غزة تغرق ونازحوها في العراء.. شتاء بلا مأوى ولا دفء وعالم يكتفي بالفرجة

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تحت سماء قطاع غزة المثقلة بالغيوم والأوجاع، ومع هطول أمطار غزيرة أغرقت آلاف الخيام، يتأكد أن الظروف الإنسانية المعقدة التي يعيشها السكان ليست نتاجًا لغضب الطبيعة، وإنما انعكاس مباشر للسياسة العسكرية الممنهجة التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ويشهد قطاع غزة لليوم الثالث على التوالي هطول أمطار غزيرة، بالتزامن مع تأثر المنطقة بمنخفض جوي عميق بلغ ذروته اليوم، 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، ما أدى إلى غرق آلاف خيام النازحين المنتشرة في وسط القطاع وجنوبه.

ورغم أن المنخفض يأتي في بداية الموسم الشتوي الحالي، فإن اقتصاره على هذه الأيام الثلاثة المتتالية كان كافيًا لإخراج نحو 70 ألف خيمة للنازحين من الخدمة تمامًا، وتحويلها إلى برك مائية مُوحِلة، نظرًا إلى اهترائها مسبقًا، وتدمير الاحتلال الممنهج لقنوات تصريف المياه، ومنع دخول الكرفانات البديلة ومستلزمات الطوارئ.

كما سُجّلت خسائر أولية تُقدّر بنحو 3 ملايين دولار إلى جانب انهيار عشرات الجدران ووقوع إصابات، بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.

وحمل المكتب الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذه الكارثة، جراء استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء والإعمار، مطالبًا المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بالتدخل الفوري لإنقاذ النازحين وتوفير مقوّمات الحماية والإيواء لهم.

وأفادت طواقم الدفاع المدني في غزة بأنها تلقت منذ فجر اليوم آلاف نداءات الاستغاثة من عائلات غمرت مياه الأمطار والسيول خيامها بالكامل، خصوصًا في مخيمات دير البلح والمواصي وخان يونس الساحلية.

وأشارت مصادر محلية إلى أن تدمير الاحتلال الإسرائيلي الممنهج لأكثر من 77 بالمئة من شبكات الصرف الصحي ومضخات المياه ومحطات المعالجة طوال أشهر الحرب الماضية جعل تصريف المياه أمرًا مستحيلًا.

وأدى ذلك إلى تشكّل تجمعات مائية ضخمة واختلاط مياه الأمطار بالمياه العادمة، وهو ما ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة تفوق قدرة المستشفيات المتهالكة أساسًا.

وأكدت مصادر حقوقية وتقارير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل رفضها القاطع دخول الشاحنات المحملة بالوحدات السكنية الجاهزة (الكرفانات) إلى قطاع غزة، وتفرض فيتو سياسيًا مشددًا على إدخالها.

ورغم التحذيرات المتكررة من المنظمات الإنسانية بشأن دخول فصل الشتاء، لا تسمح سلطات الاحتلال إلا بدخول أعداد شحيحة جدًا من الخيام التقليدية المصنوعة من النايلون والأقمشة الخفيفة، التي تمزق أغلبها جراء الرياح القوية اليوم.

وأضافت التقارير أن الحظر يمتد ليشمل الشوادر البلاستيكية السميكة، والمواد العازلة للرطوبة، والمعدات الهندسية ومضخات شفط المياه التي يحتاج إليها الدفاع المدني والبلديات لإزالة الركام وفتح ممرات آمنة لتصريف المياه، ما يترك نحو مليوني نازح في العراء لمواجهة المنخفضات الجوية دون أي وسيلة حماية مدنية حقيقية.

وكانت فصائل فلسطينية قد طالبت، أمس، بالضغط على إسرائيل من أجل إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا إلى قطاع غزة، لمواجهة تداعيات المنخفض الجوي، وذلك عقب تفاقم المعاناة في القطاع مع دخول فصل الشتاء واشتداد المنخفضات الجوية، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي المتواصل.

