو نصيرة التي شكلها العميل شوقي أبو نصيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي يحمل رتبة لواء في الأجهزة الأمنية لسلطة رام الله.

وبحسب المصدر ثبت الاحتلال كاميرا مخفية داخل ملابس أحد العملاء، كانت تبث عملية الاغتيال بشكل مباشر، في حين راقب الاحتلال التنفيذ من الجو. وأشار إلى أن اكتشاف الكاميرا كان بالغ الصعوبة بسبب تمويهها المحكم.

وأكد أن التحقيقات مكنت الأجهزة الأمنية من كشف مسارات تسلل العملاء من المناطق الشرقية نحو عمق القطاع، كما اعترف المعتقل بأسماء عدد من العملاء النشطين ضمن ما يُعرف بمليشيا أبو نصيرة.

دوافع الاغتيال والعقاب

ويرى المصدر الأمني أن اغتيال المقدم زمزم يأتي في سياق استياء الاحتلال من عودة الأجهزة الأمنية في غزة إلى ممارسة دورها وفرض النظام، وإنهاء حالة الفلتان، وتوجيه ضربات متتالية لشبكات العمالة.

ورأى أن هذه الاغتيالات تهدف إلى عرقلة فرض الأمن، وبث الخوف، وضرب الثقة بالأجهزة الأمنية.

وفي المقابل، أشاد المصدر بوعي وشجاعة سكان حي بركة الوز، مؤكدا أن تدخل الأهالي أفشل خطة الانسحاب المحكمة التي أعدها العملاء، وأسهم في اعتقال أحدهم وكشف شبكة واسعة من المعلومات، ما قد يقود إلى تفكيك خلايا أخرى.

وحول مصير العميل، كشفت مصادر أمنية لـ"الاستقلال" أن العميل المتورط في اغتيال المقدم أحمد زمزم أعدم مساء 28 ديسمبر/كانون الأول 2025.

وأكدت المصادر أن الأجهزة الأمنية استنبطت العبر، وباتت تطبق خططا للتعامل مع أي محاولات للاختراق من قبل مليشيات العملاء.