غزة صمام أمان لمصر رغم تواطؤ السيسي مع الاحتلال ضدها.. كيف؟

منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

قطاع غزة الذي يخضع منذ عام 2006 لحصار خانق وحروب مستمرة، قدر له أن يشهد بدءا من 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حملة عسكرية إسرائيلية غير مسبوقة بدعم غربي كامل تتقدمه الولايات المتحدة. 

أكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع كتب عليهم التصدي لعدوان جيش الاحتلال، وحماية الأمن القومي المصري والعربي على مدار سنوات طويلة، من العقيدة التوسعية الصهيونية، وأفكار ما يعرف بإسرائيل الكبرى "من النيل إلى الفرات". 

فالسياسي المصري الدكتور حسن نافعة، يقول في كتابه "غزة والأمن القومي المصري والعربي"، الصادر في 2023، إن "قطاع غزة على وجه الخصوص اكتسب أهمية بالغة عند حكام مصر، ومنحوه الاهتمام العسكري والأولوية الجيوستراتيجية".

وأضاف: "غزة عبر التاريخ كانت حائط صد أولي ضد أي غزو يأتي لمصر من ناحية الشرق، ودائما كانت توجد بها حامية عسكرية مصرية، أو إسناد حربي لرصد العدوان والخطر المحتمل منذ الهكسوس وصولا إلي إسرائيل". 

حائط صد عظيم 

الأهمية الجغرافية لقطاع غزة تكمن في كونه يقع في المنطقة الجنوبية من الشريط الساحلي الفلسطيني، وهو المتاخم مباشرة لشمال شرق شبه جزيرة سيناء، ومعبر رفح الحدودي هو بوابة المرور بين الجانبين.

وبذلك يفصل القطاع مصر عن الأراضي المحتلة من تلك الجهة، ويشكل بدوره حاجزا طبيعيا وديموغرافيا. 

فمساحة غزة تبلغ 360 كيلو مترا مربعا، مقسمة إلي 5 مناطق (شمال غزة- محافظة غزة- دير البلح- خان يونس- رفح).

ويبلغ عدد سكان غزة، حسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء للعام 2023، ما يعادل 2.23 مليون نسمة. 

ودائما يمثل القطاع قنبلة سكانية فلسطينية في وجه دولة الاحتلال، ومع الوقت أصبح هاجسا أمنيا وسياسيا لإسرائيل. 

وفي مقولة شهيرة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين (1992–1995): "أتمنى أن أستيقظ يوما وأجد البحر قد ابتلع غزة".


شوكة في الظهر

يقول أستاذ علم السكان والاجتماع الدكتور محمد غبور، إن "هناك مجموعة من العوامل الطبيعية تحمي الدول منها الجغرافيا والديموغرافيا، فحين نتحدث عن دولة مثل روسيا على سبيل المثال فإن جغرافيتها الشاسعة والمعقدة تحميها على مدار التاريخ". 

وأضاف لـ"الاستقلال": "أما بالنسبة للصين والهند فإن عامل الديموغرافيا جعلهما من القوى العظمى، ويعمل كمحور حماية رئيسة لتلك الدول من الغزو والاحتلال".

وأضاف: "ينطبق هذا الأمر على قطاع غزة تماما، فهو يمثل أكبر كتلة سكانية تحمي مصر من جهة الشرق، وهو شوكة في حلق إسرائيل، فإن عامل السكان ووجود المقاومة الشرسة هناك، جعلته الشغل الشاغل لدولة الاحتلال، ومنعتهم عن الأطماع التوسعية والاستعمارية". 

وأوضح: "فإن سكان محافظة شمال سيناء المصرية على اتساعها يبلغون 500 ألف مواطن فقط، وتبتلعهم المساحة الكبيرة للمحافظة (27 ألف كيلو متر مربع)، وهذه فجوة عظيمة في الأمن القومي المصري، حرصت عليها إسرائيل دائما، بعدم تعمير سيناء، وتهجير المصريين إليها". 

وشدد الدكتور غبور: "أكبر خطر سيواجه مصر في تاريخها الحديث هو تصفية الوجود الفلسطيني في غزة، وإحلال اليهود هناك، وقتها ستنتقل المعركة إلى سيناء وعموم مصر، وستحقق إسرائيل أطماعها عاجلا أو آجلا عندما تحين الفرصة". 

سيناريو 67

تستقر في عقيدة اليمين الإسرائيلي والحركة الصهيونية فكرة "إسرائيل الكبرى" التي تم ذكرها في سفر التكوين بالتوراة، وحسب التفسير اليهودي إسرائيل هي أرض الميعاد التي تمتد من النيل في مصر إلى الفرات في العراق. 