جاء ذلك وفق بيان مشترك لحركات حماس والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، وحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، ولجان المقاومة في فلسطين، وما يسمى تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح.

وحملت الفصائل "الاحتلال الصهيوني (الإسرائيلي) المسؤولية الكاملة والمباشرة عن المأساة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة؛ حيث يواجه أكثر من مليوني فلسطيني آثار حرب الإبادة والدمار والحصار، فيما تترك الأمطار والبرد مئات آلاف النازحين في خيام غمرتها المياه والوحل، بلا مأوى".

وأشارت إلى أنه "مع أول منخفض جوي شتوي، تتكشف صورة قاسية لما ينتظر قطاع غزة خلال الأشهر المقبلة؛ إذ تفقد عائلات ما تبقى لديها من أغطية وأمتعة، ويواجه الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى البرد والمطر في العراء".

كما طالبت "مجلس السلام" بـ"تحمّل مسؤولياته، واتخاذ إجراءات جادة لإلزام الاحتلال بوقف انتهاكاته وتنفيذ التزاماته".

ودعت الفصائل "الوسطاء والضامنين إلى الاضطلاع بدور أكبر وأكثر فاعلية، وممارسة الضغط لضمان التنفيذ الكامل للبروتوكول الإنساني، وإدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا، تشمل المساعدات الإنسانية ومستلزمات الإيواء والتدفئة والكرفانات ومعدات الدفاع المدني والمواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية".

بدورها، حذّرت وزيرة التنمية الاجتماعية في الحكومة الفلسطينية، سماح حمد، من تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة إثر الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال اليومين الماضيين وأغرقت آلاف خيام النازحين، وسط نقص حاد في مستلزمات الإيواء واستمرار القيود على إدخال المساعدات.

وقالت حمد، في حديث لإذاعة "صوت فلسطين" المحلية، تابعته "سوا": إن القطاع يواجه واقعًا كارثيًا مع اشتداد الشتاء؛ إذ فقدت آلاف الأسر المأوى إثر تلف خيامها المهترئة بفعل السيول، وغياب شبكات التصريف، وتدمير البنية التحتية بالكامل.

وشددت الوزيرة على أن أزمة المأوى أضحت خطرًا مباشرًا يهدد سلامة المواطنين وحياتهم، مشيرة إلى أن التنسيق الجاري مع وزارة الأشغال العامة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتجهيز مراكز النزوح سيبقى قاصرًا دون تدفق واسع للخيام والشوادر.

ودقت حمد ناقوس الخطر إزاء احتمال تكرار وفيات الأطفال جراء التجمد والبرد القارس، كما سُجل في الشتاء السابق، مناشدة الهيئات الحقوقية والدولية التحرك العاجل لوقف الكارثة قبل اشتداد العواصف القادمة.

فيما صرّح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح بأن غرق الخيام يمثل فصلًا جديدًا من فصول التطهير العرقي وحرب الإبادة الممنهجة. مشددًا على أن حظر مستلزمات الإيواء وترك النازحين في الوحل يضع العالم أمام جريمة حرب مكتملة الأركان، تتطلب محاسبة فورية لقادة الاحتلال.

وأعلنت البلديات عجزها الكامل عن التعامل مع السيول، نظرًا إلى تدمير الآليات، وحظر الاحتلال إدخال الوقود الكافي لتشغيل المضخات، ومنع دخول قطع الغيار والمعدات الثقيلة، محملة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن غرق مدن القطاع ومخيماته.

ويشار إلى أنه منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعرّضت البنية التحتية المدنية لعمليات تدمير واسعة النطاق، شملت الطرق الرئيسة وشبكات المياه والصرف الصحي والمقار الخدمية التابعة للبلديات والدفاع المدني. وعقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الرسمي في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لم تتغير السياسة العسكرية للاحتلال بشكل ملموس على أرض الواقع؛ إذ واصل فرض حصار خانق وإحكام قبضته على المعابر التجارية، وحظر دخول مستلزمات إعادة الإعمار والوحدات السكنية الجاهزة (الكرفانات).

