تجسس وطعن بالظهر.. كيف تحول المقاتلون الأجانب لصداع برأس أوكرانيا؟ 

لندن - الاستقلال | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

رغم اشتداد الغزو الروسي، إلا أن أوكرانيا بدأت بالتعاون مع الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" وأجهزة مخابرات غربية، في إجراء فحص أمني للمقاتلين الأجانب الذين تطوعوا للقتال بصفوفها منذ 24 فبراير/ شباط 2022.

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بداية الغزو تشكيل "الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا"، ينضم إليه كل من يرغب من حول العالم بالتطوع "للقتال مع الأوكرانيين ضد الروس".

وبعد إعلان تشكيل هذا الفيلق، قالت السلطات الأوكرانية، إنها تلقت طلبات من حوالي 20 ألف متطوع للقتال ضد روسيا، وما هي إلا أيام وأعلن زيلينسكي أن 16 ألف أجنبي تطوعوا في "الفيلق الدولي".

وتنظر روسيا إلى هؤلاء على أنهم مرتزقة لدى كييف، بينما ينفي الجيش الأوكراني صفة الارتزاق عنهم، ويقول إن لديهم عقودا رسمية معه.

فحص أمني

ومع أن المتطوعين الأجانب أسهموا في المعارك الأوكرانية وفقد كثير منهم حياتهم، كونهم كانوا على الخطوط الأمامية، خاصة أن بينهم ضباطا سابقين وعناصر خدموا في جيوش بلادهم، إلا أن "لحظة غربلة" هؤلاء يبدو أنها قد حانت.

وتسعى كييف بالوقت الراهن إلى فحص المقاتلين الأجانب لديها، ولهذه الغاية، التقى ممثلو جهاز أمن الدولة الأوكراني مع نظرائهم من "الإنتربول" في 10 مايو/ أيار 2023، لمناقشة إمكانية العمل معا لتحديد الأفراد الذين سافروا إلى أوكرانيا هربا من العدالة في بلدان أخرى أو تنفيذا لمهام تجسس.

وبدأت كييف أيضا في استكشاف خيار إقامة حوار مماثل مع السلطات المختصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا.

وبحسب ما نشرت مجلة "إنتلجنس أونلاين" الفرنسية المعنية بالشؤون الاستخباراتية، فإنه تجرى حاليا مشاورات بين جهاز أمن الدولة في أوكرانيا والإنتربول ومختلف أجهزة المخابرات الغربية، يمكن أن تؤدي إلى تبني إجراءات موحدة جديدة لتبادل البيانات حول الأفراد المطلوبين في بلدانهم الأصلية.

وكشفت الأجهزة الأمنية المختلفة في أوكرانيا حتى الآن عن بعض هؤلاء الأفراد على أساس كل حالة على حدة، دون أي تنسيق خاص بينها، وفق تقرير المجلة المنشور في 29 مايو.

علاوة على ذلك، لا يوجد حاليا أي إجراء للتواصل مع السلطات في البلدان الأصلية للمتطوعين الأجانب.

وجاء هؤلاء المتطوعون من دول رئيسة هي الولايات المتحدة والدنمارك والهند وإسرائيل وبولندا ولاتفيا وكرواتيا والمملكة المتحدة وهولندا وكندا.

وفي المرتبة الثانية يأتي مواطنو دول أوروبا الوسطى والشرقية الذين تختلف دوافعهم أحيانا للقتال مع الأوكران.

ومن بين أولئك الذين وصلوا للقتال من أجل أوكرانيا عشرات الجنود السابقين من فوج المظلات النخبة في الجيش البريطاني.

وبعض المتطوعين جلبوا معهم من دولهم سترات واقية من الرصاص مليئة بالأدوات الطبية وطلبوا العمل كمسعفين مدنيين.

ويتلقى بعض المقاتلين الغربيين في أوكرانيا رواتب منتظمة، ويقال إن التعويض مماثل لتعويض الجنود الأوكرانيين.

ويوقع المحاربون العسكريون الدوليون الذين جرى قبولهم في "الفيلق الدولي" الأوكراني عقدا يضمن لهم راتبا بقيمة 3000 دولار شهريا.

مهام تجسس

ومع ذلك، غالبا ما يسير التجسس والخلفيات الإجرامية جنبا إلى جنب مع بعض هؤلاء المتطوعين الذين قدموا إلى أوكرانيا.