هذه الفكرة بسببها جاء اليهود إلى فلسطين وقامت عليها دولة الاحتلال، والنصوص الدينية حاضرة دائما في ذهن صناع القرار الإسرائيليين وفي خطاباتهم. 

حتى إنه في 25 أكتوبر 2023، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إنه سيحقق "نبوءة إشعياء" في الحرب التي يشنها على قطاع غزة، ووصف جيش الاحتلال بأنه "أبناء النور" الذين سيهزمون "أبناء الظلام" على حد زعمه. 

ونبوءة إشعياء في التوراة تتنبأ بانتصار مملكة إسرائيل على أعدائها وتشمل خراب مصر.

لذلك سيظل التوسع والاستيطان على حساب الدول المجاورة تحديدا مصر، قائما في عقيدة إسرائيل، تحديدا اليمين المتطرف والذي يلعب دورا بارزا في حكومة نتنياهو الحالية، ما يشكل خطرا داهما ومستمرا على مصر.

ومع استحضار سيناريو الاحتلال الإسرائيلي لسيناء المصرية عقب نكسة 5 يونيو/ حزيران 1967، كان قطاع غزة آنذاك تحت السيادة المصرية. 

وعقب الاجتياح الإسرائيلي للقطاع برزت قضية وجود 400 ألف مواطن فلسطيني في غزة كعائق ديمغرافي يمنع حكومة الاحتلال من ضم القطاع والتهامه.

وأصبحت هذه القضية حاضرة بقوة على طاولة الحكومة الإسرائيلية التي بدأت تناقش خياراتها.

والتي كان أولها مشروع توطين اللاجئين في العريش، فيما ذهب وزراء عدة في تلك الحكومة إلى توسيع الخيارات بالتوطين في مساحات أخرى من سيناء.

حتى إن الضابط بجيش الاحتلال أرئيل شارون (رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد) هجر 12 ألف فلسطيني من غزة ووضعهم في محطات لجوء في سيناء.

 لكن لم تنجح خطة التهجير مع هذا العدد الضخم من الفلسطينيين، ثم توقفت تماما بسبب حرب 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973، التي انتهت بهزيمة إسرائيل. 


سلاح ضغط 

وأكد على هذا الباحث في تاريخ القدس الدكتور إبراهيم ربايعة، عندما كتب في 18 أكتوبر 2023، "أنه مع التحديات والتهديدات التي تواجه مصر أمام إسرائيل سكنت غزة موقعا متقدماً في الأمن القومي المصري".

وأضاف لصحيفة "اليوم السابع" المصرية: "العلاقات المصرية الإسرائيلية لم تصل أبدا موقع الثقة المتبادلة، في ظل محاولات إسرائيل العبث بالأمن القومي المصري على جبهات بعيدة أيضا مثل إثيوبيا".

وأورد: "من هنا شكلت غزة مساحة مهمة ومتقدمة في السياسة والأمن المصريين، أولتها أولوية كبيرة ودأبت على متابعتها من خلال جهاز المخابرات العامة المتصل مباشرة برئاسة الجمهورية".

وأوضح أن إسرائيل كما تلعب بأوراق متعددة لتهديد أمن مصر في مسائل وجودية كسد النهضة، فإن مصر تستخدم غزة كسلاح ضغط هائل ضد الاحتلال، وبفقدانه أو إضعافه سيكون الأمن القومي المصري في خطر. 

إضافة إلى هذا تحدثت العديد من الدراسات والأبحاث عن الأهمية التاريخية والجيوستراتيجية لغزة في الأمن القومي المصري. 

منها الدراسة التي نشرها الدكتور محمد أبو نحل، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر في 27 يناير/ كانون الثاني 2015، بعنوان "غزة المكان والحضارة". 

وقال فيها: "عندما تكون مصر قوية عسكريا تأمن من جانب غزة أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية، وعندما تفتر هذه القوة يصبح أمنها القومي في مهب الريح، وقد تتعرض للغزو والاحتلال المباشر، كما حدث عندما غزاها الهكسوس والفرس واليونان والرومان". 

وأضاف: "استخدم المصريون القدماء لحماية أمنهم القومي قاعدة (هاجم كي لا تُهاجم. بل انقل الحرب إلى ما وراء سيناء. كي لا تضطر إلى الحرب داخل وادي النيل)". 

واختتم الدكتور أبو نحل دراسته بذلك الاستنتاج: السياسة التي ينتهجها نظام السيسي ضد قطاع غزة، ستعرض أمن مصر القومي لمخاطر شتى، وقد يؤدي إلى مزيد من إضعاف خاصرة مصر الضعيفة أصلا، وأعني هنا "سيناء".