وتذرع الاحتلال بـ"الاستخدام المزدوج"، تاركًا ملايين النازحين يعتمدون كليًا على خيام قماشية وبلاستيكية مهترئة لا يتجاوز عمرها الافتراضي بضعة أشهر، ولا تصمد أمام تقلبات الطقس العنيفة.

وتأتي هذه الكارثة الجوية في وقت يواجه فيه قطاع غزة فراغًا حادًا في آليات الإغاثة الدولية؛ بسبب القيود الإسرائيلية المستمرة والشديدة التي شلّت قدرة منظمات الأمم المتحدة، مثل الأونروا ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، على تأمين الموازنات والمستلزمات الشتوية الطارئة.

ويجد مئات الآلاف من النازحين الذين أُجبروا عسكريًا على الانتقال إلى "المناطق الآمنة" المزعومة في المواصي وامتداد الشواطئ الرملية أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في برك المياه العادمة والوحل، أو التعرض للتجمد نتيجة تبلل أغطيتهم وممتلكاتهم القليلة.

إبادة متعمدة

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، صبّ ناشطون جام غضبهم على الاحتلال الإسرائيلي، وحمّلوه كامل المسؤولية عما يتعرض له القطاع جراء الأمطار وتداعياتها، معتبرين أن غرق الخيام ومراكز الإيواء ليس مجرد أزمة ناتجة عن تقلبات الطقس، بل جريمة مفتعلة ومتعمدة ومخطط لها بعناية.

وأكدوا، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #شتاء_غزة و#غزة_تغرق و#منخفض_غزة وغيرها، أن مأساة غزة اليوم نتيجة مباشرة للحصار المستمر ومنع إدخال مواد الإيواء، مثل الكرفانات والخيام البديلة ومستلزمات التدفئة.

وأشار ناشطون إلى أن استمرار إغلاق المعابر وتقييد المساعدات يحوّل الأمطار إلى كارثة مميتة، واصفين الوضع بأنه جزء من "إبادة بالصقيع" أو "فنون الموت البطيء"؛ حيث يمنع الاحتلال وصول المستلزمات الأساسية بعد تدمير المنازل.

معاناة مضاعفة

ووثق ناشطون حالات الفزع الإنساني داخل المخيمات الغارقة؛ حيث ظهرت أمهات يبكين فوق أغطية أطفالهن المبتلة بالكامل وعائلات تحاول يائسة نزح المياه الطينية من الخيام بأواني المطبخ البسيطة، داعين الجميع ليكونوا صوت غزة.

وحذروا من خطر داهم يهدد مئات الأطفال الرضع وكبار السن وهو "التجمد المتدرج" جراء انخفاض حرارة أجسادهم في ظل انعدام وسائل التدفئة، وفقدان الوقود أو الحطب الجاف لإشعال النيران، مما يجعل الموت برداً خطراً محدقاً يتربص بالجميع، معربين عن تضامنهم مع غزة.

كرفانات عاجلة

وطالب ناشطون بإدخال الكرفانات (البيوت الجاهزة) فوراً كبديل عملي يحمي النازحين من البرد والمطر والغرق، بدل الاعتماد على الخيام المهترئة، مصنفين منع الاحتلال دخولها جريمة حرب، داعين إلى ضغط شعبي وسياسي فاعل يجبر الجهات المعنية على فتح المعابر وتوفير المأوى والتدفئة.

وناشدوا الوسطاء والضامنين ومجلس السلام مباشرة بممارسة دور حقيقي وفعال لإلزام الاحتلال بتنفيذ البروتوكول الإنساني وضمان تدفق المساعدات والكرفانات، واستنكروا بشدة صمتهم وتقاعسهم ومواقفهم الباهتة التي يرونها غطاءً لاستمرار المعاناة والخذلان.

وأكد ناشطون أن الصمت مشاركة في الجريمة، وحملوا المسؤولية للاحتلال وللوسطاء معاً وللأنظمة العربية والغربية كافة، مطالبين بإنهاء حالة التقاعس العربي والدولي قبل أن يتحول الشتاء إلى فصل إبادة إضافية.

الكلمات المفتاحية