ودل على ذلك، الواقعة الأخيرة التي أوردتها "إنتليجنس أونلاين" عن إرسال مواطنين كولومبيين إلى أوكرانيا من طرف كبار تجار المخدرات، قبل أن يتم استقطابهم من جهة عملاء المخابرات الروسية في الإمارات.

وأثارت قضية جون ماكنتاير، المحارب الأميركي المخضرم، الذي قاتل لعدة شهور في أوكرانيا قبل أن ينشق ليلتحق بصفوف الروس في فبراير/شباط 2023، موجات من الصدمة في المجتمع الأمني في كييف.

وقد تبين أن ماكنتاير كان مطلوبا لدى السلطات الأميركية على خلفية إرساله تهديدات بالقتل إلى مسؤول منتخب.

وقد أفلتت هذه المعلومات من القادة المحليين، إلى أن استخدم ضابط آخر من الولايات المتحدة موجود على الأرض صلاته في واشنطن لتسليط الضوء على هذه القضية، لكن في تلك المرحلة كان قد انشق ماكنتاير بالفعل.

وجون سلم نفسه إلى القوات الروسية، وظهر على شاشة التلفزيون في موسكو مدعيا أن هذه كانت خطته طوال الوقت، وقال إنه ذهب إلى موسكو عبر إسطنبول، وادعى أنه فعل ذلك لنقل معلومات قيمة جمعها أثناء عمله كـ"جاسوس" في أوكرانيا.

وأمام الحرب المفتوحة بأوكرانيا، تعلم قادة الفرق والفصائل بشكل أساسي إجراء عمليات تدقيق سريعة أثناء العمل. فهم الذين لهم القول الفصل فيما إذا كان سيتم توظيف المجند المحتمل أم لا.

وذلك نظرا للزيادة في عبء العمل الذي يستلزم ذلك، فإن الموظفين الميدانيين يدعمون بشدة احتمال إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات الفحص والسعي للحصول على المساعدة من الشركاء الأجانب.

وهذه الطموحات يجرى متابعتها حاليا على أعلى مستوى، حيث تنفق الوحدات موارد كبيرة لتجهيز وتدريب المجندين، بينما سينتهي الأمر بعدد معين منهم إلى الهروب أو الانشقاق أو الطرد، فماكنتاير مجرد مثال سلطت عليه الأضواء أخيرا.

عودة للديار

وخلال الأشهر الأخيرة، عاد العديد من هؤلاء الجنود الطامحين إلى ديارهم دون أن يقدموا مساهمة كبيرة في المجهود الحربي بأوكرانيا.

لكن يبدو أن كييف تمسكت بمن لديه المهارات العسكرية لمواصلة القتال والمساعدة بالمجهود الحربي كمدربين ومترجمين ومقاتلين في الخطوط الأمامية.

وبحسب موقع "نيوزويك" الأميركي، فإن جاك هويكسترا، أحد قدامى المحاربين في مشاة البحرية الأميركية، والذي انسحب من أكاديمية شرطة ديترويت لخوض المعركة من أجل أوكرانيا عاد إلى ميشيغان في أغسطس/ آب 2022، بعد أن عمل كمدرب عسكري متطوع في أوكرانيا.

اللافت أنه حينما تتأكد كييف من مقتل بعض المتطوعين، يجرى الإعلان عن ذلك في بلدانهم الأم.

فقد أعلنت إذاعة "آر تي إل" الفرنسية، وفاة مقاتل فرنسي يبلغ من العمر 20 عاما متأثرا بجروحه في 25 يونيو/ حزيران 2022 في منطقة خاركيف.

وقد انضم هذا المقاتل للفيلق الدولي مطلع مارس 2022، وهذا ثاني مقاتل فرنسي يتأكد رسميا مصرعه في أوكرانيا.

وبحسب الإذاعة الفرنسية هناك حاليا ما يقرب من خمسين فرنسيا يقاتلون حاليا في أوكرانيا.

وفي نهاية أبريل 2022 أعلنت المملكة المتحدة مقتل بريطاني وفقدان أثر آخر في أوكرانيا، وأورد الإعلام البريطاني أن المواطن القتيل هو جندي سابق في الجيش اسمه سكوت سيبلي.

وأورد الإعلام أيضا أن البريطانيين كانا يقاتلان ضد القوات الروسية بصفة متطوعين.

في هذا السياق، يشرح المتطوع بولاك والذي قابلته وكالة فرانس برس في 26 يونيو 2022 ولم تكشف عن جنسيته حفاظا على سرية هويته، عن وضع إخوته الغربيين في السلاح الذين يخدمون إلى جانبه في "الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا".

يؤكد بولاك أن هؤلاء المقاتلين "قاتلوا في أفغانستان أو العراق لكنهم ليسوا مستعدين" للمشاركة في المعارك.

ويشير بولاك إلى أن الفيلق يتسم بالتنوع، إذ يضم "كنديين وجورجيين وكرواتيين" لم يدربوا على حرب المدفعية.

ويقول هذا المتطوع في شهادة نادرة من الداخل "بصراحة، لدينا الكثير من الجبناء"، مضيفا: "في بعض الأحيان بعد المعارك الأولى، يقولون لم نستعد لهذا ويعودون إلى المنزل".

بدوره، يوضح الناطق باسم "الفيلق الدولي" ليونيه داميان ماغرو (33 عاما) أن معظم هؤلاء المجندين جاءوا من دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي "ناتو" وفوجئوا بشراسة المعارك.

ونتيجة لذلك، يعود بين عشرة وثلاثين بالمئة من المتطوعين إلى الحياة المدنية بعيد دخولهم ساحة القتال على حد قوله.

ويتابع ماغرو أن "جميع المجندين تقريبا جنود سابقون ثلثهم من دولة أنغلو ساكسونية"، واللغة الإنجليزية هي لغة التواصل.

ويضيف أن "الأميركيين يقاتلون من أجل الحرية والقيم الغربية بينما يقول البولنديون إن الدفاع عن أوكرانيا هو أيضا دفاع عن بلادهم".

ورغم أنهم وقعوا جميعا عقدا مع الجيش الأوكراني، فإنهم يبقون أحرارا في الرحيل في أي وقت.

خشية المحاكمة

ويختلف وضع المتطوعين الأجانب القانوني حسب بلدهم الأصلي. فبعضهم "يمكن أن يتعرض لملاحقة جنائية" بحسب ماغرو، في إيطاليا أو كوريا الجنوبية على سبيل المثال.

بينما بلد مثل الدنمارك لا ترى "عقبة قانونية" أمام مشاركة المتطوعين الدنماركيين في القتال، ووفق السفارة الأوكرانية في كوبنهاغن، سافر نحو 100 دانماركي إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال ضد القوات الروسية في منتصف مارس 2022.

ومع ذلك فإن الذين يسافرون إلى أوكرانيا للقتال قد يتعرضون للمحاكمة عند عودتهم إلى بلدانهم.

حيث حث رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون مواطني بلاده على عدم الانضمام إلى القتال العسكري في أوكرانيا، وقال للصحفيين في مارس 2022، إن هناك "شكوكا" بشأن الوضع القانوني للمقاتلين المدنيين الأجانب.

بينما قالت ألمانيا إنها لن تلاحق المتطوعين الذين ينضمون إلى القتال، وقال زعماء الدنمارك ولاتفيا إنهم سيسمحون لمواطنيهم بالتطوع. أما وزيرة الدفاع الكندية أنيتا أناند، فقد عدت تطوع الكنديين "قرارا فرديا".

كما يقول موقع وزارة الخارجية على الإنترنت إن المواطنين الأميركيين ليسوا ممنوعين من الخدمة في جيش دولة أخرى، ويمكن أن يكون العمل كضابط أو القتال ضد دولة تعيش في سلام مع الولايات المتحدة.

كما أنه يمنع قانون التجنيد الأجنبي في المملكة المتحدة، المواطنين من الانضمام إلى الجيوش الأجنبية التي تقاتل البلدان التي تعيش في سلام مع بريطانيا، ولكن لم يتم تطبيقه على النزاعات الحديثة.

بحسب ما قال متحدث باسم وزارة الدفاع الروسية مطلع مارس 2022، فإن "المقاتلين الغربيين لن يعاملوا كمقاتلين قانونيين وسيواجهون محاكمة جنائية أو ما هو أسوأ، وفقًا لوكالة الأنباء الروسية تاس.

ونظرا لأن المتطوعين سيقاتلون كأعضاء في الجيش الأوكراني، فمن غير المرجح أن يواجهوا اتهامات في وطنهم بسبب أفعالهم المحددة في الحرب، باستثناء المحاكمة على جرائم الحرب أو سلوك مشابه، كما يقول الخبراء.